بيانات حركة أحرار البحرين

للكلمة قداستها فلنحترمها لانها رسالة وموقف

ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد

للكلمة قداسة في الاسلام، وقد بدأت رسالة محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام بأمر إلهي أبلغه جبرئيل عليه السلام لنبي الرحمة “أقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم القرآن بالقلم“.

 وانما يدخل الانسان الاسلام باطلاق الشهادتين، وهي عبارة عن كلمات ينطقها اللسان ويقرها القلب، وبها ينتقل الانسان من الظلام الى النور، من الباطل الى الحق. وهل خلافنا مع نظام الاحتلال الخليفي الا منطلق على خلفية كلمات ضرورية تصوغ العلاقة بيننا وبينهم؟ وهل صراع الامم خصوصا في العصر الحاضر الا من اجل ضمان حرية التعبير؟ مع ذلك فهذا التعبير محكوم، وفق الموازين الدولية، بحدود تمنع الاحتقان الاجتماعي، وتحمي السلم البشري، وتكرس الاحترام المتبادل خصوصا بين أبناء الوطن الواحد. وهل الاحتقانات والتوترات الا نتائج لكلمات غير محسوبة او مسؤولة، يطلقها البعض ويتحمل الجميع أوزارها. ولطالما دفع المناضلون دماءهم دفاعا عن حرية الكلمة (او حربة التعبير) لان تلك الحرية تساهم في نضج العقل البشري، وتعميق التفاهم، اذا استعملت ضمن أطر الاخلاق والعقل والاحترام المتبادل. وكمؤمنين نعتقد بان “كلمة الله هي العليا”، لانها منطلقة من مصدر الخلق والأمر، فهي محسوبة لتلائم الانسان وتطوره وتحميه. وهل قوافل التي سيقت الى غرف التعذيب الا بسبب التعبير الحر عن الرأي والموقف؟ فما الذنب الذي ارتكبه الاستاذ حسن مشيمع والشيخ محمد حبيب المقداد عندما اقتادتهم عناصر الاحتلال الخليفي المقيت، وهل تفوها بشيء سوى المطالبة بحقوق الشعب وفي مقدمتها كتابة دستور عصري يقضي على عقلية الاحتلال ويقر حق الشعب في ادارة نفسه؟

الكلمة المسؤولة في رمضان تحفظ للصائم صومه، وان فسدت بطل الصوم، خصوصا اذا كانت كذبا على الله ورسوله، او شهادة زور،  او قول بهتان. بل ان الامتناع عن الكلام نمط من “الصوم” يمارسه الانسان عندما يكون السجال في غير طائل “اني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا”. وينسب الى أحد اللأئمة قوله: “نزهونا عن الربوبية وقولوا فينا ما شئتم”. من هنا يصاب بالتقزز من يسمع قصائد المتزلفين الذين يحيدون عن الجادة وهم يقولون في الطغاة صفات لا تليق الا بالله “ما شئت لا ما شاءت الأقدار     فاحكم فأنت الواحد القهار”. ويصاب بالتقيؤ من يسمع ابيات شعر تمدح الطغاة وتمجدهم بشكل مفرط، يدفعهم للغرور والامعان في الطغيان. وما أكثر الذين باعوا ضمائرهم بابيات شعر او كلمات اطراء في حاكم متجبر، يمارس الظلم والعدوان بحق المواطنين، ويوجه وحوشه لنهش أجساد الآدميين بالتعذيب والتنكيل والاعتداء الجسدي والجنسي على الأبرياء الذين لا حول لهم ولا قوة، ولا ذنب لهم سوى ايمانهم العميق بربهم، ذلك الايمان الذي يدفعهم للصمود بوجه الطغاة ومقاطعتهم ورفض مسايرتهم “وما نقموا منهم الا ان يؤمنوا بالله العزيز الحميد”. والايمان من أهم اسباب الصمود، وهو مصدر البصيرة التي تجعل المؤمن ينظر بعين ثاقبة ويستوعب الامور بحذاقة. واذا مات القلب فقد صاحبه البصيرة، وأصبح عاجزا عن تحقيق التوازن في قوله وسلوكه.

وللكلمة موقعها في يقظة الامم وسباتها. فعندما تستيقظ يقل كلام ابنائها ويكثر عملهم، فالكلام هنا مكمل للعمل وليس بديلا عنه، فهو من اجل البناء والخير وليس من اجل المزايدة وتسجيل المواقف: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا او ليصمت”. وشتان بين كلمة تؤدي الى صحوة النائمين  وتوقظ ضمائرهم بتذكيرهم بمسؤولياتهم امام الله، وكلمة تتوقف عند الإطراء والمديح، بدون ان يتمخض عنها عمل مثمر للامة. ولغة المديح والاطراء انما هي من سمات الذين يعيشون على هامش الحياة، يكتفون بمراقبة الوضع من بعيد، وينأون بأنفسهم عن خوض معترك الصراع. هؤلاء لا يركبون البحر، ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار، ولا يصمدون امام تفرعن الجبابرة، ولا تتحرك ضمائرهم عندما يتعرض الابرياء للقمع والتعذيب. ولذلك ينسب للامام علي عليه السلام قوله: احثوا في وجه المداحين التراب، لعلمه  ان من يمدحه اليوم قد يمدح عدوه غدا، وان من يتاجر بالكلام لا يصمد عند موقف ولا يتقيد بقيم نبيلة. وكما يقول المثل الشعبي “من قال لك، قال عليك”، فان سقوط الامم يبدأ عندما يكتفي افرادها بالكلام، ويبتعدون عن اداء التكليف الشرعي في التصدي للظالمين والطغاة، ويتشاغلون بالقيل والقال وما لا طائل فيه من القول الذي لا ينتمي لمشروع التغيير الذي يقتضي المجاهدة المتواصلة للنفس “ان الله لا يغير بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم“.

ونحن نعيش ايام شهر رمضان ولياليه، ما أحلى ان نستوعب دروس الصوم ومعانيه، خصوصا في مجال الامتناع عن الكلام الفاحش، او الصمت على المنكر، والانسحاب عن ساحة المواجهة مع جحافل الأعداء الذين يتربصون للمؤمنين، ويسومونهم سوء العذاب. نسترجع ذكريات الآباء والاجداد في هذا الشهر المبارك، على امل ان ينجم عن ذلك وعي بالمسؤولية وتراجع عن نمط الحياة الاستهلاكي والثقافة الجمعية التي تتعمق سلبياتها ولا تحتوي على العناصر الضرورية لاحداث التغيير الايجابي المنشود. ونحن نقرأ دعاء أبي حمزة الثماني فاننا مطالبون باستحضار مجالس البطالبين التي يتضاءل فيها ذكر الله، ويسودها ما لا طائل فيه من القول: “او لعلك رأيتني آلف مجالس البطالبين فبيني وبينهم خليتني”. ان من أسوأ الامور ان يحسب المؤمن في خانة البطالين الذين ليس لديهم مشروع يعملون من اجل تحقيقه، بل يقضون اوقاتهم في اللغو الذي لا طائل فيه. المؤمن مطالب بالعمل من اجل تغيير واقعه، والسعي لاقامة العدل، وأداء مهمة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتصدي للظلم اينما وقع، ورفع الصوت بوجه الظالمين والطغاة لاسقاط عروشهم، واستبدالها بما هو خير منها. انها لمحنة كبرى ان يفتتن المؤمنون في دينهم وعقيدتهم ويتوقفوا عن العمل البناء الهادف لأحداث التغيير داخل النفس الذي يعتبره الله سبحانه شرطا لتغيير الحال. نتمنى ان يبادر العلماء والمثقفون لطرح مفاهيم العمل من اجل التغيير بديلا لثقافة اللغو والجدال والمراء والمدح والاطراء. وان أئمة أهل البيت عليهم السلام ليفرحون كثيرا عندما يعمد أتباعهم لمحاكاتهم في العمل، والاقتداء بهم في المواقف والسلوك خصوصا ازاء انظمة الحكم الجائرة، بدلا من النمط المألوف لدى البعض من الاقتصار على المديح والاطراء وقول ما يكرس الواقع ويبعد الانظام عن ظلم الظالمين، وشرور الطغاة والمحتلين.

اللهم ارحم شهداءنا الابرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفك قيد أسرانا يا رب العالمين

حركة أحرار البحرين الإسلامية
28
اغسطس 2009

زر الذهاب إلى الأعلى