بيانات

في رحاب ثورة الشعب بعد “عقد من الثبات”

ليس غريبا ان يشن العدو الخليفي حملة اعتقالات واسعة، يستبق بها استعداد الشعب لاحياء الذكرى العاشرة لثورته المظفرة بإذن الله. او ان يعمد لتخريب منازل المواطنين عند مداهمتها، او يروّع الآمنين وهم نائمون، او ويواصل اضطهاده البحرانيين الاصليين (شيعة وسة). ولكن سيكون الامر غريبا لو انه قال لهم: حقكم مكفول في الاحتجاج والانتماء والتعبير، او أمر باعتقال من يمارس العدوان ويكسر ابواب المنازل، او سمح للعلماء والخطباء  الرواديد بممارسة حقهم في التعبير والتجمع. لقد اعتاد شعبنا حملات الاعتقال والاضطهاد الجماعي، واستباق كل مناسبة بحملة تنكيل واسعة يستخدم فيها المرتزقة المستوردون من الخارج. كما اعتاد سماع الابواق الخليفية وهي تردد قصصا مكرّرة عن “اعتقال مواطنين ينتمون لمنظمة محظورة” او “تفكيك شبكة  ارهابية تهدف لاسقاط نظام الحكم بالقوة”. فلقد اصيبت آذان الشعب بالصمم لكثرة ترديد هذه الدعاوى الفارغة التي تؤكد حقيقة مهمة: ان ظلم الخليفيين سلبهم الشعور بالأمن، وجعلتهم مسكونين بهواجس الثورة والانقلاب عليهم. فذلك ما هو متوقع من شعب احتلت ارضه بالقوة من طرف خارجي واضطهد عقودا وتعرض لصنوف التنكيل والسياسات الهادفة للقضاء على هوية البلد والشعب. وبعد عقود من الانتفاضات والثورات لم يعد هناك ما هو مشترك من السياسات والمواقف بين الطرفين. وكلما أصر الطرف الدخيل على البلاد على رفض الاعتراف بالشعب والوطن، تعمقت الازمة والشك وعدم الثقة والعداء. ولتأكيد ذلك يكفي الاشارة الى الشعور العميق بالارتياح عندما غاب رئيس الوزراء الخليفي السابق عن المشهد. وبرغم الضغوط الرسمية على المواطنين للتظاهر بالحزن، لم يحدث شيء من ذلك، بل فتحت ملفات إجرام الطاغية المقبور وأعيد نشر بعض قصص المعاناة والاضطهاد.

في الاسبوع الاخير تصاعدت وتيرة القمع مجددا، خصوصا بعد إقرار شعار موحد للمعارضة ضمن الاستعدادات للاحتفاء بمرور عشر سنوات على انطلاق ثورة البحرين في 14 فبراير 2011. بدأ الاضطهاد الخليفي الاخير باعلانه في شهر ديسمبر عن اعتقال عشرات المواطنين وتعريضهم لأبشع صنوف التعذيب والتشهير. وبعد ان وصف المجموعة بانها “خلية سليماني” اعلن قبل أيام قرارا خليفيا بسجن 18 منهم لفترات تتراوح ما بين خمسة اعوام والمؤبد بعد جلسة محاكمة قصيرة عقدت بشكل سري ولم يسمح لمراقين دوليين او منظمات دولية مستقلة بحضورها. مع ذلك تواصلت الاستعدادات الشعبية لإحياء ذكرى الثورة بهدف مواصلة طريقها لتحقيق هدف التغيير المنشود وانهاء الحقبة الخليفية السوداء. وشهدت مناطق عديدة من البلاد مسيرات رفعت شعارات الثورة المعروفة، وكشفت عمق الارادة الشعبية لتجديد روح الثورة خصوصا بعد ان ثبتت الخيانة الخليفية للامة والشعب بأبشع الاشكال. هذه المرة يأتي القمع مدعوما بخبرات الموساد الاسرائيلي والمال السعودي والاماراتي والخبرات الامنية من التحالف الانجلو – امريكي. كما يتربع على رأس ا لسلطة التنفيذية الابن الاكبر للطاغية الذي اعتقد البعض انه “إصلاحي” وانه يختلف عن والده واسلافه الظالمين. وسرعان ما أكد ولي العهد الذي تسلم منصب رئاسة الوزراء بعد موت خليفة بن سلمان، انه وفيُّ للمشروع الخليفي الذي فرضه أسلافه بالقمع والعمالة والاعتماد على الاجانب لمواجه السكان الاصليين (شيعة وسنة). فهو رأس السلطة التنفيذية، وبيديه ادارة اجهزة الامن المختلفة، كما انه معنيّ بشكل مباشر بملف التطبيع مع العدو الاسرائيلي، وهو الذي يدير ملف العلاقات مع الخارج. وبصدور الاحكام الجائرة أكد سلمان بن حمد انسجامه الكامل مع سياسات القمع والاضطهاد والتنكيل والاستبداد والظلم التي مارسها اسلافه.

في هذه الظروف يجدر الاشارة الى عدد من الامور المهمة ذات الصلة:

اولا: ان الشعب الذي أطلق ثورته في 14 فبراير 2011 واتخذ من ميدان اللؤلؤة عنوانا لتلك الثورة، كان مؤمنا بضرورتها كطريق لإحداث تغيير جوهري في النظام السياسي تعيد القرار الى الشعب وتنهي عقود الاستبداد الخليفي. هذا الايمان ترسخ أكثر في السنوات العشر اللاحقة التي أكدت استحالة التعايش مع الخليفيين كحكام، وان ا لضرورة تقتضي التحول الديمقراطي السريع ليستطيع الشعب استعادة المبادرة لإقامة دولة عصرية متطورة بديلا عن المملكة القبلية التي فرضت على الوطن بالقوة. هذا الشعب لن يساوم على اهدافه الاساسية خصوصا بعد ان تضاعفت تضحياته في السنوات الاخيرة نتيجة الاعتقالات المتواصلة والاضطهاد وحملات الإعدام وتسريع وتيرة التجنيس السياسي.

ثانيا: ان السكان الاصليين البحرانيين (شيعة وسنة) توافقوا عبر العقود على التعايش والتضامن والتفاهم داخل وطنهم، وتعميق انتمائهم جميعا للأمتين العربية والاسلامية وكذلك للانسانية بقيمها المتصلة بالحرية والسلم العالمي. هذا التوافق عبر عن نفسه بالنضال المشترك من اجل الحريات العامة والحقوق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عندما انطلقت مشاعر التحرر والانتماء للوطن والعمل العربي المشترك ورفض الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين. هذه القيم التاريخية ما تزال موضع توافق وطني عام يتجاوز الرؤى الخليفية المؤسسة على الظلم والغرور والتوحش واعتماد لغة العنف لمواجهة الشعب، والتخلي عن القيم الدينية والانسانية الثابتة لدى السكان الاصليين (شيعة وسنة). وبذلك أفشلوا كافة محاولات الخليفيين إذكاء الفتنة الطائفية لمنع قيام وحدة وطنية. وتؤكد حقب النضال عمق الوعي الشعبي بالبعد الوطني لنضالاته وان الشعب البحراني الاصلي بشيعته وسنته لن يقبل بالتمزق يوما، ولن يستكين امام المحتل الخليفي لحظة.

ثالثا: ان الذكرى العاشرة لثورة الشعب تعتبر مدخلا لحقبة جديدة من النضال، يجب ان لا تُغفل. فهي تنطوي على تراث نضالي عميق خطته دماء الشهداء منذ اليوم الاول قبل عشرة اعوام عندما أراق الخليفيون دماء الاحرار واولهم الشهيد علي عبد الهادي مشيمع الذي قتل برصاص الخليفيين في 14 فبراير 2011. هذه الذكرى ستكون إعادة بعث لتلك الثورة، لتنطلق مجددا لتطيح بالطغاة الذين ارتكبوا من الجرائم بحق الشعوب ما لا يمكن احصاؤه. في هذه الذكرى ستتواصل فعاليات الشعب والمعارضة على كافة الصعدان، في الداخل والخارج، بالتظاهر والاحتجاج تارة، ومخاطبة العالم من خلال الندوات والمؤتمرات والتصريحات تارة ثانية، والتضحية والفداء ثالثة. انها مناسبة لتجديد دماء الثورة واعادة ضخ ماء الحياة فيها لكي يكتمل المشوار التاريخي من النضال الوطني ويصل الى النصر النهائي بتحرير البلاد والعباد من شرور آل خليفة المجرمين.

رابعا: ان المعارضة تعبر عن توجهات الشعب وتطلعاته، وتتناغم مع التغيرات الاقليمية والدولية. وبسبب مبدئيتها وقفت ضد الحرب على اليمن التي كان الخليفيون جزءا منها. ورفضت منطق الاستعلاء والتكبر والتهور الذي تميز به الرئيس الامريكي السابق، ووقفت مع الشعوب العربية المتطلعة للحرية والديمقراطية واحترام الحقوق البشرية، وتوقعت سقوط ترامب بسبب انحراف خطابه وسياساته عن الخط العام للمسار الانساني والقيمي، ورفضت الاحتلال الاسرائيلي من منطلق مبدئي، واعتبرت التطبيع الخليفي مع العدو “خيانة” لله ورسوله والمسلمين وشرفاء العالم. وستظل كذلك حتى يتحقق هدفها بالنصر الحاسم على الحكم القبلي التوارثي الاستبدادي الذي يدعمه الآخرون لكي يضمن مصالحهم ويحميها.

خامسا: ان الشعب البحراني الذي ظلمه الاقربون عندما قام بثورته قبل عشرة اعوام، يترفع دائما عن قيم الانتقام او الشماتة او التفرج السلبي، ويشعر ان ثورته هي الاطول بقاء والاكثر استقلالا والأحرص على دعم الامن والاستقرار في بلداننا العربية عموما، ولن يفرّط في ذلك لانه يسعى لاقامة حكم مدني عصري يستمد من الاسلام قوته المعنوية والاخلاقية ويتعلم من تجارب الامم الاخرى، ويرتبط مع بقية الشعوب في نضالها المشروع من اجل الحرية والكرامة.

في هذه الظروف تتواصل الاستعدادات لاحياء ذكرى ثورة البحرين المجيدة، ويعمّق ابتهاله الى الله سبحانه بان ينصر الامة ودعاة الخير من ابنائها والمناضلين من شبابها، وان يطوي ملف الاستبداد والظلم وان يمن على الامة وشعوبها بالامن والخير والنصر والكرامة، انه سميع مجيب الدعوات

اللهم ارحم شهداءنا الابرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفك قيد أسرانا يا رب العالمين

حركة احرار البحرين الاسلامية

5 فبراير 2021

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق