بيانات

دروس إلهية بليغة من امريكا، ولكن الطغاة لا يفقهون 

أمريكا تتآكل من داخلها، وهذا هو الخبر الذي يفترض ان يكون الاقوى وقعا على نفوس الطغاة الذين أسسوا حساباتهم وسياساتهم على فرضية استمرار الهيمنة الامريكية السياسية والعسكرية والاقتصادية على ا لعالم. لقد انطلق تهديد وجودها على يدي من يفترض ان يحميها ويحافظ عليها. هذه الحقائق نفاذ للسنن الالهية التي تنص عليها الآيات الكريمة والاحاديث والاقوال المأثورة ومنها: (ووجدوا ما عملوا حاضرا، ولا يظلم ربك أحدا)، (ولا يحيق المكر السيء الا بأهله،)، (من حفر حفرة لأخيه وقع فيها)،  (من سلّ سيف البغي قتل به). انها سنن كونية مطلقة، ثابتة، شاملة، لا تميز بين احد على اي اساس كان. فعلها ترامب عن سبق إصرار وترصد، وسيفعلها غيره من طغاة العالم خصوصا في منطقتنا الموبوءة بالاستبداد والطغيان والظلم. وما حدث هذا الاسبوع في الرياض مصداق آخر لنفاذ السنن الالهية، وإلا كيف يمكن تفسير الهزيمة الماحقة للتحالف الرباعي ضد دولة صغيرة اسمها قطر؟ من كان يظن ان الساعة ستدور على  الباغي بهذه السرعة، فاذا بقمة الخليج تعقد بحضور امير قطر وغياب مناوئيه في ابوظبي والرفاع؟ في غضون اسابيع انقلب السحر على الساحر وهزم الاماراتيون والخليفيون والسعوديون وحكام مصر العسكريون. وهل هناك هزيمة اكبر من الغاء اهم الشروط التي طرحها التحالف الرباعي الشرير على قطر؟ فما الذي جناه هؤلاء الاشرار الذين ولغوا في دماء الابرياء في البحرين ومصر والعراق وسوريا واليمن؟

 من لا يؤمن بالسنن الالهية لا يستطيع الربط بين اغتيال الشهيدين قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس في مثل هذا الاسبوع من العام الماضي، وما يجري في واشنطن اليوم. فما يجري ليس ضربات خارجية قد تخطيء وقد يكون لها شيء من النجاح. بل انه فعل داخلي ينخر المؤسسة أليس ذلك تجسيدا للسنة الالهية؟ أليس ذلك مصداقا للقانون القائل بان دماء الشهداء تلاحق القتلة؟ اذا لم يكن ذلك قصاصا إلهيا، فما هو؟ لان امريكا أقرت جرائم ترامب في الخليج وفلسطين فقد جاء الرد بالطريقة الالهية التي لم يكن احد يتوقعها. وليتصور المرء ماذا كان سيحدث لو ان الذين اقتحموا مبنى الكونجرس عناصر محسوبة على الحرس الثوري الايراني او حزب الله اللبناني او مجموعة فلسطينية تسعى للثأر من سياسات ترامب  بدعم الاحتلال. كيف ستكون ردة الفعل الشعبية داخل امريكا وخارجها؟ سيكون هناك قدر من التعاطف مع الجانب الامريكي لانه سيكون الجانب “المعتدى عليه” او “المظلوم”. لكن الضربة جاءت من الداخل، فليس هناك طرف خارجي تحمل المسؤولية. هذه هي طبيعة الرد الالهي المحتوم الذي له عدة سمات: اولا: انه حاسم وقاصم “يوم نبطش البطشة الكبرى انا منتقمون”، ثانيا: ان نفاذه محتوم “سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا” الاحزاب 62. “فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ ٱلْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلًا”، فاطر 43. ثالثا: انها قد تتأخر ولكن لا تلغى. وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ (القلم – 45)، (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ۖ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُون) نوح 4. رابعا: انها تتم بطريقة يختاره الله وليس كما يريد الانسان او يتوقع.  

هذه بعض مصاديق السنن الالهية التي لا تخطيء ولا تحيد ولا يتأخر نفاذها. من كان يتوقع ان امريكا ستضرب نفسها بنفسها؟ من كان يظن ان أكبر سلطة في الولايات المتحدة الامريكية سيوجه اتباعه لاستهداف قلب “الديمقراطية” الامريكية، والنيل من مصداقية تراب “الآباء المؤسسين”؟ ما اكثر الذين صفقوا لترامب عندما أقدم على موبقات لم يفعلها سابقوه، ابتداء بسحب امريكا من الاتفاق النووي المبرم مع ايران، مرورا بالانسحاب من الجهات الدولية والعمل المشترك وتجاوز الامم المتحدة وتهميش دورها، وتعريجا على القضية الفلسطينية ودعم ضم القدس للكيان الاسرائيلي ونقل سفارته اليها، واقرار بناء المستوطنات وضم اراضي الضفة الغربية والجولان لكيان الاحتلال، ودفع الاماراتيين والخليفيين للتطبيع مع الاحتلال، وصولا للعنف واراقة الدماء بقتل الشهيدين الحنرال قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس، والمشاركة في العدوان على اليمن ودعم القتلة والسفاحين وفي مقدمتهم محمد بن سلمان ومحمد بن زايد وحمد بن سلمان. هؤلاء جميعا اصبحوا شركاء مع دونالد ترامب في الاجرام، خصوصا تحريضهم اياه على استهداف ايران، والغاء الاتفاق النووي ثم جريمة الاغتيال التي ارتكبت في مثل هذه الايام من العام الماضي. لقد بدأ العقاب الالهي يحل على ترامب بصفته رمزا للاستكبار والاستعلاء وسفك الدماء ودعم الاستبداد وممارسة القتل خارج القانون. فكما ان ترامب لم يفلت من العقاب الالهي، فان هؤلاء ستطالهم عقوبة السماء. والحديث هنا ليس عن عقوبة الآخرة ومسائل النار والجنة، بل عن العقوبة في الدنيا. فجريان السنة الالهية يتم في الحياة الدنيا وليس بعد الموت. هذه السنن جرت منذ بداية الخلق ولن تتوقف يوما، لانها ضرورة لاستقامة الحياة والحفاظ على التوازن في كافة مجالات الوجود، سواء في الطبيعة ام في الامم والمجتمعات ام على صعيد الافراد. السنة الالهية احدى تجليات وحدة الخلق والخالق، واحد وجوه تجليات قدرة الله، والضرورة التي لا يمكن تجاوزوها لاحداث التوازن. (وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ . أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ . وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) الرحمن 7-9.  

ماذا يعني ذلك عمليا؟ على الصعيد الامريكي ستدفع الولايات المتحدة ثمن تصرفات حكامها، وآخرهم دونالد ترامب الذي اعتقد نفسه قادرا على كل شيء. ألم يبد متباهيا انه استطاع نهب 450 مليار دولار من لصوص السعودية؟ ألم يتصد لكل من انتقده او تحداه او نافسه حتى من المسؤولين الامريكيين الكبار؟ ألم يعلن للملأ بوضوح وبدون حياء انه حمى مؤخرة محمد بن سلمان بعد ارتكاب جريمة قتل الاعلامي جمال خاشقجي؟ وانه يريد اموالا من حكام الخليج لان امريكا تحمي عروشهم؟ ألم يتحدث بقبح عن النساء اللاتي اعتدى عليهن؟ غير ان الجانب المهم الآخر في ما جرى لامريكا بسبب ترامب يرتبط بضرورة توسيع النظرة لمفهوم السنن الالهية، للتعرف على مداها، وانها لن تنحصر بامريكا ورئيسها، فهل هناك طغيان اكبر مما يمارسه طغاة السعودية وةالامارات والبحرين ومصر ومعهم قوات الاحتلال؟ هل هناك قبح في التعامل مع البشر والاضطهاد والاعتداء على الحرمات والمقدسات اخطر من ممارسات هؤلاء؟ فهل يكون هؤلاء بمأمن من السنن الالهية؟ أليس انقلاب المعادلة العسكرية والسياسية والاخلاقية عليهم في حربهم على اليمن احد تجليات الارادة الالهية التي تهزم الطغاة؟ أليس انقلاب الوضع عليهم في القضية التي اختلقوها ضد قطر مؤشرا آخر؟ فالدوحة لم تتراجع عن تحالفها مع تركيا او ايران، ولن تغلق قناة الجزيرة ولن تقطع علاقاتها بالاخوان المسلمين، وهي القضايا الكبرى التي دفعت الحكومات المذكورة لما قاموا به، فما هم فاعلون؟ أليست قمة مجلس التعاون التي عقدت هذا الاسبوع في الرياض ضربة موجعة لتحالف هذه الانظمة؟ أليس نقلها من  المنامة الى الرياض صفعة موجعة لطاغية البحرين الذين عاث فسادا في البلاد والعباد بلا حدود؟ هل يظن احد ان دماء الشهداء الذين قتلهم الخليفيون ستذهب سدى وان قاتليهم سينعمون بالامن والاستقرار؟ سيحل عليهم الانتقام الالهي بدون انذار، وسيمحقهم انتقاما لدماء الابرياء (بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ) الانبياء 40. ان شعبنا يؤمن بالله ورسوله وكتابه وسننه وعدله وقدرته، وانه سينتقم من الطغاة في الدنيا وسيحاسبهم في الآخرة. “انا من المجرمين منتقمون”. 

اللهم ارحم شهداءنا الابرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفك قيد أسرانا يا رب العالمين 

حركة  احرار البحرين الاسلامية 

٨ يناير ٢٠٢١

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق