بيانات

الشعب لا يعوّل على رئيس وزراء ساهم بقمعه

في خضم شهر العسل بين الكيان الاسرائيلي وحكومتي الامارات والبحرين، تصاعدت الاعتداءات الاسرائيلية على الاراضي العربية في سوريا وقطاع غزة بشكل خاص، وتجاهل هؤلاء الحكام استغاثات المنكوبين لكي لا يؤثر ذلك على ما تعتبره الشعوب “خريف الاستسلام والخيانة”. فقد تمت التضحية بفلسطين واهلها من اجل ضمان امن انظمة الاستبداد في المنطقة العربية. وكان اندفاع هؤلاء لاعلان الخيانة اعتقادهم الراسخ بحتمية فوز دونالد ترامب بالرئاسة الامريكية دورة اخرى. ولكن سرعان ما اتضح فشل رهان هؤلاء المستبدين، اذ فشل ترامب وفاز منافسه الديمقراطي، جو بايدن. ومع ان السياسة الامريكية في المنطقة لن تتغير جوهريا، ولكن كان واضحا ان أسوأ حقبة في تاريخ السياسة الخارجية الامريكية قد انتهت ، وهي الحقبة التي راهن طغاة الخليج على استمرارها. وكان من نتائجها خيانتهم قضية الامة وقضيتها المحورية وهرولتهم للتطبيع مع محتلي فلسطين. وما يزال هؤلاء يعولون على الدعم الامني من الكيان الاسرائيلي لانظمتهم المتهافتة التي تفتقد الشرعية وتعتمد في وجودها على الغلبة والقهر والقمع. وكانت رئاسة ترامب فرصة لهم ليستأسدوا على شعوبهم بعد ان اتضح ان الرئيس الامريكي المهزوم يفتقر لأدنى القيم الانسانية. ولطالما سعى حكام السعودية والامارات والبحرين بالاضافة لنظام الاحتلال لحث ترامب على شن عدوان عسكري على ايران، خصوصا بعد ان نجحوا في سياستهم التي ادت لانسحابه من الاتفاق النووي مع الجمهورية الاسلامية. وكان ثمن ذلك دفع حوالي 500 مليار دولار للخزينة الامريكية اغلبها من السعودية. ومع استمرار ضغوطهم على ترامب، كاد يشن عدوانا على ايران، لولا رفض مساعديه شن الحرب. وكانت المنطقة ستدخل مرحلة من التوتر والصراع العسكري المفتعل الذي تدفع الشعوب عادة ثمنه.
في هذه الظروف، استمر الثلاثي البغيض، السعودية والامارات والخليفيون، في سياساتهم الخطيرة بهرولتهم نحو تل أبيب، بدلا من السعي لترطيب علاقاتهم الاقليمية والمحلية. ويمكن اعتبار فتح الباب للكيان الاسرائيلي لاقتحام اجواء المنطقة سياسيا واقتصاديا ونفسيا، من اخطر الموبقات التي ارتكبها هؤلاء، خصوصا بعد ان احدثت شرخا عميقا في جسد الامة ومزقت صفوفها وأضعفت حالة الصمود بوجه الاحتلال، وهمشت مبدأ مقاطعته اقتصاديا. وكان طاغية البحرين في مقدمة  المهرولين بسبب رغبته في ضمان دعم امني يحميه من غضب الشعب البحراني الذي يطالب بسقوط الحكم القبلي التوارثي الاستبدادي ويعمل لاقامة منظومة سياسية حديثة مؤسسة على “صوت لكل مواطن”. هذه الهرولة جاءت في الوقت الذي كان يتطلع فيها للاستحواذ الكامل على الحكم، في السنوات الاخيرة بعد ان اصبح عمه خليفة بن سلمان، عاجزا عن اداء مهماته بسبب شيخوخته وعجزه عن اداء مهماته. ثم جاءت وفاته في 11 نوفمبر وطي صفحة طويلة عانى الشعب فيها الكثير. فقد صعد خليفة بن سلمان الى رئاسة ا لوزراء بعد الانسحاب البريطاني من البحرين في العام 1971، وبقي في ذلك المنصب طوال حياته. وكان المسؤول الاول والاخير عن ادارة البلاد على كافة الصعدان طوال العقود الثلاثة اللاحقة، حتى وفاة اخيه، عيسى وصعود ابنه حمد للحكم في مارس 1999. وقد تقاسم مع ابن اخيه ممارسة الاجرام التي استمرت في الايام التي اعقبت  وفاته، وتعيين سلمان بن حمد في منصب رئاسة الوزراء رسميا. ولا يتوقع ان يختلف الوضع الحالي عما كان عليه لانه محكومة من قبل حمد بن عيسى واولاده منذ عشرين عاما، اتضحت خلالها سياساتهم التي اصبحت أسوأ من سياسات خليفة بن سلمان، وأكثر منها توحشا وظلما. ولذلك نفض الثوار ايديهم من الحكم الخليفي باعلان ثورتهم في 14 فبراير 2011، ورفع شعار اسقاط النظام.
لقد كان الشهر الماضي فصلا سياسيا حاسما في تاريخ البحرين المعاصر، فموت مهندس التعذيب في البلاد كان مناسبة لاستعراض الجرائم التي ارتكبت بحق البلاد واهلها بعد الانسحاب البريطاني. فكانت حقبة خليفة بن سلمان بمساعدة ايان هندرسون، سوداء كالحة، سقط الشهداء فيها تباعا بدون توقف، وبدأ الطرفان يتباعدان عن بعضهما بعد ان كان هناك بصيص امل بان يكون خروج البريطانيين فرصة لاقامة منظومة سياسية جامعة تصهر الخليفيين في المجتمع البحراني كمواطنين متساوين مع الباقين. لكن خليفة بن سلمان قضى على ذلك بانقلابه على الدستور والبرلمان المنتخب في اغسطس 1975، وتشدينه الحقبة السوداء التي امتدت ربع قرن ارتكب خلالها الموبقات. وما ان اعتلى حمد بن عيسى الكرسي بعد ذلك حتى دشن حقبة أشد سوادا، وأكثر حقدا وعداء للسكان الاصليين (شيعة وسنة). وتواصل الامر حتى كشر الخليفيون عن هويتهم الحقيقية باعلان تحالفهم مع محتلي فلسطين ضد شعبها. وبرغم ما كان يقال عن طبيعة الحكم الخليفي الا ان احدا لم يتوقع حدوث الخياننة بالسرعة والشكل اللذين تمت بهما. حتى ان رئيس الوزراء الجديد، الذي كان البعض يعتقده “اصلاحيا” اصبح اكثر تصهينا وأشد عداء للسكان الاصليين. وما يزال سلمان بن حمد يراهن على احتمال جذب بعض العناصر البحرانية الى جانبه، كما فعل ابوه بعد وفاة والده في 1999. ولكنه محاصر بعدد من الحقائق: اولها ان غالبية الشعب اصبحت اكثر استعدادا للمطالبة بانهاء العهد الخليفي واستبداله بنظام حكم وطني يشارك الجميع فيه على اساس المواطنة المتساوية. ثانيها: ان النفر المحدود من المراهنين عليه لم يعودوا قادرين على اظهار موقفهم بعد ان اتضح عمق تصهينه، الامر الذي اصبح محرجا للكثيرين. ثالثها: ان سلمان بن حمد محكوم بمواقف اقليمية تسلب منه حرية التصرف، وتجعله اسيرا لكل من الامارات والسعودية، وربما يرى في التقارب مع “اسرائيل” طريقا لتخفيف حدة ذلك الأسر. رابعا: انه شخصيا ليس معروفا بنزعته الديمقراطية، برغم محاولات ترويجه من قبل قوى اجنبية، كما فعلوا مع مسؤولين سابقين. كان عبد الله بن عبد العزيز يعتبر “اصلاحيا”، وكان حمد بن عيسى “اصلاحيا” وكثيرا ما طرح سلمان بن حمد في ذلك الاطار. فما الاصلاح وما الفساد لدى من يروج ذلك؟
لعل المعيار الاول لفحص حقيقة شخصية رئيس الوزراء الخليفي الجديد المفروض على الشعب بالوراثة، موقفه الشخصي من حقه في الحكم. فان كان يعتبر المنصب الذي تولاه حقا مشروعا له بسبب التوارث، فقد خرج من دائرة الاصلاح والتحضر، وان اعتبر نفسه مواطنا عاديا فعليه تسليم الامر للشعب. وتجدر الاشارة الى بعض العناصر التاريخية ذات النزعة السياسية النقية. فعندما تولى معاوية بن يزيد الحكم بعد وفاة والده لم يبق فيها سوى اربعين او ستين يوما ثم تركها وقال: أتفوز بنو أمية بحلاوتها وأبوءُ بوزرها وَمَنْعِها أهْلَها؟ كلا! إني لبريء منها”. ما دام سلمان بن حمد متربعا على رئاسة الوزراء فانه مسؤول عن سجن اكثر من 3000 سجين سياسي كان عليه ان يطلق سراحهم في اليوم الاول لاغتصابه الحكم، ويأمر باطلاق جلاديهم. ان استمرار اي معتقل سياسي يوما اضافيا يعتبر جرما يتحمل رئيس الوزراء أثامه. لو كان اصلاحيا لاستشار الشعب في جريمة التطبيع مع العدو. اما وقد وجه دعوة رسمية لرئيس وزراء العدو، فقد اصبح شريكا معه في دماء اهل فلسطين واهل البحرين معا. لقد قال الشعب كلمته عندما فجر ثورته وطالب بالتحرر من الحكم القبلي التوارثي، وان يكون جزءا من امة العرب والمسلمين، لا ان يكون تابعا لطغاة آخرين.  وكما فوّت أبوه وعمه فرصا عديدة للتصالح مع شعب البحرين، فانه فوّت اول فرصة متاحة له، وسجل اسمه ضمن الحكام غير الشرعيين، والسجانين وحماة المعذبين والجلادين، والخائنين والمهرولين للاستسلام لاعداء الامة. فما الخير الذي ينتظر من شخص هكذا؟ لقد حان وقت اليقظة في صفوف النخبة المثقفة لتصبح مسنجمة مع الثائرن اليقظين الذين يمتلكون بصائر نافذة ونفوسا حرة رفيعة، وإرادة فولاذية فشلت آلة القمع الخليفية في كسرها. سيستمر الصراع بين الحق والباطل  في اوال، وسيثبت الاحرار في مواقفهم، ولن يساوموا على حريتهم او حرية فلسطين واهلها، وسينتظرون فرج الله القريب: ويسألونك متى هو، قل عسى ان يكون قريبا. انهم واثقون بحتمية الفتح لانهم يؤمنون حقا بربهم وقدرته وسننه: ”ذلك وعد غير مكذوب“. صدق الله العظيم.
اللهم ارحم شهداءنا الابرار، وفك قيد أسرانا، وتقبل قرابيننا يا رب العالمين
حركة احرار البحرين الاسلامية
27 نوفمبر 2020

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق