بيانات

غياب الصنم يعمّق إصرار الشعب على التغيير وتحقيق التحول السياسي الجذري 

بعد اكثر من خمسين عاما من ممارسة ابشع اشكال الظلم سقط الصنم، وغاب عن الدنيا رجل القمع والتعذيب والاستبداد، وتحررت البلاد ممن حرمها من التمتع بقطف ثمرة نضالها من اجل الاستقلال، وخفقت قلوب آلاف الامهات اللواتي فقدن اولادهن وبناتهن على يدي نظام القمع الذي اسسه بدعم بريطاني منذ استقدام الجلاد المقبور، ايان هندرسون، في ابريل 1966. ما اكثر القلوب التي استرجعت الذكريات المريرة التي عاشتها في ظل حكم المقبور خليفة بن سلمان، فما ان اعلن خبر موته حتى امتزجت المشاعر لدى هؤلاء بين الحزن الذي لم يفارقهم منذ قرابة نصف القرن والأمل بحدوث تغيير جوهري في البلاد، والفرح لغياب رمز الجريمة والشر والحقد والضغينة. لا أحد يفرح بموت أحد، فالموت ليس عقابا بل ظاهرة تجسد احدى السنن الالهية في هذا الكون. ولكن غياب رمز أسود من الفضاء العام يدخل بعض الراحة في نفوس من عاشوا في ظلامه الدامس. خليفة بن سلمان جسد النوازع الشريرة التي يسعى العقلاء والنبلاء والاخيار لازالتها من نفوسهم. ولذلك تميز عهده بالدموية المفرطة التي عبر عنها بسياساته القمعية الشرسة. فما معنى ان يسمح لجلاديه بتعذيب محمد غلوم بوجيري وسعيد العويناتي بعد خمس سنوات من رئاسته مجلس الوزراء؟ يومها كان ايان هندرسون قد قضى عشرة اعوام في خدمة الطغاة الخليفيين، وقد تمرس على القمع والاضطهاد وحدد اهدافه بدقة. لقد استهل عهده باستهداف نشطاء جبهة التحرير الوطني البحرانية، واعتقل في العام 1969 المناضل المرحوم عبد الرحمن النعميمي، لدى عودته من ابوظبي. وبعد حل المجلس الوطني استهدف نتشطاء الجبهة واعضاء المجلس الوطني الذي حله خليفة بن سلمان في اغسطس 1975، ومنهم المرحوم محمد جابر صباح وعلي ربيعة وعبد الهادي خلف. ومع حلول الثمانينات وجه اجرامه للاسلاميين وبدأ ذلك بتمزيق جسد جميل العلي الذي استشهد في غضون اسبوعين بعد اعتقاله في 26 مايو 1980.  

وطوال العشرين عاما اللاحقة كان خليفة بن سلمان الطاغية الاكبر الذي تعامل مع معارضيه بقسوة وتوحش غير مسبوقين في تاريخ البلاد. وفي ما عدا السنوات الاربع الاولى بعد الاستقلال التي عاش الشعب فيها في اجواء محكومة بالدستور والمجلس الوطني، لم يعرف عن خليفة بن سلمان الا توحشه وقسوته. وقد خطط لذلك بفرض قانون امن الدولة في العام 1974 على المجلس الوطني المنتخب. وما ان رفضه التحالف الاسلامي – الليبرالي حتى انتقم منهم بحل المجلس وتعليق العمل بمواد الدستور وادخل البلاد بذلك ما يسمى “الحقبة السوداء” التي امتدت 25 عاما. وكان عقد الثمانينات من ابشع الحقب التاريخية في التاريخ المعاصر للبحرين، فقد استهدف الثنائي البغيض، خليفة-هندرسون كافة المجموعات المعارضة ابتداء باليساريين مرورا بالجبهة الاسلامية لتحرير البحرين وحزب الدعوة وجمعية التوعية وبعدها مجموعات متفرقة. ولم يخفف من قبضته الا بعد التدخل العسكري الامريكي في ازمة الكويت في العام 1991. ففي العام 1992، شهدت البلاد تراجعا طفيفا في القبضة الامنية بهدف اقناع لجنة حقوق الانسان في جنيف بازالة البحرين من قائمة الدول الخاضعة للرقابة بموجب الاجراءات الخاصة المعروفة بـ 1503. وكان من نتيجة ذلك عودة بعض المواطنين الى البلاد ومنهم الشيخ علي سلمان والشيخ حمزة الديري والسيد حيدر الستري والشيخ عادل الشعلة، وكذلك تدشين العريضتين، النخبوية والشعبية. ولكن سرعان ما تفجرت الانتفاضة في ديسمبر 1994 وبدأ بذلك فصل دموي غير مسبوق. وفي 17 ديسمبر من ذلك العام أصدر خليفة بن سلمان اوامره لاجهزة امنه باستخدام الذخيرة الحية ضد المتظاهرين، فسقط كل من هاني خميس وهاني الوسطي ليكون اول شهداء الانتفاضة. اظهرت السنوات الخمس اللاحقة توحش خليفة بن سلمان وبطانته، فسقط الشهداء تباعا، واعتقل الآلاف وابعد العشرات عن البلاد. واعتقل النساء المناضلات وتعرضن لابشع اصناف التنكيل والاعتداءات.  

يمكن القول ان خليفة بن سلمان حفر قبره بيديه باستخدامه العنف بحق البحرانيين. فما ان توفي اخوه عيسى في مارس 1999 حتى بدأ نجم خليفة في الافول. ونظرا للتصدعات داخل الخليفيين اصبح حمد بن عيسى الرجل الاقوى في المعادلة السياسية، وبشكل تدريجي تم تهميش خليفة بن سلمان، واصبح الشعب يعيش في مملكة الطاغية الحالي التي تضاعف خلالها الاجرام الخليفي وبلغ مستويات فاقت التصور، حتى بلغ الوضع ما هو عليه الآن من استبداد وقمع وقتل وتعذيب ممنهج وإبادة شاملة للشعب الاصلي واعتماد كامل على ا لاجانب وتصهين مهين. لقد ساهمت سياسة خليفة بن سلمان في الوصول الى نتائج سلبية ثلاث: تحول البحرين في نظر العالم الديمقراطي والحقوقي الى دولة قمعية غير حرة، بداية افول نجمه شخصيا ابتداء بتهميشه مرورا بابعاد ابنائه عن المناصب المهمة، والتأسيس للمفاصلة السياسية والنفسية بين البحرانيين والخليفيين. وجاء الطاغية الحالي ليؤسس على تلك السياسات ويزيد عليها. وبذلك خسر خليفة بن سلمان فرصة ثمنية كانت متاحة له ليقود البلاد والعائلة الى واحة من الامن باقامة دولة عصرية مؤسسة على حكم الدستور العقدي والشراكة الكاملة مع الشعب، والسمعة الدولية الايجابية.  

اليوم وقد خلت الساحة من خليفة بن سلمان ماذا يخبيء المستقبل لهذا البلد المحتل والشعب المبتلى؟ الامر المؤكد ان الخليفيين فشلوا جملة وتفصيلا في اقامة منظومة سياسية عصرية مؤسسة على الحرية وقدر محدود من الديمقراطية يكرس الشراكة مع الشعب. فالفشل الذي لازم حكم خليفة بن سلمان ثلاثين عاما لم يتحول الى نجاح من قبل الطاغية الحالي. فبعد عشرين عاما من الحكم الاستبدادي المطق تراجعت البلاد على كافة الصعدان، السياسية والاقتصادية والامنية. وتأسيسا على عشق حمد وابنائه للخارج ولكل ما هو غير بحراني، اصبحت البلاد في حالة من الاستقطاب السياسي والنفسي غير المسبوق. فبعد فشل خليفة لم ينجح حمد، وبعد فشل حمد لا يتوقع نجاح ابنه الذي عينه رئيسا للوزراء. فهو محاصر بالتركة الثقيلة من اسلافه، وباخوته الذين ينافسونه في كل شيء، خصوصا ان بعضهم يحمل ولاء عميقا للامارات التي تضمر اطماعا توسعية تهدف للسيطرة على البحرين بل الخليج كله. كما ان شخصية سلمان بن حمد ليست قيادية ولم يثبت نفسه كذلك في اي من المواقف الصعبة التي مرت بها البلاد خصوصا بعد انطلاق الثورة المظفرة بعون الله. فقد فشل في التفاهم مع الجمعيات السياسية في الشهر الاول بعد الثورة، الامر الذي ادى للاحتلال السعودي – الاماراتي المقيت. ولم يستطع ان يظهر نفسه “ديمقراطيا” او “انسانيا” بل تصرف كموظف هامشي لدى ابيه، واندفع كبقية الخليفيين، نحو مشاريع هامشية لا تلامس الازمات الاساسية للوطن والشعب، فاصبح لاهيا بسباق السيارات بدفع عشرات الملايين لسباق “فورمولا الدم” وتوجه اخيرا لمشاركة اخوته من ابيه بشراء اندية رياضية في اسبانيا وفرنسا، ولم يقدم يوما مبادرة تفضي الى حل سياسي. وبذلك خسر هو الآخر فرصا لاثبات مهاراته القيادية، وانتماءاته الوطنية، فرضه الشعب كما رفض خليفة بن سلمان وحمد بن عيسى. البحرين اذن على موعد مع تعمق الازمة السياسية، وتصاعد العمل الوطني الثوري الهادف لاحداث تغيير سياسي جوهري، خصوصا في ضوء المتغيرات الدولية ومنها نتائج الانتخابات الامريكية. الشعب مصر على التغيير، وسوف يواصل صموده وثباته لتحقيق تحول سلمي نحو المشروع الديمقراطي وانهاء الحكم الوراثي الاستبدادي، وسيرفض اية مبادرات شكلية من خليفيين ساهموا في قمعه وقتل شهدائه ونهب ثرواته واحتلال ارضه والتطبيع مع اعدائه واعداء الامة. 

اللهم ارحم شهداءنا الابرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفك قيد أسرانا يا رب العالمين 

حركة احرار البحرين الاسلامية 

12 نوفمبر 2020 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق