بيانات

صباح الاحمد: ما له وما عليه

  رحم الله أمير الكويت الراحل، الشيخ صباح الاحمد الصباح، الذي توفي هذا الاسبوع بعد عمر مديد قضى جله في العمل الدبلوماسي والسياسي

قبل ان يصبح أميرا بعد وفاة الشيخ جابر في يناير 2006. فقد نعاه الكثيرون وأثنوا على سيرته التي تميزت عن بقية حكام الخليج بعدد من الامور اهمها التزامه بميثاق الشرف مع شعبه حول الشراكة السياسية بين العائلة الحاكمة والمواطنين. هذه العلاقة نظمها دستور الكويت الذي

كتب بعد ا ستقلالها في العام 1961. والتوازن في الموقف يقتضي تسجيل ما للشيخ صباح وما عليه خصوصا انه الرجل الذي وجه دبلوماسية بلاده عقودا خصوصا عندما كان وزيرا للخارجية. ومن الامور الايجابية التي ميزته ما يلي:  
اولا: الالتزام بالدستور الذي أعدته الجمعية الدستورية في

1961-1962 ووقع عليه الشيخ عبد الله السلام

في 11 نوفمبر 1962. ويحدد الدستور الكويت انها “ملكية دستورية وراثية” وان “الإسلام دين الدولة”. هذا الالتزام وفر على البلاد مشاكل كثيرة تحدث عادة عندما تغيب المرجعية المتفق عليها بين الشعب والحكومة

او يسعى اي من الطرفين لتجاوزها. ولكن برغم هذا الالتزام فقد تم حل مجلس الامة مرارا، وفي اغلب الاحيان اجريت الانتخابات في غضون شهرين من الحل، بمقتضى الدستور. ولعل الفترة الاصعب في حياة الشيخ صباح كانت في 1990-1991 إبان الاجتياح العراقي للكويت بأمر من صدام حسين.

يومها كان وزير الخارجية وكان عليه ان يوجه العمل الدبلوماسي لدعم جهود اخراج القوات العراقية من البلاد. وقبيل الاجتياح كان هناك توجه غير ايجابي من قبل العائلة الحاكمة لتجاوز الدستور، ففرض على البلاد مشروع “المجلس الوطني” بديلا عن مجلس الامة، ينتخب نصف اعضائه،

وجاء الاجتياح ليمنع ذلك. لقد ساهم العمل بدستور توافقي في الحفاظ على الوحدة الوطنية ومنع حدوث هزات كبرى تهدد امن النظام. صحيح ان الكويت تعرضت للعديد من اعمال العنف والارهاب ولكن وجود الدستور حال دون تفاقم اوضاعها باتجاهات خطيرة.  

ثانيا: الالتزام بسياسة خارجية حيال الاقليم تميزت بالاعتدال والواقعية، وعدم القفز على الحقائق. ولذلك لم يحظ الاجتياح العراقي

بدعم أحد لانه تجاوز ثوابت العلاقات البينية ولم يكن له تبرير منطقي. ويمكن القول ان ذلك الاجتياح مهد لسقوط نظام حزب البعث في العراق بعد 13 عاما فحسب. ودفع العراق ثمنا باهضا لذلك الاجتياح. سياسة الكويت الخارجية تميزت بقدر من الاستقلال. فهي محاطة بثلاث دول كبرى:

ايران والعراق والسعودية، وليس من مصلحتها استفزاز اي منها. هذا الاستيعاب وفر على البلاد مخاطر التهور والقفز على الحقائق او الاعتقاد بقدرة الاطراف الخارجية على حل قضايا الاقليم لصالح هذا الطرف او ذاك. تميزت علاقات الكويت مع هذه الاطراف الثلاثة بقدر من الاعتدال،

برغم تقلبات الاوضاع، ابتداء بالثورة الاسلامية في ايران مرورا بالحرب العراقية الايرانية ثم الاجتياح العراقي وما تسميه الكويت “حرب التحرير” والتدخل السعودي الذي ما تزال آثاره قائمة حتى اليوم، وصولا الى حالة الاستقطاب الحالية داخل مجلس التعاون الخليجي. ومن المؤكد

ان حكام الكويت ومنهم الشيخ صباح تحركوا وفق سياسة براجماتية حققت لهم علاقات طيبة مع الدول الثلاث المحيطة.  

ثالثا: ان الكويت كانت سباقة للعمل المشترك بدون ان يطمع حكامها في قيادة الامة. هذه السياسة لا تنطبق على السعودية او الامارات

اللتين يتطلع حكامهما لادوار لا تتناسب مع حجم البلدين.  وعندما طرح مشروع مجلس التعاون لدول الخليج العربية كانت الكويت سباقة لطرح ورقتها التي تم تبنّيها كوثيقة تأسيس للمجلس في العام 1981. وعملت من داخل المجلس لتخفيف التوتر بين الدول الاعضاء،

وسعت للحفاظ على وحدة المجلس ومنع تصدعه بسبب السياسات السعودية بشكل اساس، تلك السياسة الهادفة للاستحواذ والهيمنة. وسعت الكويت للاصلاح بين قطر والتحالف الثلاثي الذي يضم كلا من السعودية والامارات والبحرين، ولم تلعب دورا في تأجيج الصراعات او تعميق حالة الاستقطاب

داخل المجلس.  

رابعا: ان الكويت نأت بنفسها عن سياسات التحالف المذكور سواء بالتدخل العسكري لقمع ثورة البحرين في منتصف مارس 2011

(وان كانت قد بعثت قطعا بحرية لمواجهة “التهديدات الخارجية التي ادعاها الخليفيون)، ام في الحرب على اليمن (التي ربما شاركت شكليا فيها)، ام في الهرولة للتطبيع مع “اسرائيل”.

فلديها رأي عام يتسم بالوعي والشعور بالانتماء العربي والاسلامي. هذا الوعي ترسخ بفعل الممارسة السياسية ومناخ

الحرية النسبي. ولذلك يعتبر المثقفون الكويتيون في طليعة مناهضي التطبيع مع الكيان الاسرائيلي، والاكثر تشبثا بمناخ الحرية ورفض القمع والاستبداد والتبعية العمياء. هذا لا يعني ان السعودية راضية عن ذلك، فقد تمكنت من كسب بعض العناصر “الدينية” لدعمها داخل المؤسسات

الرسمية، وكثيرا ما سعت لبث الفرقة والعنف داخل المجتمع الكويتي، وأخطرها تفجير المصلين بمسجد الامام الصادق في يونيو 2015 الذي ادى لاستشهاد 27 من المصلين وجرح اكثر من مائتين.  
وبموازاة ايجابيات السياسة الكويتية ثمة سلبيات لا يمكن تجاوزها، ومنها ما يلي: 
اولا: النزعة لاستخدام النظام سلطات يمكن

اعتبارها تعسفية تتيح للامير حل مجلس الامة، وان كان ذلك مشروطا بإجراء انتخابات لمجلس جديد في غضون شهرين.  

ثانيا: ان اجهزة الامن تتمتع بصلاحيات واسعة، وهي بمنأى عن الرقابة والمحاسبة. ويصل انتهاك حقوق الانسان الى

التعذيب. وهذا ما حصل للعديد من المجموعات في العقود

الاخيرة. ولا يمكن تبرير اساءة معاملة المواطنين بهذه الاساليب الحاطة بالكرامة الانسانية. 

ثالثا: ان الكويت قامت بتسليم مواطنين من دول خليجية اخرى الى حكوماتهم، وقد تعرض هؤلاء لمعاملة بشعة بعد تسليمهم. وما اكثر البحرانيين الذين وقعوا ضحية

هذه السياسة. وفي النظام الديمقراطي لا يكفي وجود اتفاقات “تبادل المجرمين” بل يقتضي الامر إثبات ارتكاب الشخص جرما يعاقب عليه القانون، وليس مجرد معارضة النظام. هذه نقطة سوداء في تاريخ الكويت، والامل ان تبادر لوقف ذلك. 

رابعا: اعتقلت السلطات الكويتية معارضين سياسيين لانهم عبروا عن آرائهم، كما حدث مع النائب السابق، مسلّم البرّاك. وهذا لا يستقيم مع حرية التعبير التي هي من الحريات الاساسية التي

يسمح بها اي نظام سياسي.  
خامسا: ترفض حكومات الكويت المتعاقبة منح فئة واسعة من المواطنين حق التجنس، وقد مضى على وجود بعضهم على ارض الكويت اكثر من نصف قرن. انه قرار تعسفي لا يخلو من عنصرية جاهلية لا تنسجم

مع قيم الاسلام والعروبة وحقوق الانسان.  
 السياسات الايجابية ميزت الكويت عن بقية دول مجلس التعاون،

 خصوصا الثلاثي المقيت (السعودية والامارات والخليفيين). ولكن السياسات السلبية تجعل الكويت غير منسجمة مع معايير الديمقراطية واحترام حقوق الانسان.

لا شك أمير الكويت الراحل امتلك قدرا من الشجاعة على صعدان ثلاثة بشكل خاص: عدم الخضوع الكامل للسعودية والاصرار على استرداد الاراضي الكويتية التي تصر السعودية على البقاء فيها منذ ازمة الاجتياح، انتهاج سياسة داخلية أقل طائفية وتمييزا واخضاع تلك السياسة للدستور،

والالتزام بسياسات متوازنة مع كل من العراق وايران. لكن  

البحرانيون ثمّنوا للكويت مواقفها الداخلية والاقليمية، خصوصا الدعم المادي للبحرين. ويشار الى ان حكومة الكويت التزمت سياسة

انفاق المعونات لانشاء المستشفيات والمدارس بشكل مباشر وعدم دفعها نقدا للعصابة الخليفية التي تعرفها عمق حقدها على البحرانيين. الكويت تلقت طلبات رسمية من كبار الرموز الخليفية لعدم توظيف البحرانيين او منحهم رواتب عالية. يعرف البحرانيون ايضا ان الشيخ صباح سعى في

العام 2011 للتوسط بين الشعب والعصابة الخليفية، ولكن الطاغية وعصابته رفضوا تلك الوساطة. والكويتيون من جانبهم يعرفون عمق الروابط مع البحرانيين، ولا ينسون موقفهم الداعم لهم خلال ازمة الاجتياح وكيف احتضنوا من لجأ منهم الى البحرين هربا من جحيم صدام حسين. من هنا

عبر البحرانيون عن حزنهم لرحيل الشيخ صباح، واظهروا قيما انسانية راقية. ومن المؤكد انهم لن يظهروا موقفا مشابها عندما يموت الطاغية الخليفي الحالي الذي وضع على رأس اولوياته منذ ان تولى الحكم قبل عشرين عاما استهداف السكان الاصليين بالسجن والتعذيب والقتل وسحب الجنسية

والابعاد عن الوطن. كما استهدف مقدساتهم الدينية وهدم مساجدهم واستقوى بالاجانب عليهم. فلن يسكبوا دمعة يوم رحيل الطاغية بل يصلون لربهم ويدعونه لأنهاء محنة الوطن والشعب بمحق هذا الحكم الطاغي الذي يوالي اعداء الله ويعادي اولياءه من المؤمنين المظلومين في البحرين

واليمن وفلسطين. كما يتضرعون الى الله بان يجعل امير الكويت الجديد عادلا، رؤوفا، منصفا، ملتزما بالدستور، مدافعا عن المظلومين.

 
اللهم ارحم شهداءنا الابرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفك قيد أسرانا يا رب العالمين  

حركة احرار البحرين الاسلامية  

2 اكتوبر 2020 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق