بيانات

العقوبات البديلة مشروع خليفي اجرامي يرفضه الاحرار

من قال ان الشيطان لا يفقه شيئا؟ ومن قال انه لا يتفنن في اساليب افتتان المؤمنين؟ وفي الوقت نفسه من يستطيع ان يدعي ان الشيطان ينجح في اساليبه دائما؟ ألم يقل الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: ان كيد الشيطان كان ضعيفا؟ الشيطان يتجسد في السفهاء والمجرمين والطغاة والظالمين، فهو يجدد شكله وجلده واساليبه، ويمعن في استهداف الحق والصد عن سبيل الله. هذا الشيطان يترصد للمؤمنين الصابرين المحتسبين وآلى على نفسه الا ان يفعل ذلك، كما جاء في الآيتين 16 و 17 من سورة الاعراف: قالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، مثَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ”. هذا الوعد الشيطاني يتجسد اليوم في تصرفات الكثيرين، خصوصا من نذروا انفسهم ان يكونوا من حزبه بالتشبث بالدنيا وبهارجها والتطلع للنهب والسلب والسيطرة، والتخلي عن القيم الانسانية والاسلامية التي تطلب من الانسان ان يتقاسم العيش الكريم مع اخيه الانسان. وطغاة البحرين تشبثوا بولائهم للشيطان والسير على طريقه بلا وازع من ضمير او ايمان او انسانية. وتشيطنهم لا يعرف الحدود، يبدأ باحتلال اراضي الآخرين، والسعي لاستعبادهم، ونهب اموالهم وثرواتهم، واستهداف اعراضهم والاعتداء على شرفهم، والترصد لدينهم، وهدم بيوت عبادتهم والتنكيل بعلمائهم وصلحائهم، وقتل رجالهم ونسائهم واطفالهم، وقائمة اجرامهم تطول. ولكن إيمان أهل البحرين العميق الممتد باطنابه الى السنوات الاولى بعد ظهور الاسلام، كان سدا منيعا امام اولئك الشياطين الذين استعانوا بشياطين الانس والجن بلا جدوى. فها هو شعب البحرين شامخا لا ينحني، وثابتا لا يترنح، وجبلا أشم لا تصل الى ذروته جحافل الشيطان.

وفي الأوان الأخير سعى الديكتاتور لممارسة المزيد من الاساليب الشيطانية ضمن محاولاته اخضاع البحرانيين الاصليين (شيعة وسنة) لارادته وكسر ارادتهم باساليبه الاجرامية. فبعد ان نكل بالآلاف منهم في طوامير التعذيب لما يقارب عشرة اعوام، اعتقد ان إنهاكهم بالتعذيب والحرمان من العلاج وتعريضهم للامراض قد حقق هدفه بكسر ارادتهم. فطرح سما ناقعا في شكل عسل مصفى. فطرح مشروعه الشرير تحت مسمى “العقوبات البديلة”، مستهدفا معنويات المناضلين الاشداء وساعيا لخلق بلبلة في صفوف الاحرار. ولكن سرعان ما اتضح خبث المشروع واهدافه واساليبه. مشكلة الطغاة انهم يستلمون الاوامر من اسيادهم ولكنهم لا يحسنون تنفيذها، لذلك سرعان ما تفشل. فمنذ ان طرح ذلك المشروع الشرير ارتكب اخطاء فادحة قضت على المشروع وأدت لنتائج مختلفة تماما عما كان يطمح اليه. فها هي الجهات الحقوقية الدولية تعيد فتح ملفات التنكيل والتعذيب، وتطالب باطلاق سراح السجناء السياسيين بدون قيد او شرط. وها هي تسلط الضوء على المحاكمات الجائرة التي تصدر احكامها على اساس اعترافات زائفة منتزعة تحت التعذيب. وهكذا فتحت ملفات الاعتقال التعسفي والتعذيب البشع والقضاء الزائف والاستبداد المطلق. هذه هي العناوين التي ارتبطت بمشروع الاحكام البديلة التي سخر الطاغية ابواقه ليس لترويجها فحسب بل لكيل المديح له كـ “أب عطوف”. ومن المؤكد ان الصدى الاول لهذا الطرح سيكون ايجابيا لانه يحمل معنى خروج المعتقل السياسي من طوامير التعذيب ليعيش بين اهله. ولكن سرعان ما اتضح خبث الخليفيين واجرامهم عندما استعجلوا النتائج باجبار البعض على ممارسات لا تستقيم مع ما يؤمن به، وبعد ان بدأت ا لعائلات التي هرعت في البداية للقبول بالعقوبات البديلة تدرك خطرها وشرورها.

لذلك يمكن اعتبار المشروع قد فشل قبل ان يبدأ بشكل فاعل، للاسباب التالية:

اولا: انه مشروع سياسي وليس انسانيا. فهو محاولة للتخلص من اعباء ثقيلة نجمت عن اكتظاظ طوامير التعذيب بالمعتقلين السياسيين على مدى عشرة اعوام. فتقليص عدد المعتقلين يحقق ما يلي: خفض تكاليف السجن في فترة ضيق اقتصادي شديد نتيجة السياسات الخليفية الفاشلة. تخفيف الضغوط الخارجية التي تطالب باطلاق سراح السجناء السياسيين والتي تصدر تقارير دامغة ضد الطاغية وسياساته وتسلط الضوء على الممارسات الوحشية بدون توقف، التخفيف من غضب العائلات التي ترى ابناءها يتعرضون للتنكيل المتواصل ويقضون شبابهم وراء القضبان، الامر الذي يوفر دوافع مشروعة للثورة ضد العصابة الحاكمة، تقليص النزعات للمطالبة بمحاكمة مرتكبي جرائم التعذيب ومن بينهم بعض ابناء الديكتاتور نفسه المتهمين بممارسة التعذيب شخصيا بحق السجناء السياسيين.

ثانيا: ان الطاغية طرح “العقوبات البديلة” لتخفيف الضغوط التي يواجهها لاصلاح النظام السياسي، وتصاعد المطالبات بسقوطه. فقبل عشرين عاما ارغم حمد بن عيسى على تبييض السجون والاعلان عن مشروع سياسي وهمي اقنع المعارضة به في البداية ثم تخلى عنه. يومها كان يدرك استحالة غلق ملف الانتفاضة التسعينية المباركة بدون تقديم تنازلات للشعب خصوصا بعد سقوط اكثر من اربعين شهيدا. هذه المرة يمارس الطاغية تذاكيا على الشعب والرأي العام، فيعلن مشروعه بديلا للمطالبة بالافراج عن السجناء السياسيين الذين اعتقلوا ونكل بهم بدون حق واصبح لكل منهم قضية تكفي لادانة النظام بجرائم حرب. يضاف الى ذلك ان الاحكام البديلة تزيل من نفوس الضحايا الرغبة الجامحة للاقتصاص القانوني العادل ممن المعذبين والجلادين.

ثالثا: ان المشروع يهدف ايضا لتوسيع دائرة القمع وتكميم الافواه، فاذا بقي السجين وراء القضبان، فانه سيظل صامتا ومغيبا عن النشاط الاعلامي والسياسي. ولكن خروجه ضمن ذلك المشروع يفرض عليه امورا: اولها الاعتراف بانه مذنب وليس بريئا لانه يوقع اوراقا تتضمن اعترافه بقبول العقوبة البديلة، اي اعترافه بارتكاب ذنب يعاقب عليه. ثانيها: القبول بسياسة “السخرة” التي بموجبها يقبل العمل بدون مقابل كعبد يوجهه الخليفيون اينما شاؤوا ويفرضون عليه اعمالا تحط من قيمته. فالجامعي يجد نفسه كناسا، والطبيب قد يفرض عليه العمل لتقديم الشاي للخليفيين او عبيدهم، وعالم الدين قد يفرض عليه نزع ا لعمامة والعمل تحت إمرة الجلادين باحدى الدوائر الامنية. يقول شاب جامعي قبل بالعقوبات البديلة. اقوم بتمزيق الاوراق الرسمية باحدى الادارات الحكومية، بدلا من الآلة التي تمزق الاوراق بشكل سريع ومريح. وتضج والدته من هذا التعذيب الواضح لشاب يحمل الشهادة الجامعية ويعامل بهذه الاساليب. رابعها: ان خروج السجين ضمن العقوبات البديلة يوسع دائرة الصمت، فيبقى هو وعائلته تحت الرصد المتواصل من قبل الاجهزة ا لقمعية، فلا يقتصر الصمت عليه بل ان كافة افراد عائلته يمارسون الرقابة الذاتية ويمتنعون عن اي تصريح او نشاط تشم منه رائحة السياسة. يضاف الى ذلك ان اجهزة  التعذيب الخليفية تتصل بالشخص بشكل متواصل لازعاجه وعائلته وإشعاره بانه تحت الرقابة الدائمة، فيقفز من فراشه في منتصف الليل عندما يرن الهاتف فربما يكون من وزارة الداخلية.

رابعا: ان العقوبات البديلة تحولت الى وسيلة لتوظيف المخبرين والجواسيس. ويذكر بعض الضحايا ان السؤال الاول الذي يوجه لهم عندما يستدعيهم الجلادون: ماذا تعمل؟ فان كان عاطلا يطلب منه العمل جاسوسا لهم في مقابل المال. ومع ان اغلب النشطاء يرفض ذلك ولكن الحاجة والضغط والخوف قد تكسر ارادة الرفض لدى البعض فيقبل بالعمل مع اجهزة  الامن والاستخبارات.

خامسا: هذه العقوبات تقضي تماما على المعتقل السياسي. فبنما يمتلك شيئا من الحرية بعد صدور الحكم عليه، يتحول بعد خروجه من السجن ضمن هذا المشروع الخبيث الى انسان محاصر بالخوف والقلق، وينعزل تدريجيا عن المجتمع، فيتوقف عن اي دور اجتماعي او حضور المؤسسات والمساجد الا نادرا. هنا يصبح ذلك الشخص الذي ثار ضد الظلم رقيبا على نفسه، بل قد يصبح سببا لتثبيط الآخرين وتخويفهم من شراسة الجلادين ويفت في عضد الصامدين بشكل تدريجي، خصوصا القريبين منه.

سادسا: ان السجين السياسي الذي يخرج ضمن “العقوبات البديلة” يستدرج ليصبح بوقا للخليفيين. فبين الحين والآخر يتصل به اجهزة الاعلام لاستحصال كلمة منه يثني بها على الطاغية وعصابته، ويتحدث بايجاب عن السجن، يعمل ذلك ليتحاشى العودة اليه. فالقبول المبدئي بمبدأ العقوبة يخلق لدى هذا الانسان البريء شعورا بانه مجرم وعليه ان يعيد النظر في سلوكه ومواقفه وتصرفاته.

سابعا: ان من يخرج من السجن بالاسلوب المذكور يطلب منه الحضور لما يسمى “مركز الارشاد” او “اعادة  التأهيل”. وللوهلة الاولى يعتقد البعض ان ذلك يعني علاج السجين مما انتابه من عاهات او امراض نفسية نتيجة سوء المعاملة. وهذا تصور خاطيء. فالخليفيون لا يعترفون بانهم ارتكبوا جرما بحق المعتقل. وقد اتضح الآن ان مركز الارشاد او التأهيل انما هو غرفة بمبنى التحقيقات يديره الجلادون انفسهم. فعندما يذهب يجد نفسه امام تحقيق جديد وليس امام اطباء ومتخصصين. هؤلاء يبدأون التحقيق مع الشخص: من هم اصدقاؤك؟ التقيت مع من؟ ماذا قال لك؟ ثم يحذرونه من مغبة المشاركة في اي نشاط اجتماعي او سياسي. يقول احدهم: قال المحققون بمركز الارشاد: اذا طلب منك احد المشاركة في اي عمل سياسي كاجتماع او احتجاج فعليك ابلاغنا على الفور عن ذلك الشخص، وان لم تفعل ثم علمنا ذلك لاحقا سيتضاعف عقابك.

لذلك وقفت المعارضة ضد هذا المشروع الاجرامي الذي يسعى لتأكيد جرم البحرانيين حتى خارج زنزانات التعذيب وأكدت ضرورة العمل لاطلاق سراح السجناء السياسيين بدون قيد أو شرط.

اللهم ارحم شهداءنا الابرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفك قيد أسرانا يا رب العالمين

حركة احرار البحرين الاسلامية

24 يوليو 2020

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق