بيانات

نتضامن مع العمال في يومهم العالمي، ونهيب بالصائمين ممارسة التدبر

اليوم هو عيد العمال العالمي. وكحركة مناضلة نعبر عن اعتزازنا بالمناسبة وتقديرنا للعمال خصوصا في هذه الظروف الاستثنائية من تاريخ البشرية المعاصرة. ونخص الطواقم الطبية في كل مكان، خصوصا البحرين، التي تقف في الخط الامامي لمكافحة وباء كوفيد – 19. وندعو الله ان يحميهم من كيد الطغاة الذين استهدفوهم قبل تسعة اعوام بالسجن والتعذيب والتنكيل والطرد من الوظيفة. هذا العام لن تكون هناك مسيرات بالمناسبة، ولكن التقدير والاحترام للعمال في كل مكان خصوصا في بلدنا المظلوم.

اجواء شهر رمضان تفرض نفسها على الصائمين، حتى في اجواء الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي وانتشار الوباء. هذه طبيعة التشريعات الاسلامية التي تبعث الحياة في النفوس وتمنع الجمود والتكلس والكسل. وما دام العقل هو القادر على توجيه الانسان للمنطق السوي، فقد أكدت النصوص الدينية على ضرورة تفعيله بالتفكير المستمر، واعتبر عدم استخدام العقل من اسباب دخول النار: “وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السعير”، وان من لا يستخدم عقله فه من فئة البكم والصم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ”. هذا العقل هو المدخل للايمان، فلا يجوز تقليد الآخرين في قضايا العقيدة، بل على المرء ان يستخدم عقله للتوصل الى الحقيقة المطلقة وهي الله سبحانه. هذا العقل هو الذي يميز الانسان عن البهائم، وهو الذي جعل الانسان مستحقا لخلافة الله على الارض “وإذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة”. فلا يمكن ان يستحق هذا الموقع الكبير من لا يستخدم عقله. فالله يريد ان يرتقي الانسان الى اعلى مستويات الحكم والادارة لكي يحسن إعمار الارض. اما الطغاة والمتفرعنون ومن جعلوا انفسهم أربابا من دون الله فيسعون لقتل العقل لدى الانسان. فالمواطن الصالح هو الذي يسمع قول الطاغية ويطيعه ولا يناقشه في شيء. فمن يجتهد في موقف او فعل مخالف عما يريده الطغاة يجد نفسه مستهدفا بكافة اصناف التنكيل التي تصل الى  القتل. وما اكثر الذين يذعنون لما يريده الطغاة، فيتخلون عن عقولهم لكي يحافظوا على البقاء، وان هبطوا الى مستوى البهائم.

ثانيا: في شهر رمضان المباكر ثمة  فرصة كبرى لكسر الجمود والكسل، وذلك بتلاوة القرآن والتدبر فيه. فالقراءة تذكره بدور العقل في آيات كثيرة، تشعره بوجود ملكة خاصة لديه يجب عليه الاستفادة منها بشكل جيد، وانه مختلف عن بقية المخلوقات التي لا تملك العقل، فهي فاقدة للارادة، توجهها الغريزة وليس العقل. وقد اعتبر رمضان شهر القرآن. ففيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وهي ليلة القرآن كما جاء في سورة القدر: انا انزلناه في ليلة القدر. ولذلك تستحب فيه قراءة القرآن بشكل مكثف. ولكن ما يؤكد عليه العلماء مستفيدين من النصوص القرآنية، ممارسة التدبر في آياته. فمع ان هناك أجرا كبيرا لتلاوة الكتاب المجيد، ولكن التدبر فيه امر مطلوب بشكل خاص. قال تعالى: “أفلا يتدبرون القرآن ام على قلوب أقفالها”، “أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا”. التدبر يعني استيعاب معاني الآيات ومقاصدها. والهدف من ذلك التدبر الوصول الى الهداية: “ان هذا القرآن يهدي للتي اهي اقوم، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات ان لهم أجرا كبيرا”. وبالاضافة للهداية فان القرآن يبشر المؤمنين، ويؤكد لهم اهمية العمل الصالح والأجر المترتب عليه. هذه الآية تربط بالقرآن بالهداية التي توصل الانسان للإيمان الحقيقي المؤسس على المنطق والعقل والتدبر والتفكير. واذا اقترن هذا الإيمان بالعمل الصالح الذي يوضح القرآن الكثير من مصاديقه، تأكد استحقاق المؤمن للاجر الكبير من الله سبحانه. انها دعوة مؤكدة لتحصيل الاجر الكبير الذي يتحقق عندما يقرن الإيمان بالعمل الصالح الذي يوضحه القرآن الكريم. من هنا فان التدبر طريقة منهجية لضمان الاجر الكبير. انه أجر من الله وليس من الانسان الذي لا يملك الا النزر القليل مما يستطيع تقديمه للآخرين كأجر في مقابل ما يؤدون له من خدمة.

ثالثا: ما اكثر اشكال العمل الصالح الذي يذكره القرآن الكريم. ومن بين اهم مصاديق ذلك العمل، الوصول الى مرتبة رفيعة من التقوى. هذا التقوى هو المصداق الاول للايمان. ونظرا لاهميته فقد جاء في الآيات الاولى من القرآن الكريم. فسورة “البقرة” تبدأ بذلك نظرا لاهميته: “ألم، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين”. ولتوضيح التقوى جاءت الآية التالية لتوضح اهم مستلزماته: الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. ويضيف مستلزمات اخرى لاحقا. والايمان بالغيب يفترض ان يكون حالة عملية وليس ايمانا بطلاسم وألغاز لا تتصل مباشرة بحياة الانسان. فمن أهم معاني الغيب الايمان بحاكمية الله على الكون من خلال قوانينه الطبيعية. هذا يعني ان على المؤمن الحقيقي ان يكون مطمئنا لنفاذ القانون الالهي على الجميع بشكل دائم. فليس هناك قوة قادرة على وقف القوانين التي تحكم الكون. وتدبر القرآن يؤدي بالمؤمن لاستيعاب معنى القوة  الالهية المطلقة وحاكمية الله التي لا يستطيع احد مضاهاتها او وقف نفاذها. هذه القوانين تعتبر حقائق ثابتة ” فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا”. ثبات هذه السنة ونفاذها جاء تأكيدا لما ينتظر المستكبرين: استكبارا في الارض ومكر السيء، ولا يحيق المكر السيء الا بأهله. ماذا يعني ذلك؟ في عالمنا الذي نعيشه يعتقد المستكبرون والطغاة انهم يملكون السلطة المطلقة، وان أحدا لا يستطيع تحدي تلك السلطة. وتقول الآية ان هؤلاء محكومون بالسنة الالهية التي لا تتبدل او تتغير او تتحول. انه مصداق واقعي ملموس لمفهوم الايمان بالغيب، هذا الايمان بالغيب اولى سمات التقوى كما تمت الاشارة. هنا تتجلى عظمة الصوم، ومعنى قراءة القرآن الكريم وكذلك اهمية التدبر في آياته. يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على  الذين من قبلكم، لعلكم تتقون”. هنا يتحول الصوم الى دعوة صريحة للتحرر من المستكبرين والطواغيت، وان ذلك شرط لتحقيق هدف الصوم واول مصاديق التقوى.

من هنا فان حركتنا السياسية الهادفة لتحقيق الحرية والعدل والامن تنطلق من الايمان الديني الحقيقي الذي يفترض ان يتجلى عمليا في حياة المؤمنين وممارساتهم. كما انها دعوة للخروج بالدين من الطقوس الشكلية والرمزية الى الحياة العملية التي يتطلب تغييرها للافضل لمؤمنين ترسخت في نفوسهم معاني الايمان وجسدوا في مواقفهم العملية معاني التقوى، وآمنوا بحتمية نفاذ السنن الالهية التي يعتبر الايمان بها احد جوانب الايمان بالغيب، كما سبق. فاما ان يكون الدين حركة حية في الحياة، او يتحول الى طقوس بعيدة عن الممارسة والمعاناة والتطلعات البشرية لتحقيق ما يحقق انسانيتهم ويميزها عن الظواهر الحيوانية: العقل، الايمان، الغيب، التقوى، السنن الالهية الثابتة التي لا تتغير او تتحول.

في هذا الشهر الفضيل يستمر المؤمن الصائم في السعي لتجسيد التقوى كشرط لصلاح صومه من جهة، وتأكيد ايمانه بالغيب من جهة اخرى. فان فعل ذلك فقد احدث تحولا في نفسه وعقله تجاه الدين ودوره في الحياة. فهو ينتمي لدين متحرك، يوجه الناس لما يحييهم ويحررهم ويجسد انسانيتهم، بعيدا عن أي معنى آخر يسعى الطغاة لتركيزه في الاذهان بالقوة والعنف والاكراه. الايمان هنا ينفذ الى القلب طوعا، وليس بالإكراه. تجسيد آخر لمعنى الحرية التي تدفع الانسان لاستعادة عقله الذي سلبه الطغاة منه. ان الاستكبار والاستعباد والتفرعن ظواهر واجهها الانبياء جميعا، وأصروا على مواجهتها لتحقيق مفهوم خلافة الانسان على الارض، تلك الخلافة التي تتطلب من المؤمن ان يرتفع بايمانه وعقله وروحه، ويستصغر كل ما دون الله سبحانه. ان التغيير السياسي المنشود يبدأ بالعودة الى الذات، والتعاطي بعقل وتدبر مع قضايا الاسلام والايمان والقرآن والغيب والسنن. مفردات جميلة يفترض ان تشكل بمجملها الشخصية القيادية التي تستحق ان تمثل الله على الارض: اني جاعل في الارض خليفة. لو استطعنا ان نستوعب هذه المفاهيم خلال شهر رمضان، خصوصا مع توفر فرصة  التفكر والتدبر في اجواء الحجر الصحي، فسنكون قد استفدنا حقا من الصوم، وحققنا هدفه الاساس الذي نصت عليه آية فرض الصوم وهو التقوى. يا ايها الذين آمنوا فرض عليكم الصيام كما فرض على الذين من قبلكم، لعلكم تتقون.

اللهم ارحم شهداءنا الابرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفك قيد أسرانا يا رب العالمين

حركة احرار البحرين الاسلامية

1 مايو 2010

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق