بيانات

الزخم الثوري من اجل التغيير يتجدد في الذكرى التاسعة

14 فبراير: ايقونة الحرية صنعتها دماء الشهداء

هذا يومهم، ففيه تحرروا من كافة العقد. في مثل هذا اليوم قبل تسعة اعوام وُلد شباب البحرين من جديد، ربما كانت ولادة عسرة، ولكنهم خرجوا الى الحياة تاركين وراءهم ثياب الذل والخنوع والاستسلام، كل منهم متزر بثوب الايمان والشموخ، لقد تحررت قبضته من الاغلال، فاهتزت في الهواء مؤذنة بعهد جديد. اليوم اعلن الشعب طلاقه الابدي مع العصابة المجرمة التي ولغت في دماء اهله على مدى عقود، حتى تساوى امامه خيارا الموت او الحياة. جاء الابطال المحررون من كل زاوية ملبين نداء الثورة، هاتفين باسم الشعب، معلنين للعالم قرارهم التاريخي بانهم لن يعيشوا عبيدا للطغاة بعد اليوم. لقد كان الرابع عشر من فبراير 2011 يوم الحرية الحقيقية للشعب. خرج هؤلاء بقرارهم الحر، لم يستلموا امرا من احد بالخروج، فقد نظروا الى الافق البعيد فرأوا فيه سيماء الحرية وتباشير النصر. كانوا يعلمون ان الثمن سيكون كبيرا، ولكن متى كانت الحرية رخيصة؟ متى كان الحفاظ على الكرامة والشرف والانسانية في زمن العهر والتفاهة والسقوط الاخلاقي رخيصا؟ وعندما خرج علي عبد الهادي مشيمع من منزله صباح ذلك اليوم، كان يتطلع لمستقبل مختلف، يعانق فيه الحرية ويكمل فيه دراسته ا لجامعية ويؤسس حياة شريفة مع شريكة حياته. وفي الوقت نفسه لا بد انه حدث نفسه بنيل الشهادة على يدي شر خلق الله. وكان مستعدا لذلك. والده، الحاج عبد الهادي مشيمع انتابه الحزن والاسى لفراق فلذة  كبده، ولكنه شعر بالفخر يسري في اوصاله، ويكفيه انه اصبح “والد الشهيد”. يكفيه ان بكاءه على نجله اصبح يهز النظام الخليفي، فيبعث جلاديه مجددا للانتقام من الوالد كما انتقم من الولد. هذه المرة كان بقاء الوالد حرا في ذكرى استشهاد نجله عنصر تهديد للحكم الخليفي المارق، فلا بد من اعتقاله، ليقضي الذكرى متأوها وراء القضبان. ولكن ماذا عن البقية؟ لقد تم التنكيل بوالد الشهيد فاضل المتروك الذي استشهد في اليوم الثاني من الثورة، حتى وجد نفسه خارج الحدود، منفيا، يكابد ألم فراق الولد والبعد عن الوطن والاهل. وماذا عن زوجات الشهداء والسجناء؟ ما هو شعور زوجة الشهيد كريم فخراوي الذي مزق الخليفيون جسده بالمباضع حتى اردوه جثة هامدة؟ ما شعور هذه المرأة الصابرة المحتسبة وهي تستقبل ذكرى الثورة التي قدم زوجها روحه على طريقها؟ وماذا عن زوجة الشهيد عبد الرسول الحجيري؟ والسيد حميد  السيد محفوظ؟ وعلي صقر؟ وعلي جاسم مكي وزكريا العشيري؟ وماذا عن زوجات القادة المعتقلين الذين قضوا حتى الآن تسعة اعوام وراء القضبان بعد معاملة اكدت توحش الخليفيين وانسلاخهم من الاخلاق والقيم؟ اكثر من 20 الف معتقل سياسي تعرضوا لاصناف العذاب. والتعذيب لم يكن عاديا كما يفعل بقية الطغاة والجلادين. هذه المرة اصبح التعذيب متطورا، يديره “خبراء” ويتم تدريس اساليبه ضمن دورات وشهادات عليا تتجاوز الدراسة الجامعية العادية. بعض الجلادين يحمل شهادة الماجستير من الاكاديمية الملكية للشرطة التي اكدت تقارير اعلامية نشرت الاسبوع الماضي في لندن، ان جامعة هادرزفيلد تديرها. جامعة بريطانية هي التي تدرب جلادي آل خليفة ليمارسوا اصناف التعذيب بحق البحرانيين. تكاد الارض تنقلب رأسا على عقب، وتكاد الوحوش الضارية تستهزيء بالانسان الذي يتشبه بها وينافسها في التوحش والقسوة. عندما تكون “الديمقراطية” اداة للاستبداد والقمع، وحين يكون “العالم الحر” داعما للديكتاتوريين، عندها لا تجد الافواه الخيرة سوى الصمت وسيلة للتعبير عن التقزز والاشمئزاز. ما فائدة اللسان اذا حكم عليه بالصمت؟ وما قيمة الانسان اذا فرض عليه ان يكون بهيمة لا يهمها الا العلف ولا هدف لها من العيش الا مضغ الاكل؟

عندما فرغ الاستاذ عبد الوهاب حسين في فجر الاثنين 14 فبراير 2011 من صلاته لربه، ازداد شوقاء للقاء الله، فخرج متوكلا على الله ليفجر اكبر ثورة عرفتها البلاد في تاريخها. كان معه بضع عشرات من المصلين الذين حفزتهم صلاتهم للثورة ضد الحاكم الجائر، عارفين ان من يقتله الطاغية سيكون شهيدا من طراز حمزة بن عبد المطلب. لم يصدق الطاغية ان الشعب البحراني الذي سعت عصابته على مدى عقود لكسر شوكته واهانته وسحق، سيمتلك شجاعة المواجهة وفضح تلك العصابة المجرمة امام العالم. فجن جنونه وبعث جلاوزته ومرتزقته للتصدي للثائرين. لقد قمعت اول مسيرة في مسلسل ثورة البحرين، بشراسة وتوحش، ولكن من قال ان القمع يكفي لكسر شوكة الشعوب الناهضة؟ طوال اليوم شهدت البلاد مسيرات في مناطق عديدة تعرضت كلها للقمع بالغازات الكيماوية ومسيلة الدموع، وكذلك بسلاح الشوزن. لكن القمع كان حافزا للاصرار والصمود. وعندما بلغ التوحش الخليفي ذروته في ذلك اليوم سجل تاريخ الثورة استشهاد اول بطل عملاق. رصاصات الغدر الخليفي مزقت احشاء الشاب علي عبد الهادي مشيمع، وبذلك تأكد امر واحد: ان الحكم الخليفي بدأ الخطوة الاولى على طريق السقوط. فالدم هو الفيصل بين الطرفين. وما دام الخليفيون قد بدأوا سفك الدماء وتنفيذ مشروع الطاغية الهادف لابادة السكان الاصليين، فقد حكموا على انفسهم بزوال حكمهم الى الابد. كان دم مشيمع والمتروك ثمنا لاقتحام دوار اللؤلؤة ليكون ذلك منطلقا لثورة جامعة ضمن البحرانيين الاصليين (شيعة وسنة) في اطار وحدة وطنية غير مسبوقة، وربيع مزهر لا يضاهي جماله شيء. تصاعدت الثورة بعد اقتحام الدوار ثم العدوان الخليفي عليه وقتل المزيد من الشهداء، ثم العودة المظفرة للدوار ليكون دار الثورة. ولم تنته تلك الحلقة الا بدخول قوات الاحتلال السعودي والاماراتي بعد شهر واحد، وهو احتلال لم يرحب به احد، بل اعتبره الشعب عدوانا على سيادة البلاد والشعب. وقف بوجهه قادة الثورة آنذاك بالاضافة للاستاذ عبد الوهاب، ومنهم الاستاذ حسن مشيمع الذي عاد من علاجه في لندن ليساهم في شرف المشاركة، والدكتور عبد الجليل السنكيس والشيخ عبد الجليل المقداد ومحمد حبيب المقداد وعبد الهادي الخواجة، والاستاذ نبيل رجب وسماحة الشيخ علي سلمان وبقية الابطال.

بعد تسعة اعوام تستعيد ذاكرة الوطن مشاهد ثورة اكدت للعالم انسانية البحرانيين الاصليين وتوحش الخليفيين وداعميهم. عقد كامل من القمع الذي لم يتوقف يوما ولم تحده حدود. مئات الشهداء، آلاف الجرحى والمعتقلين، مئات الممنفيين ومن سحبت جنسياتهم. السجون اكتظت بشباب البحرين وشيوخها واطفالها ونسائها، وما تزال كذلك حتى الساعة. تواصل النزال بين الطرفين بلا هوادة. احد هذين الطرفين سقط عمليا بعد شهر من اندلاع الثورة، فجاءت قوات الاحتلال الاجنبية لاسناده، فاصبح الطاغية جسدا له خوار، بدون روح او احساس او كرامة او انسانية. اما الشعب ففي كر وفر ليلا ونهارا، راية الحرية ما تزال مرفوعة بعد ان فشلت ستة جيوش دخيلة في كسرها. لقد اصبح التغيير الجذري عنوان ثورة 14 فبراير، وسيظل كذلك حتى يحكم الله بين الشعب والخليفيين، وهو احكم الحاكمين. الثوار الذين استرخصوا الارواح من اجل الله والحرية لم تتغير مواقفهم، بل استمر صمودهم حتى اللحظة. اما اعداء الله والانسانية والشعب فمتشبثون ببيوت العنكبوت في واشنطن ولندن وتل أبيب، لقد ارتكبوا من المحرمات والفظاعات واختراق الحدوود الحمراء ما لم يفعله غيرهم، فحق عليهم قول ربك، وسوف يمحقهم الله ويلعنهم اللاعنون. انها ثورة ولدت لتنتصر، وانه لشعب اختاره الله ليؤدي دوره بايمان وصدق وكفاءة. وقفت رجاله كما صمدت نساؤه، والكل يهتف: الشعب يريد اسقاط النظام. وكلما امعن الطاغية في القمع والتنكيل ترددت الهتافات في كل شارع وحارة: يسقط حمد. انها المفاصلة التاريخية التي لم تحدث من قبل، ولكنها هذه المرة فرضت نفسها على العالم بعد ان كتبت بدماء الشهداء الزاكية، وبعد ان باركها الله بالشهداء والعلماء. قد يستغرق تحقق الطلاق النهائي وقتا اطول، ولكن الله يمهل الطغاة ولا يهملهم، فان ربك لبالمرصاد. تجربة فريدة ودروس بليغة وسيرة مقدسة وشعب مناضل وامة يقظة، كل ذلك من اجل الله والوطن والحرية والكرامة. النصر قدر هذه الثورة، والشعب يستحق ذلك النصر. الجميع ينتظر الغد المشرق بالنصر والحرية، وان غدا لناظره قريب. وما النصر الا من عند الله العزيز الحكيم

اللهم ارحم شهداءنا الابرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفك قيد أسرانا يا رب العالمين

حركة احرار البحرين الاسلامية

14 فبراير 2020

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق