بيانات

الشهادة مشروع للتحرير والدفاع عن الحرية والانسانية

عندما أحيا اهلنا في البحرين الذكرى الثالثة لاستشهاد ثلاثة من شباب الثورة الاطهار، تمزق الطغاة غيظا وازدادوا حقدا على هذا الوطن المعذب وأهله. فقد كان الهدف من ازهاق ارواح الابرياء غرس الخوف في نفوس الآمنين وترويع الاحرار لردعهم عن الحراك والثورة. ولكن الذي حدث كان غير ذلك. فقد خرجت المسيرات تباعا، واصبح الشهداء عنوانا لظلامة اضافية، وخطت اسماؤهم بدم الشهادة في قلوب المظلومين. وعندما أقرت محكمة الاستئناف الخليفية الاسبوع الماضي قرار ديوان الطاغية اعدام اثنين من الابطال البحرانيين، تأكدت توجهات الشعب مجددا، وأكد تمسكه باهداف الثورة وشهدائها. وخرجت المسيرات هنا وهناك برغم آلة القمع التي تحصدر الارواح وتدمر الاخضر  واليابس. ادرك الشعب البحراني الاصلي (شيعة وسنة) ان الثورة لا تموت ابدا، وان قافلة الشهداء لن تتوقف، وان الدم القاني الذي يسيل من اجساد الابرياء علامة على حياة الشعب وحيويته وشموخ هامات رجاله ونسائه. انه صراع من اجل الحق والحرية والانسانية والكرامة، وهو صراع لا تقضي عليه المشانق او رصاص الغدر. كما انه صراع لا تستطيع القواعد العسكرية الاجنبية التي استقدمها الطاغية خوضه بالنيابة عنه، بل هو صراع ممتد عبر الاجيال والعصور، ومتصل بالاهداف السامية التي ترتبط باقامة الحكم الالهي على وجه الارض من خلال استخلاف الصالحين ومحق الطغاة المتجبرين. سيظل هؤلاء المستكبرون يتصرن وفق قاعدة الاستكبار الذي جسده فرعون: “انا ربكم الاعلى”، “ما اريكم الا ما أرى، ولا اهديكم الا سبيل الرشاد”. الطغاة يسيرون على نهج سابقيهم ويلاحقون مصيرا كمصيرهم، فتلك هي سنة الله في خلقه، وارادته في مشروع الاستخلاف الذي من خلاله يفترض تجسيد ارادة الله وحكمه ونمط تعامله مع البشر.

الشهداء عنوان حياة الامة التي تعشق الحرية. هؤلاء يستشهدون بطرق شتى: يسقطون في ميادين الكرامة ثائرين ضد ظلم الطغاة الذين لا يترددون عن قتلهم بابشع الاساليب. ويستشهدون في طوامير التعذيب بايدي الجلادين الذين يعيشون بلا روح، ويفكرون بلا عقل، ويتحولون بالتدريج الى عبيد للطغاة. ويستشهد الاحرار كذلك بالمقاصل والمشانق والرصاص، بل حتى بقطع الرقاب. ما اكثر اولئك الذين واجهوا السيافين بإيمان راسخ وإباء وشموخ. فكلما سقط احدهم حمل الآخر رايته وهرع في المضمار يسابق الريح لكسب رضا الله سبحانه وتعالى. طرق الاستشهاد وظروفه عديدة، ولكن حقيقته واحدة. فهو انتقال بالروح من عالم البشر الى عالم الملكوت، وطلاق للدنيا الفانية من اجل آخرة باقية، وانسحاب من عالم النفاق والدجل والخداع الى عالم الصدق والبراءة والكرامة. ما اعظم الذين يستمرون في نهجهم حتى يلاقوا ربهم راضين مرضيين. وما اعظم الجهاد بكلمة حق امام سلطان جائر، ينطلقها المجاهد وسرعان ما يدفع حياته ثمنا لها. تلك هي الحرية، سلعة غالية ثمنها الارواح وخطابها الحرية والكرامة. تعلم الاحرار معاني الشهادة من الحسين بن علي عليه السلام واهل بيته واصحابه، فاحسنوا التعلم وصاغوا معنى الحياة التي تكرم الانسان وترفع مستواه وقيمته. فما الحياة الفانية الا حقبة للعبور الى الحياة الباقية. فمن تحقق له ذلك في سلامة من دين ودنيا فقد فاز بالحسنيين. ومن لم يتحقق له ذلك اصبح عليه ان يوائم بين النقاء الروحي المطلوب منه والرغبة في الحياة المادية الهانئة. تلك هي فلسفة الحياة وعنوانها، وذلك هو محتوى المشروع الاسلامي الذي يمنح الانسانية معناها وكرامتها.

شهداء البحرين على مدى القرن الماضي والحالي سجلوا اروح ملاحم الصمود والثبات وحب الله والوطن. وقفوا بوجه الطغاة الذين احتلوا البلاد بالقوة ويحاولون الاستمرار في الهيمنة بالقوة والعمالة للاجنبي وشراء بعض الفاسدين. القافلة التي تضم هؤلاء الشهداء تطوي الفيافي والقفار بحثا عن دوحة الحرية والكرامة، ويزداد عدد الملتحقين بها كلما امعنت في السير. انها حركة التاريخ التي لا تتوقف والتي تشهد الصراع الازلي بين الحق والباطل: الحق الذي يمثله الانبياء والشهداء والباطل الذي يمثله الطغاة والديكتاتوريون وعبيد الدنيا والمال والجاه. فما اشبه الليلة بالبارحة، وما اشد البحرانين ولها على قتلاهم. شعروا بالظلامة عندما مزقت مباضع الجلادين الخليفيين جسد جميل العلي في مايو 1980 وعندما اردت الرصاصات الخليفية الغادرة الهانيين في مسيرة السنابس في 17 ديسمبر 1994. وشعروا بالظلامة تشتد حين مزق الجلادون بمركز الخميس الذي كان تحت ادارة خالد الوزان، جسد الشهيد سعيد الاسكافي في يوليو 1996، وعندما القى جلادو الطاغية الحالي من جهاز الاستخبارات العسكري جسد الشهيد نوح خليل آل نوح في صيف 1998. هذه الظلامات التاريخية تتراكم وتزداد إيلاما، لم تتوقف ابدا ولن تتوقف طالما بقي الخليفيون حكاما. فمن يوافق على بقاء حكمهم (لاي سبب) فانما يوافق على المزيد من التعذيب الوحشي والقتل وتمزيق المجتمع بالمشروع الطائفي الخليفي. هذه الظلامات تعمقت اكثر عندما امتدت ايدي المعذبين الخليفيين لجسد الشهيد كريم فخراوي وعلي صقر وعلي جاسم مكي وعبد الرسول الحجيري والسيد حميد السيد محفوظ ومئات آخرين في السنوات التسع الاخيرة. فماذا نذكر وماذا نترك؟ وهل بقي مكان في الذاكرة لم يكتظ بالذكريات الاليمة لتجربة العيش تحت الحكم الخليفي الجائر؟

الشهداء عنوان مسيرة شعب ونهضة امة. انهم تعبير عن ضمير يقظ وقلب تزدحم فيه الحياة بكل ابعادها، وتتراقص فيه افكار الحب والاخاء والانسانية والوفاء. لم يموتوا بل ارتفعت ارواحهم الى عالم الخلود عند مليك مقتدر. وما اكثر الذين ينتظرون دورهم على طريق الشهادة ابتداء بالمواطنين المظلومين، محمد رمضان وحسين موسى اللذين يصر السفاح الخليفي على قتلهما برصاصه الغادر. ومتى كان للخليفيين عهد؟ بل متى اظهروا انسانيتهم او وطنيتهم؟ انهم لم يكونوا يوما اولياء لله وعباده المؤمنين، بل عبروا بوضوح عن ولائهم لاعداء الامة، محتلي فلسطين، والمتآمرين على شعوب الامة وهويتها وحقوقها وحريتها. هؤلاء الطغاة لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة بعد ان ماتت قلوبهم وانعدمت انسانيتهم وتلاشت اخلاقهم وقيمهم حتى باتوا أسوأ من وحوش الغابة. لذلك اصبح الصراع معهم مريرا ومتواصلا ومضنيا. ولكنه لدى الاحرار وعشاق الحرية والشهادة، مشروع انساني نبيل لا يتخلى عنه الاحرار والمناضلون، ولا يستسلم فيه من فتح الله قلبه للايمان ورأى ان الفرار من الزحف معصية كبرى. ثقافة الصمود والاباء والتحدي انتشرت في صفوف البحرانيين الاصليين (شيعة وسنة) ولن يتمكن الخليفيون من إزالتها او اضعافها. وتوفر ذكريات الشهداء محطات مهمة لتعميق تلك المشاعر وتأصيل ثقافة الحرية ومشروع تحرير البلاد من المحتلين والمستبدين. فالذين استشهدوا أدوا امانتهم وقدموا شهادتهم للتاريخ، اما الذين بقوا فيستشعرون المسؤولية الكبرى التي انيطت بهم ويصرون على حملها اداء للامانة وأداء للرسالة، ودفاعا عن الحق والحرية والعدل والانسانية. انها الثقافة المستمدة من دماء شهداء الاسلام والانسانية، التي أطرها الاسلام بقيمه ومبادئه واخلاقه. وسوف يستمر شعبنا البطل في التمسك بتلك الثقافة والقيم ولن يتخلى عنها يوما، طال الزمن ام قصر. يحدوه في ذلك شعوره بانتصاره المتواصل على قوى الاحتلال والظلم. سيتواصل النضال والصمود ومعهما الشهداء والضحايا رجالا ونساء. فكل بحراني اصلي (شيعيا كان ام سنيا) مشروع متكامل ينتمي لله والانسانية ويعشق الحرية ويتمنى الشهادة.

اللهم ارحم شهداءنا الابرار واجعل لهم قدم صدق عندك، وفك قيد أسرانا يا رب العالمين

حركة احرار البحرين الاسلامية

17 يناير 2020

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق