بيانات

التوترات المفتعلة في الخليج صنعها حكامه وداعموهم

التوتر في الخليج، لماذا؟ من يقف وراءه؟ وكيف يمكن منع نشوب نزاعات مسلحة في هذه المنطقة المبتلاة؟ فبالاضافة لتوتر العلاقات بين ايران وكل من امريكا وبريطانيا، ثمة صعدان ثلاثة تشهد مصاديق لهذا التوتر الذي يهدد امن الجميع، وهي متداخلة  ومنفصلة في الوقت نفسه. وتتقاطع في بعض مفاصلها، ولكن حلولها متباينة. الجميع يعيش القلق، وليس هناك من يستفيد من الوضع بشكل كامل، فالمستفيد من جهة خاسر من جهة اخرى، والبريء من الفرقاء مذنب ايضا. دهاليز السياسة هنا تتقاطع وتتفارق، ومجملها ساهم عبر العقود في اضفاء سمة التوتر على منطقة هي الاهم بالنسبة للعالم الصناعي. وما الاستفزازات الامريكية لايران الا مصداق آخر لمصاديق التوتر. اما دخول بريطانيا على الخط فهو محاولة اخرى للهروب الى الامام بدلا من السعي للتهدئة والابتعاد عن كل ما يؤدي للاحتكاك والتوتر. ويمكن عرض صعدان التوتر الثلاثة في ما يلي:

اولا: ثمة خلافات حادة بين المواطنين في اغلب البلدان وحكوماتها. تختلف حدة التوتر من بلد لآخر، ولكن لا يكاد بلد يخلو منه. البلدان اللذان يظهر التوتر جليا هما البحرين والسعودية. كلا البلدين يعاني من اشكاليات العلاقة بين المواطنين والحكم، وكلاهما يعاني من قمع واضطهاد منقطعي النظير. فالقتل السياسي لا يفارق هذين البلدين، وكذلك السجن الجماعي والتعذيب والقتل، وانتهاك حقوق الانسان بدون حدود. كلا البلدين يعانيان من تغول الحكم وشراسته في التعاطي مع مواطنيه الذين يطالبون بنصيبهم من الكعكة السياسية والاقتصادية. والفيصل هنا محصور بالعنف السلطوي الذي لا يبقي ولا يذر. الحاكمون تضيق صدورهم بمطالب الشعب، فلا مكان لحرية التعبير او التجمع او التعبير عن الرأي او الانتماء. السعودية تمارس الطائفية على اشدها، والانفتاح السياسي لا مجال له لان البيت السعودي استحوذ على كل مفاصل السلطة وفرض على المواطنين نظاما يقترب من العبودية. والثروة النفطية الهائلة لا تجد طريقها للتوزيع العادل بل تكدس بأيدي الامراء والتنمفذين. السيف هنا له موقع متقدم جدا، فهو قادر على فصل رأس الانسان عن جسده في حال الاختلاف. اما البحرين فهي الاخرى تمارس اضطهادا طائفيا غير مسبوق، وتعيش اوضاعا هي الاقرب للنظام العنصري الذي يتم فيه التمييز بين المواطنين على اساس المذهب والتوجه السياسي. فالسكان الاصليون الذين يشكلون الاغلبية مهمشون ومبعدون عن السلطة تماما، ويعاملون باضطهاد ليس له نظير، ويتعرضون لابشع اشكال العنصرية والطائفية والتمييز. والقمع السياسي لا مثيل له في المنطقة، وما اكثر الذين قضوا تحت التعذيب او سحبت جنسياتهم او ابعدوا عن البلاد. هذه هي البحرين التي يتمتع حكامها بدعم غير محدود من التحالف الانجلو – امريكي وينعمون بعطاءات  السعودية والامارات. تفيد المؤشرات ان اوضاع هذين البلدين لن تستقر في المستقبل المنظور لان المسافة بين الطرفين تزداد اتساعا. فلا مجال للتفاؤل المفرط، وان كان الامل في الله كبيرا.

ثانيا: علاقات حكومات الدول الخليجية في ما بينها اصبحت مصدر قلق كبير لانها اضعفت شعور المواطنين بالامن وافقدتهم الامل بمنظومة خليجية متماسكة. هذه الخلافات تعمقت في السنوات الاخيرة بسبب ما لدى بعضها من اطماع توسعية ورغبة في الهيمنة السياسية. فالسعودية لا تستطيع التعامل مع بقية حكومات الخليج على اسس من الاحترام والشعور بالتساوي والاحترام المتبادل، بل تهدف لاستعباد الآخرين واجبارهم على الاتباع الاعمى والانقياد للقيادة السعودية في السراء والضراء. السعودية شعرت بالغضب الشديد عندما رفضت دول مثل عمان والكويت وقطر المشاركة في العدوان على اليمن، او قطع العلاقات مع ايران. وبدلا من ان تكون قوة جامعة للآخرين  اصبحت سببا لتفرقهم واختلافتهم. والامارات لديها اطماع توسعية بلا حدود. وييدفعها عداؤها للاسلاميين والحركات الاسلامية لتبني سياسات تستهدفهم بدون رحمة. هذا ما فعلته في البحرين عندما انضمت الى الاجتياح السعودي في منتصف مارس 2011، وهذا ما فعلته في مصر عندما دفعت السيسي لضرب جماعة الاخوان المسلمين بدون رحمة. وهو ما فعلته ايضا في اليمن حيث تحالفت مع السعودية وشاركت في العدوان ثم تفتحت شهيتها على احتلال اراضي الغير والسيطرة على عدد من الجزر والموانيء اليمنية بعناوين وذرائع شتى. يحدث هذا في اوضاع اصبح مجلس التعاون الخليجي فيه يعاني من تصدعات داخلية غير مسبوقة، حتى اصبح مهددا بالزوال. فالسعودية اسست تحالفا آخر لدول الثورة المضادة التي تستهدف مشاريع التغيير وتسعى لضرب النشطاء في العالم العربي، بالاضافة لسعيها المتواصل لضرب وحدة العرب والمسلمين وترويج المذهبية والطائفية. ان الصراعات البينية داخل دول مجلس التعاون الخليجي اصبحت حائلا دون تحقق وحدة خليجية حقيقية، واستبدلت بتصدعات وصراعات ليس لها نهاية. وليس مستبعادا حدوث انقلابات عسكريةعلى المؤسسات الحاكمة في بعض بلدان الخليج.

ثالثا: ان علاقات المنطقة بالغرب هي الاخرى تعاني من تصدع في الوقت الحاضر، برغم ما يبدو من وئام، وبرغم موافقة دول مجلس التعاون على ان تكون بقرة حلوبا للغرب خصوصا الولايات المتحدة الامريكية. انها ليست علاقات قائمة على المساواة والندية بل تحولت الى علاقة السيد مع العبد، وبذلك فقدت الدول الخليجية قرارها وشخصيتها، وتحولت الى وكيل للتحالف الانجلو – امريكي. فطاغبة البحرين أمر بتمويل بناء القاعدة البحرية البريطانية على نفقة الخزينة العامة، وأمرت الدول الاخرى بتمويل تحديث القواعد العسكرية الامريكية ومنها قاعدة “العديد” في قطر التي رصد لها قرابة ثمانية مليارات. هذذ العلاقات لم تعد تصب في مصلحة الشعوب الخليجية بل اصبحت مصدرا لدعم الانظمة والتصدي لمعارضيها. انه تحالف غير مقدس بين قوى يفترض ان تكون ديمقراطية تروج لها بحماس، وقوى التغيير داخل المنطقة التي تهدف لتحقيق هذا التغيير. ان انعدام الحماس الغربي للمشروع الديمقراطي في الخليج يكشف حالة النفاق التي تميز العالم السياسي المعاصر، وتكشف التباين بين الاعلام والحقيقة. فبريطانيا التي تسوق نفسها بانها “أعرق الديمقراطيات” في العالم، هي نفسها التي تدعم الحكم الخليفي بكل ما يحتاجه وتخوض معاركه الامنية والسياسية. بينما يفترض ان تكون بريطانيا حريصة على اقامة ديمقراطية فاعلة في البحرين خصوصا بعد ان اتضح ان العصابة التي تحكمها فشلت في تطوير ادائها السياسي وأصرت على القمع والاستبداد. وفي هذا الشهر سيستحضر الشعب البحراني الذكرى الثامنة والاربعين للانسحاب البريطاني من البحرن (ومن بقية اقطار الخليج ايضا)، باساليبهم التي دأبوا عليها. هذا الشعب يعتبر الرابع عشر من اغسطس عيدا وطنيا لانه اليوم الذي اكملت فيه بريطانيا انسحابها من ذلك البلد، بينما لا يعترف الخليفيون بذلك، ويصرون على ان يكون العيد الوطني هو اليوم الذي نصب فيه والد الحاكم الحالي نفسه حاكما في العام 1961. وهناك  ضغوط على بريطانيا لاعادة تصحيح بوصلة علاقاتها بالمنطقة، خصوصا بعد صعود بوريس جونسون الى رئاسة الوزراء وانتهاء عهد تيريزا ماي بالفشل. فهل تستطيع بريطانيا اعادة النظر في سياستها تجاه البحرين؟ هل ستتوقف عن توفير الدعم الذي يمنع سقوط العصابة الخليفية من الحكم؟ هل ستراجع بريطانيا نفسها بعد نصف قرن تقريبا من الانسحاب الاول؟ هذه تساؤلات تضغط على لندن، بالاضافة للضغوط الاخرى لاتي تطالبها بالانسحاب من العدوان السعودي على ذلك البلد الآمن.

هذه القضايا مجتمعة تشكل هواجس للنشطاء ورواد التغيير، سواء الذين يرزحون وراء القضبان ام في المنافي ام الذين يعلمون بصمت داخل هذه البلدان. فليس من المعقول استمرار اوضاع دول مجلس التعاون الخليجي على ما هي عليه من تصدعات على الصعدان الثلاثة المذكورة. فهذا لا يمكن ان يكرس امن المنطقة واستقرارها، كما لا يمكن ان يكون بديلا عن التحول الديمقراطي المنشود. والامل ان يؤدي التغيير الاخير في الحكومة البريطانية الى اعادة النظر في الاستراتيجية السياسية البريطانية في الشرق الاوسط خصوصا منطقة الخليج. مطلوب اعادة الانتشار بدوافع انسانية واهداف نبيلة وغايات تحظى بتوافقات واسعة. وما لم يحدث ذلك فلن يكون بوريس المصلح الذي تنتظره بريطانيا التي تتجاذب سفيتها الرياح في غيا القائد الحكيم.

اللهم ارحم شهداءنا الابرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفك قيد اسرانا، يا رب العالمين

حركة احرار البحرين الاسلامية

26 يوليو 2019

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق