بيانات

الصمود والصبر والنصر، من وحي شهر الصوم

تقبل الله صومكم وصلاتكم ودعاءكم وصمودكم وإباءكم

من بين منافع الصوم في شهر رمضان المبارك ادراك المؤمن، إن تعمق الايمان في قلبه، ان التقوى هي الغاية  الاولى من الصوم كما تقول الآية الكريمة: “يا ايها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم، لعلكم تتقون” وان لها معاني ومدولولات عديدة. ومن معاني التقوى خشية الله وحده وعدم الالتفات الى من سواه. وهذا يمثل ذروة الحرية لانه يمنع المؤمن من الاستعباد لغير الله سبحانه وتعالى. وهذا ما تتضمنه الآية الكريمة: فمن يكفر بالطاغوت ويمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى. هذا الاستمساك يعني النجاة الكاملة والبعد عن الهلاك. ويعني الكفر بالطاغوت تجاهله وعدم الانصياع لاوامر من يضع نفسه في موضع الربوبية. ماذا يعني ذلك؟ الصوم لا يحقق هدفه وغايته الا عندما يشعر المؤمن الصائم انه تحرر من عبودية غير الله سبحانه. فهل هناك حرية اكبر من ذلك؟ انها الحرية المطلقة من كل الرغبات الدنيوية كذلك. فبالصوم تصبح نفس الانسان تحت سيطرته، فاذا اشتهت الاكل منعها منه، وحين تشعر بالعطش لا يسمح لها بشرب الماء، وعندما تسول له الحديث السلبي عن الآخرين او الاستماع لقول لا يرضي الله يحول بينها وبين ذلك. عندها يصبح الانسان انسانا يقترب من التكامل فهو ملاك عقله وليس شهوته، وهو قادر على استخدام ذلك العقل، فيتميز بذلك عن الحيوان. انها الانسانية المؤمنة في اروع اشكالها، والحرية التي لا نظير لها، وهزيمة الشيطان المنكرة التي يحققها له الصوم بارادته. تلك الارادة انما تعمقت عندما قرر ان يطيع الله فيصوم امتثالا لامره، ويصلي رغبة في التقرب منه ومناجاته. وعندما يدعو ربه في عتمة الليل فانه يوثق اتصاله بخالق السماوات والارضين، ويمد حبله الى مصدر القوة والعظمة. فهل هناك من مشروع تربوي على الحرية اكثر اثرا من ذلك؟

صمود شعبنا العظيم خلال السنوات الماضية تأكيد لايمانه الذي غرفه من معين ارض اوال الطاهرة التي يريد الطغاة تدنيسها. وترفض دماء الشهداء ذلك وتحول دونه. الشهداء هم الذين حموا هذه الارض وصانوا ترابها من الضياع والتلوث. اولئك هم القديسون الحقيقيون الذين آمنوا بربهم فزادهم هدى وآتاهم تقواهم، ثم اصطفاهم الى جواره، فطوبى لهم في الخالدين. هذا الصمود الاسطوري هو الذي حطم احلام المحتلين والطامعين والغزاة ماضيا وحاضرا، وهو الذي كسر انصال الديكتاتور واصب سيوفهم بالكلل واصاب كبرياءهم في مقتل. فها هي العصابة التي تآمرت عليه تجر اذيال الهزيمة ممزقة مهينة ذليلة. بالامس سعى طاغيتهم لتسجيل موقف امام داعميه بقراره اعادة الهوية لـ 551 بحرانيا اصليا، معتقدا ان ذلك سيخفف عنه غضب الاحرار، او انه سيدفع المواطنين لتقديم الشكر والامتنان له، ولكن خاب ظنه عندما استسخفوا تلك الخطوة واعتبروها حقا مسلوبا وطالبوا بمحاكمة من قرر في الاساس سحب جنسية البحرانيين الاصليين ظلما وتعنتا وصلفا. اعتقد الطاغية ان رجال البحرين سيتوجهون الى قصره لاستعطافه، متجاهلا هتافات الشعب على مدى السنوات الثماني الاخيرة: الشعب يريد اسقاط النظام. وظن ان الثوار الذين لا يبارحون الميادين سيتخلون عن الشعار الذين يرددونه يوميا: يسقط حمد. هيهات، فقد سبق السيف العذل، واصبح على الطاغية وعصابته جر اذيال الهزيمة بدلا من الخيلاء والاستعلاء.

ثم جاءت خطوة اخرى استدرج سماحة السيد عبد الله الغريفي لها، بالمطالبة باطلاق بعض السجناء السياسيين، وسرعان ما اوضح سماحة الشيخ عيسى احمد قاسم الموقف مؤكدا ان قضية الشعب لا يمكن ان تهمش بمبادرات صغيرة هنا او هناك، بل ان الحرية والديمقراطية هما خيار الوطن والشعب وان الامور لن تهدأ ما دام الاستبداد حاكما. واتضح الآن ان استدراج سماحة السيد عبد الله انما حدث ضمن الصراع المحتدم بين الطاغية المتربع على كرسي الحكم وعمه الذي قضى في رئاسة الوزراء قرابة نصف القرن. فلو كان هناك رغبة في اطلاق اي من السجناء لتصدرها الطاغية نفسه، الذي اعتاد ان يترك الممارسات القبيحة لعبيده (سجن المواطنين وتعذيبهم وشتمهم واصدار الاحكام القضائية عليهم) بينما يحتكر اي مبادرة فيها شيء من الايجاب لنفسه. خليفة بن سلمان يعتقد انه هو الذي بنى الكيان السياسي بعد الانسحاب البريطاني و “حمى” الكيان الخليفي من السقوط باجراءاته القمعية الرهيبة بمساعدة ايان هندرسون وعادل فليفل، بينما استلم الطاغية الحكم جاهزا بدون ان يبذل جهدا يذكر, فكيف يسمح لان اخيه ان يقوم بتهميشه ويحصر الحكم جملة وتفصيلا في شخصه وابنائه؟ وثمة مؤشرات لوجود بعض الضغوط على الديكتاتور لحلحلة الامور خصوصا التعاطي مع ملف السجناء والغاء الجنسيات وان يطرح وجوها “جديدة” لتسويق “مشروع اصلاحي” آخر. ووجود خليفة بن سلمان يلغي فكرة “التجديد” ولا يسمح بتسويق اي مشروع سياسي “جديد”. ثم جاءت خطوة خليفة بن سلمان بالاتصال بامير قطر لتكشف عمق التنافس بين الطاغية وعمه، اذ سرعان ما شن التحالف السعودي – الاماراتي – الخليفي هجوما عليها مؤكدا استمرار حربه السياسية ضد قطر.

ان داعمي الخليفيين  يعلمون ان شعب البحرين لن يقبل بالفتات او اية اصلاحات شكلية، بل يطالبون بتغيير جذري في النظام السياسي يلغي الهيمنة الخليفية على الوطن والشعب. وليس مستبعدا ان يضغطوا على الطاغية للاطاحة بعمه وتعيين شخصية “شيعية” لرئاسة الوزراء لشق صف المعارضة. هذه الخطوة، برغم عدم جدواها في ظل الهيمنة الخليفية على البلاد والعباد، الا انها قد تؤثر على بعض ضعاف النفوس المستعدين للقبول بالفتات، وتساهم في اضعاف الموقف الوطني الذي يصر على انهاء الحقبة الخليفية الى الابد بعد ان دمرت البحرين وأذلتها بالتسول والاستجداء من السعودية والامارات في مقابل تسليمهما السيادة عليها. ويعتقد داعمو العصابة الخليفية ان بامكانهم تجاوز المطالب الشعبية الحقيقية بالتشويش والتضليل واغراء البعض بالمناصب والاموال، وشراء مواقف البعض ببعض الافراجات والتظاهر بانفراج الوضع. هذه احلام وردية تمر بخواطر القوى الخارجية التي تسعى للاستمرار بتركيع الشعوب بفرض عملائها عليهم والهائهم بتغييرات شكلية لا تحل ازمات الوطن والشعب. هذه القوى تظن ان بامكانها تخدير شعوبنا بالحقن المسكنة للآلام مع بقاء السرطان المستشري في جسدها السياسي بدون اقتلاع. وكما اظهرت ثورات الربيع العربي، وكذلك حراكات الشعبين السوداني والجزائري، فان “الشعوب قد تهزم ولكنها لا تستسلم” كما قال الشهيد محمد باقر الصدر. شعبنا البحراني قدم تضحيات جمة خلال العقود الاخيرة خصوصا في السنوات العشر الماضية، وقرر هذه المرة انه لن يخدع مرة اخرى، ولن يسمح بتمرير اي مشروع سياسي يبقي السرطان الخليفي ساريا في جسده، ولن يقبل بمسكنات الالم واساليب التخدير باضعاف ارادته في تحرير البلاد من الاحتلال الاجنبي وهيمنة النظام التوارثي الاستبدادي الذي يمثله الخليفيون. شعبنا يسعى لتحرير نفسه من كل ذلك، فهو مرتهن وسجين ومعتقل واسير لدى عصابة لا ترعوي عن ارتكاب الموبقات، وفي مقدمتها القضاء على شعب البحرين. هذا هو جوهر مشروع الطاغية الحالي الذي عمد منذ توليه الحكم قبل عشرين عاما لاستبدال السكان الاصليين (شيعة وسنة) بمرتزقة اجانب جاء بهم من اصقاع الارض ومنحهم الجنسية البحرانية، في الوقت الذي ينكل بالبحرانيين الاصليين ايما تنكيل. لقد انتهت تلك العبة واصبح الشعب واعيا لما يحاك ضده، ومصصما على التحرر الكامل من ذلك كله، معتمدا على تضحياته وجهوده الذاتية ومتوكلا على الله لتحقيق النصر والغلبة والفتح والنصر “انهم لهم المنصورون، وان جندنا لهم الغالبون”.

اللهم ارحم شهداءنا الابرار واجعل لهم قدم صدق عندك، وفك قيد اسرانا يا رب العالمين

حركة احرار البحرين الاسلامية

10 مايو 2019

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق