بيانات

جريمة قتل خاشقجي تفتح الباب لسقوط آلسعوديين والخليفيين

الطغاة يهدمون بيوتهم بايديهم،  بتصرفاتهم التي تنطلق من الغرور والاستعلاء والاستكبار. وقد تكون بعض قراراتهم صائبة، وقد يكون بعضها من النوع الذي لا تترتب عليه آثار كبيرة لو كانت خاطئة، ولكن بعضها يقصم الظهر. هذا ما فعله صدام حسين بعد توقف حربه مع ايران في 1988 التي استمرت ثمانية اعوام، خرج منها محتفظا بقوته العسكرية والسياسية. ولكن غروره قاده لاجتياح الكويت معتقدا ان ما توفر لديه من قوة سيكون رادعا لمن يعترض على ذلك. ولكن حساباته كانت  خاطئة لان الكويت لها حساب آخر ولا يمكن للغرب ان يتغاضى عن ذلك. فانتهى عهد السياسي بتلك المغامرة، وبقي حاكما ولكن بلا سيادة او حرية مطلقة في التصرف كما كان لديه سابقا. وتمت  هندسة ظروف لشن حرب اخرى اسقطت نظامه في العام 2003. وما فعله طغاة آل سعود في الثاني من اكتوبر الماضي تعبير عن الطغيان والاستكبار والغرور. وهكذا املى الله لهم، اي وفر لهم فرصة للامتحان، فسقطوا  الى اسفل سافلين. فما ارتكبوه في ذلك اليوم يفوق التصور البشري، ويوقف العقل عن التفكير، ويؤدي الى فقدان الثقة بمعاني الانسانية والرأفة والرحمة. هذه المرة كان الضحية شخص سايرهم طوال عمره، فعمل بمؤسساتهم الاعلامية ومستشارا لاحد سفرائهم، ومتحدثا لوسائل الاعلام الخارجية عن سياساتهم داعما ومدافعا. وقف معهم عندما اعدموا الشهيد نمر النمر، وحين اجتاحوا البحرين والمنطقة الشرقية، ولم يخرج عن الحدود التي رسموها لها يوما. ولم يخرج عن ارادتهم الا بعد ان شعر بانه سيكون مستهدفا كما استهدف آخرون من القريبين لمنحاه الفكري. فكان اعتقال العلماء المحسوبين على خط الاخوان المسلمين العام الماضي نقطة المفاصلة التي دفعت الاعلامي جمال خاشقجي لمغادة الجزيرة العربية فارا بجلده. وفي امريكا توفرت له فرصة كتابة عمود بصحيفة “واشنطن بوست” واقام علاقات مع شخصيات ذات نفوذ سياسي واعلامي. وربما  طمأنه ذلك للاعتقاد بانه في مأمن من الفتك على ايدي حكام السعودية الجدد. فاستدرج الى تركيا للزواج من احدى نسائها. وما ان ذهب لقنصلية بلاده لكي يحصل على اوراق الطلاق من زواجه الاول حتى كان القدر بانتظاره.

في الثاني من اكتوبر كان خاشقجي على موعد مع الموت، ليس بايدي الدول او الجهات التي وقف مع الحكومة السعودية ضدهم، بل بايدي فريق من القتلة والجلادين استقدموا من السعودية لينفذوا واحدة من ابشع اشكال القتل. وتؤكد المعلومات المتوفرة ان هذا الفريق الذي استقدم على متن ثلاث طائرات خاصة وصلت مطار اسطنبول خلال الاربع والعشرين ساعة التي سبقت قتله. فما ان ذهب الى القنصلية حتى فاجأه افراد الفريق الذي يدار من قبل مقربين من محمد بن سلمان، واستجوبوه قليلا ثم مزقوا جسده بوحشية وسادية غير مسبوقتين. اعتقد القتلة ان حصانتهم الدبلوماسية ستوفر لهم حماية كافية عندما تكتشف الجريمة. ولكن ما ان انتشر خبر اختطافه وتعذيبه وقتله وتقطيع جثته حتى تحرك الضمير العالمي على غير المعتاد، فصدرت الاحتجاجات من كل جانب. ولا شك ان لصحيفة “واشنطن بوست” التي كان يكتب دورا كبيرا في تاجيج الراي العام وتحريك الساسة الامريكيين بمن فيهم الرئيس ترامب لاتخاذ مواقف غيرمسبوقة وغير متوقعة. وهكذا تدحرجت كرة الثلج حتى خرجت عن السيطرة. لقد كانت جريمة ارتكبها طغاة أل سعود مع سبق الاصرار والترصد. كما كان لخطيبته، خديجة جنكيز التي كانت بصحبته قبل دخوله القنصلية دور مهم في توثيق القضية وتحريك بعض المسؤولين الاتراك للاهتمام بمصيره خلال ساعات من دخوله المبنى.

شهر كامل مر على خطف خاشقجي وقتله وتقطيع جثته، وما تزال القضية غضة ساخنة بعد ان تحولت من قضية شخص الى عنوان لتوحش نظام رجعي متخلف يحكمه شاب مغرور فرض نفسه على بالقوة. والواضح ان هناك رغبة لدى داعمي الحكم الخليفي خصوصا في واشنطن لتعميق ازمة النظام ليمكن استنزاف ما بقي لديه من اموال نفطية. وكما تأرجحت الروايات الرسمية السعودية خلال هذه الفترة من انكار علمها بما حدث لخاشقجي ثم ادعاء خروجه من الباب الخليفي حتى اعترافها بقتله داخل مبنى القنصلية نتيجة “شجار” مع بعض افراد طاقم التصفية  الذي استقدم من الرياض. وقد استطاع الاتراك جر السعوديين للتخبط وتغيير الرواية بدلا من ان يطرحوا ما لديهم من معلومات “بالصوت والصورة” حسب ما يدعون. والواضح ان هناك رغبة في كسر كبرياء آل سعود الذين استكبروا في الارض وعلوا علوا كبيرا. لقد استخفوا بارواح البشر وروجوا الارهاب والطائفية ومزقوا امة المسلمين، وساهموا في قمع شعب البحرين بعد اجتياحهم العسكري في منتصف مارس 2011 ودعموا الخليفيين بالمال والسلاح، ودعموا القتلة في العراق وسوريا، وشنوا اقذر حرب في الزمن الحاضر على الشعب اليمني ودمروا بلاده وقتلوا اطفاله ونساءه. محمد بن سلمان شر مطلق اعتقد انه سيطر على العالم وان الدنيا دانت له واسلمت قيادها اليه. فاستدعى رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، واعتقله واجبره على تقديم الاستقالة وهو رهن الاعتقال. ثم وجه جهوده لاستهداف دولة قطر بهدف تركيعها الكامل لارادته، وطلب من بعض الحكومات مسايرته بقطع العلاقات مع الدوحة. والواضح ان ايا من هذه السياسات لم ينجح في تحقيق هدفه، فشعب البحرين مستمر في ثورته ويصر على احداث تغيير جذري في نظامه السياسي، والحريري بصدد تشكيل حكومة مع الاطراف التي كان السعوديون يستهدفونها وفي طليعتها حزب الله. والشعب اليمني صامد على ارضه برغم تصاعد ضحاياه وتراكم خسائره ودمار حضارته. بينما اصبح محمد بن سلمان محاصرا بالخسائر السياسية الفاضحة، خصوصا في ازمته مع قطر. وكان قد هدد بنقل حربه الى ايران، وبدأ بتنفيذها وذلك بدعم مجموعات انفصالية في بعض الاقاليم، ولكن الايرانيين افشلوا ذلك المخطط.

ان من الضرورة بمكان النظر الى جريمة قتل جمال خاشقجي من منظور آخر يرتبط بمشروع قوى الثورة المضادة في المنطقة. ولان الله رؤوف رحيم فقد افشل هذه الخطوة التي  كانت تهدف لبث الرعب في نفوس معارضي انظمة الاستبداد في المنطقة وعلى ارسها الحكم السعودي. ففي السنوات السبع الاخيرة اطلت السعودية برأسها، ليس كدولة محورية في المنطقة فحسب بل كقائدة لقوى الثورة المضادة ولتمارس “سياسة المنشار” لقطع رؤوس كل معارض عربي. بدأت بتنفيذ ذلك المشروع في البحرين عندما اجتاحت قواتها مدعوة بالقوات الاماراتية اراضي ذلك البلد وساهمت في قتل عناصر الثورة، مبتدئة بالشهيد أحمد فرحان من منطقة سترة. ومنذ ذلك اليوم الاسود تواصلت سياسة المنشار من قبل العصابة الخليفية بزعامة ديكتاتورها السفاح. فلم تشهد البحرين حقبة كالحة اكثر سوادا من فترة ما بعد الاجتياح السعودي – الاماراتي القذر. فتواصلت جرائم قتل المعارضيين تارة بالرصاص الحي الذي اطلقت القوات المرتزقة على المتظاهرين، واخرى بالتعذيب في طوامير التحقيق|، وثالثة بالاعدام ورابعة بالاغتيال وسط البحر. سياسة المنشار السعودية – الخليفية استهدفت شعبنا  البحراني بوحشية ولكنها فشلت في كسر شوكة الثورة والثوار. وعمدت قوى الثورة المضادة لتصعيد العدوان على الشعوب العربية الاخرى، فتدخلت بشكل مباشر او غير مباشر في مصر وتونس والعراق. وافقدت شعوب تلك البلدان فرحتها بالتغيير وان كان محدودا. وقد طال ذلك المنشار رقاب الآلاف في مصر واستهدف الاخوان المسلمون بوحشية في البلدان الاخرى خصوصا السعودية والامارات. وهناك العشرات من النشطاء والعلماء ينتظرون الذبح في الجزيرة العربية. وكان قتل الشهيد الشيخ نمر النمر اعلانا صارخا بان قوى الثورة المضادة جادة في استهداف كل من يدعو للتغيير في المنطقة. ومن بين العلماء المهددين بالاعدام الشيخ سلمان العودة والشيخ حسن المالكي المعتقلين بسجن الرياض.

الى اين تسير المنطقة اذن؟ شاء الله ان يفضح الجريمة السعودية باغتيال جمال خاشقجي، وبدأت السنة الالهية تفعل فعلها في انظمة الشر خصوصا في الجزيرة العربية والبحرين. ومن المؤكد ان ثبات الشعوب حاسم لاكتمال مشروع التغيير الهادف لاسقاط انظمة الاستبداد والشر والعمالة والاحتلال، واستبدالها بانظمة تختارها الشعوب بارادتها الحرة. وبعد سنوات من الصمود والثبات والصلاة والدعاء فقد اصبح التغيير في البحرين ليس محتملا فحسب، بل محتوما لان طغاة ذلك  البلد سايروا السياسات السعودية حذو القدة بالقدة، ولم يكتفوا باستهداف العلماء والنشطاء والمساجد بل مدوا ايديهم الى دين الله فبدأوا في الشهرين الاخيرين باضطهاد العلماء وخطباء المنبر الحسيني الذين تعرضوا ليزيد بن معاوية الذي قتل آل بيت رسول الله، واعتبروا ذلك التعرض من الممنوعات التي تضاف الى قائمة طويلة من المحرمات الخليفية. التغيير آت بعون الله بعد ان فشل الطغاة في الاتعاض بسنن من قبلهم، واصروا على الغي والظلم والاستبداد، فحق عليهم العذاب: انا من المجرمين منتقمون.

اللهم ارحم شهداءنا الابرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفك قيد أسرانا يا رب العالمين

حركة احرار البحرين الاسلامية

26 اكتوبر 2018

 

Virus-free. www.avg.com
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق