بيانات

التطبيع مع الاحتلال الاسرائيلي شجعه على العدوان والقتل

حين تحدث المنكرات فلا يتحرك أحد لردها، فان  ذلك يؤكد موت الضمير وتلاشي القيم وانعدام الاخلاق. عندما يستشهد اكثر من خمسين فلسطينيا بدم بارد على ايدي قوات الاحتلال الصهيونية فلا تقام لهم مجالس العزاء او تخرج مسيرات احتجاجية في العواصم العربية الكبرى، وعندما تستخدم احدث الطائرات الحربية لالقاء الحمم على رؤوس اطفال اليمن، فلا تصدر نداءات استنكار او تتحرك مشاعر علماء الجزيرة العربية او مثقفيها، وحين يتجرأ رئيس امريكا فيلغي اتفاقا وقعته الدول الكبرى بما فيها بلاده، بدون ان يكون هناك استنكار حقيقي ويضع العالم على كف عفريت بانتظار المزيد من المآسي، فان سؤالا يتبادر الى الذهن: ما هو العالم الذي نعيش فيه؟ وما هي الحضارة التي تسوده، ما سماتها وملامحها وقيمها؟ ماذا بقي للدين من معنى؟ وما الذي يجمع هذا الشتات من البشر الذين اصبح بعضهم يقتل بعضا، ويتأمر بعضهم مع اعداء الامة للنيل من الآخر؟ ما هذا الصمت القاتل الذي يخيم بكلكله على كافة اقطار امة العرب والمسلمين وهذه المآسي جميعا تحدث بدون توقف امام المرآى والمسمع؟ هذه الشعوب التي خرجت قبل سبعة اعوام وقد وضع شبابها ارواحهم على اكفهم فداء للحرية والوطن، ماذا ألم بها؟ ألم تتحرك يومها لتسقط انظمة الاستبداد والظلم ومن بينها حكام الجزيرة العربية؟ كيف تسمح هذه الشعوب اليوم لهذه الانظمة باستجماع قواها والانقضاض عليها بدون رحمة او رأفة؟ كيف تحول طلاب الحرية الى مواطنين مغلوبين على امرهم لا يحركون ساكنا امام الجرائم التي ترتكب يوميا باسمهم وتحدص ارواح الابرياء من بني جلدتهم؟

ما كان الرئيس الامريكي ليقدم على قراره الغاء الاتفاق النووي الذي وقعته قبل ثلاثة اعوام ست دول كبرى مع الجمهورية الاسلامية الايرانية بعد اكثر من عشرة اعوام من المفاوضات الشاقة لو لم يلغ الشعوب العربية والاسلامية من حسابه. فقد سلبت ارادة هذه الشعوب بالظلم والقمع والاستضعاف حتى اصبحت الآية الكريمة تصف حالهم بوضوح: فأستخف قومه فأطاعوه. اشباه الرجال الذين انقضوا على الحكم في بلداننا تفرعنوا واستضعفوا مواطنيهم تارة بالعنف المفرط واخرى بالمال والجاه، وثالثة بالتضليل والتجهيل، ورابعة بالوعد والوعيد، فما عاد لها من حياة او ارادة. لقد صمتت هذه الشعوب وهي ترى طغاتها يتجاهلون استغاثات الشعب الفلسطيني المظلوم ويطبعون العلاقات مع قوات الاحتلال، وكأن الامر لا يعنيها. تحرك حكام الجزيرة العربية بعد الاستخفاف بالشعوب، وتظاهروا بالقوة المصطنعة المستمدة من دعم الاسياد الغربيين، فارعبوا الشعوب، وانقضوا بدعم قوى الاحتلال والهيمنة، على شعب اليمن مستخدمين احدث وسائل الموت بحضور مراقبين غربيين يوجهونهم لالحاق ابشع الاذى باهل اليمن. صمت العلماء والفقهاء والمفكرون والكتاب، حتى لكأن على رؤوسهم الطير، وتركوا الشعب اليمني لشأنه، يدفن قتلاه كل يوم ويرعى جرحاه ويندب حظه. الحزب الفرعوني الذي يزيده صمت الجماهير تفرعنا، كان يدرك انه لن يصمد امام انتفاضة الشعوب، ولو دعمه العالم كله، فتحرك بسرعة لادخال الاحباط الى نفوسها، فاستكانت لارادته فاصبحت مصداقا للآية الكريمة الآنفة: فاستخف قومه فأطاعوه. هذا الاستخفاف حرب نفسية فاعلة خصوصا مع وجود ادوات التخدير الديني والثقافي، ومع تعمق المشاعر الجاهلية التي تلغي قيمة الدين ودوره في توعية الشعوب ووحدتها.

بالمال السعودي والضغط الاسرائيلي المتواصل ودعم المجموعات الصهيونية تم احتواء ارادة الرئيس الامريكي والتحكم في قراره، فاعلن موقفه قبل ان ينتخب بانه سيلغي الاتفاق النووي اذا ما اصبح رئيسا لامريكا. شعر حكام العالم بخطر هذا التوجه على العمل الدولي المشترك وعلى الامن والسلم الدوليين، فسعوا في الايام السابقة للضغط على ترامب لتغيير موقفه وعدم الغاء الاتفاق النووي. وبرغم الزيارات التي قام بها زعماء ألمانيا وفرنسا وبريطانيا لواشنطن في الايام الاخيرة التي سبقت قرار الغاء الاتفاق، الا ان المال السعودي كان قد تمكن من شراء ضمائر كبار موظفي البيت الابيض، فالتزموا موقف رئيسهم ودافعوا عن قرار الغاء الاتفاق النووي، بدعوى انه صفقة خاسرة وقرار خاطيء. هنا يتضح الدور السعودي الذي خان الله ورسوله وامة محمد بن عبد الله والانسانية، واستغل حاجة بعض الانظمة وسحبها الى مشروعه. وادى التحاف الوهابي الصهيوني الى تبلور قوة سياسية استطاعت الوصول الى الرئيس الامريكي واقناعه بالتصدي للقرار النووي بالتفتيت والافشال. يعتقد هؤلاء ان الجمهورية الاسلامية هي الكاسب الاكبر من ذلك الاتفاق، والاقدر على التناغم مع الجماهير العربية والاسلامية، وبالتالي فمن غير المطلوب منحها فرصة الارتخاء والعمل الهاديء لتحقيق المشروع الاسلامي في مجال الحكم والسياسة. ولذلك تآمر الثلاثي المقيت ترامب وآل سعود والصهاينة للانقلاب الذي رفضته كافة الدول الغربية ورأت فيه تهميشا حقيقيا لاوروبا واستخفافا بالموقف الدولي خصوصا الامم المتحدة. لقد كان انقلابا مكشوفا مضرا بالامن والسلم الدوليين، وان كان الرئيس الامريكي يظن انه قد حقق مكسبا كبيرا. وليس مستبعدا ان تنقلب الامور على الرئيس وتنشطر جبته الداخلية الهشة ليواجه شعوب الدنيا التي هتفت ضده منذ صعوده كرسي الحكم الامريكي. هذا الرئيس لا يدعمه سوى ولي العهد السعودي ورئيس الوزراء الصهيوني لان اجندته تضمن دعمهما.

العالم دخل مرحلة المجهول منذ صعود ترامب للرئاسة الامريكية، ليس منطقة الشرق الاوسط فحسب، بل حتى اوروبا. فقراره الانسحاب من الاتفاق النووي خلق فجوة كبيرة بين ضفتي الاطلسي. الاوروبيون يؤكدون التزامهم بالاتفاق، خصوصا بعد رأوا في هذا الشخص صخرة صماء بدون عقل او منطق او انسانية، فلم يستمع لنصيحة اي منهم بالبقاء ضمن الاتفاق. وقد شجع هذا الانسحاب الكيان الاسرائيلي لتوسيع دائرة عدوانها فاستهدفت سوريا مرارا في الايام الاخيرة بوحشية في ظل صمت دولي ودعم اقليمي خصوصا من السعودية والامارات والعصابة الخليفية في البحرين. ويمكن القول ان الوضع العربي لم يبلغ مرحلة من الاستكانة كما هو عليها الآن. فتطبيع الانظمة الاستبدادية الثلاثة متواصل بدون خجل، فيما يتواصل قتل الفلسطينيين المشاركين في مسيرات العودة  بدون توقف. وما يبعث على الغضب هذا الصمت القاتل من قبل الشعوب العربية ازاء هذه القضية التي يفترض ان تحظى باهتمام الجميع باعتبارها القضية المحورية للامتين العربية والاسلامية. هذا الصمت ليس الا نصف المشكلة، اما الجانب الآخر فيتمثل بالهرولة المتواصلة للتطبيع مع قوات الاحتلال، بالتواصل الدبلوماسي والمشاركة في الفعاليات التي يقيمها في الاراضي المحتلة، كما فعلت الامارات والخليفيون عندما بعثوا فريقيهما للمشاركة بسباق الدراجات في القدس المحتلة، فيما كان الدم الفلسطيني يهدر رخيصا بايدي المحتلين. انه استخفاف بالقيم والاخلاق والمباديء والنفس الانسانية وكرامة الامة. اما حان الوقت لوقف هذا التلاعب والتوحش والتغرب والعمالة من قبل هذه الانظمة الاستبدادية؟ ان لدينا ايمانا عميقا بحتمية انتصار الشعوب المناضلة ضد الاستبداد والاحتلال، وهذا ما سيحدث بعون الله تعالى خصوصا في فلسطين والبحرين.

اللهم ارحم شهداءنا الابرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفك قيد أسرانا يا رب العالمين

حركة احرار البحرين الاسلامية

11 مايو 2018

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق