بيانات

الطغيان ساقط حتما، واراقة الدماء مقدمة ذلك

تنطلق قناعة الشعب بضرورة تغيير النظام السياسي في البحرين من تجارب متواصلة امتدت مائة عام تقريبا، وما تزال مصاديقها تتبلور يوميا بدون توقف. كان النضال خلال هذه العقود يركز على ضرورة ايجاد صيغة للتعايش بين الشعب والعائلة الخليفية التي جاءت من الخارج واحتلت البلاد بالقوة. بدأ النضال عندما كان البريطانيون يهيمنون على شؤون البلاد، عن طريق المندوب السياسي او المقيم تارة، واخرى بواسطة “المستشار” البريطاني، تشارلز بليجريف. وبعد رحيله في 1957 استجابة للمطالب الشعبية التي رفعت في انتفاضة الخمسينات، استمرت الادارة البريطانية لشؤون البلاد من خلال الخبراء الكثيرين الذين كانوا يعملون من وراء الكواليس لضمان هيمنة العصابة الخليفية على البلاد. يومها كان الحاكم الخليفي مستعدا لتقديم كل ما يريده البريطانيون في مقابل حمايته الشخصية وضمان الحكم الخليفي. كانت المطالبات آنذاك تركز على ايجاد صيغة للتعايش يضمن حقوق المواطنين في الشراكة الادارية والسياسية. وبعد انسحاب البريطانيين في 1971 توصل الطرفان لكتابة وثيقة تاريخية كانت هي الاولى والاخيرة التي تنظم العلاقة. تجسد ذلك بالدستورالذي شارك الطرفان في كتابته واقراره. يومها كان الحكم الخليفي يعترف بوجود شعب البحرين الاصلي، شيعة وسنة، فكان يسعى لضمان وجوده القانوني بالموافقة الشعبية التي تضمنتها نصوص ذلك الدستور. ولذلك فعندما علق الحاكم السابق العمل به في اغسطس 1975 انطلقت الاحتجاجات على مدى نصف القرن اللاحق مطالبة بتفعيل ذلكا لدستور خصوصا جوانبه التي تنظم الممارسة البرلمانية. وكان هناك توافق وطني عبرت عنه العرائض الشعبية في التسعينات. كما كانت انتفاضة تلك الحقبة ترفع شعار اعادة العمل بدستور البلاد.

ماذا يعني ذلك؟ كانت المطالبة باعادة العمل بدستور 1973 تعني امرا مهما: استعداد شعب البحرين للتعايش مع الحكم الخليفي ضمن تلك الوثيقة التاريخية التي توافق الجانبان عليها. ولكن ما ان رحل الحاكم السابق واصبح ابنه في 1999 حاكما، طبفا لقاعدة توارث الحكم، حتى قام بما لم يقم به احد من اسلافه، فقد عمد لالغاء ذلك الدستور الذي كان يتضمن اعترافا متبادلا من الطرفين بعدد من الامور: التعايش المشترك، الحقوق المصونة لكليهما، اعتبار الدستور مرجعا لفض الاختلافات، اذعان الطرفين له وقبولهما بمضمونه نصا وروحا. ولذلك فعندما قام الحاكم الحالية بالغائه في 14 فبراير 2002 اعتبر ذلك اخطر انقلاب شهدته البلاد. لم يكن  انقلابا على الدستور الشرعي فحسب، بل على مبدأ التعايش المتوافق عليه والغاء الوثيقة الشرعية الوحيدة في تاريخ البلاد التي اعترف الشعب فيها بالحكم الخليفي. هذا يعني ان الغاءه من طرف واحد وضع الشعب في حل مما تضمنته. وخلال العقد اللاحق سعى بعض الاطراف الوطنية لاستنقاذ ما يمكن انقاذه بالمشاركة ضمن المشروع السياسي للحاكم الذي تحول الى ديكتاتور مطلق. بينما رأت مجموعات اخرى عدم جدوى ذلك وان الغاء الدستور من طرف واحد كان اعلانا خليفية بالطلاق من شعب البحرين وفض العلاقة بينهما. كان امامه خياران: الاول سحب عائلته من الحكم لانه لم يعد يؤمن بالدستور العقدي الذي نظم العلاقة بين الطرفين، او الغاء الشعب. وعمد الطاغية للخيار الثاني، معتقدا ان بامكانه ازالة الشعب كاملا من المعادلة السياسية باستبداله بشعب آخر. ولم يعد خافيا ان سياساته منذ ان استولى على الحكم كانت تركز على تغيير التركيبة السكانية للبلاد بالغاء الشعب الاصلي (شيعة وسنة) واستبداله بشعب آخر لا يمثل فيه احد اغلبية سكانية، لكي يبقى الجميع مدينين له بالحماية.

ادرك رموز الشعب خطر هذه العقلية، فقادوا الثورة على الحكم القبلي الخليفي التي انطلقت في 14 فبراير 2011، واصروا على احداث تغيير سياسي جوهري في البلاد بعد ان اصبح التعايش مع الطرف الخليفي مستحيلا. فما دام هذا الطرف قد الغى الاتفاق التاريخي من جانب واحد، فقد الغى بذلك مصدر شرعية حكمه. كما يعني انه لا يعتقد بان الشعب الاصلي مصدر الشرعية، بل ان وجوده في الحكم يكفي لضمان شرعية حكمه ولو بالقوة. وهذا ما حدث طوال الاعوام السبعة من عمر الثورة. فبدلا من العودة للشعب للحصول على الشرعية، عمد للانتقام من هذا الشعب بوحشية غير مسبوقة. فأصدر اوامره لجلاوزته واجهزته الامنية للامعان في التنكيل وتصعيد القمع ليصل الى درجة تركيع المواطنين حتى يصلوا الى حالة يستجدون فيها عطفه ويمنحونه ما يريد من صلاحيات. ويمكن فحص كافة تصرفاته للوصول الى هذا الاستنتاج المنطقي. كان امامه طريقان: التصالح مع الوطن والشعب او الحرب عليهما. وقد اختار الثاني. فشن حربا شعواء على الوطن بتمزيقه على اسس طائفية ومصلحية، واستقدام قوات الاحتلال من كافة البلدان، والتخلي عن السيادة لصالح تلك القوى الاجنبية. وتكاد ارض البحرين تغوص في البحر لكثرة القوات الاجنبية متمثلة بستة جيوش من السعودية والامارات والاردن وباكستان بالاضافة للقاعدتين الامريكية والبريطانية. لم يفعل هذا أحد قبله، حتى بلغ الامر به ان عاتب البريطانيين علنا في محاضرة بمدينة اكسفورد قبل ثلاثة اعوام لانسحابهم من البحرين في 1971. وفي مقابل ذلك اصبحوا يعاملونه كالولد المدلل، ليس كرئيس دولة او حليف محترم بل كولد مدلل يجلس بجانب الملكة في سباق الخيل في مضمار وينسور. وقد وجهت له الدعوة لحضور السباق هذا الشهر برغم المناشدات للقصر الملكي البريطاني بعدم تلويث سمعته باستضافة هذا الجزار التي تلطخت يداه بدماء الابرياء.

حين يكون الحاكم بلا شرعية يتصرف كعدو لا تربطه صلة بالوطن او الشعب. لقد اصبح الطاغية وعصابته اعداء حقيقيين للوطن والشعب كليهما. فقتل الابرياء تحت التعذيب، واطلق عليهم النار في الشوارع، واعدمهم باصدار احكام الاعدام الجائرة بعد محاكمات صورية تؤسس احكامها على “الاعترافات” المنتزعة تحت التعذيب، ونفذ احكام الاعدام بحق المناضلين في عرض البحر. في العام الماضي اعدم ثلاثة منهم واعدم اربعة هذا العام. واعدم رميا بالرصاص ثلاثة مواطنين ابرياء العام الماضي، وأقرت محكمة التمييز مؤخرا احكام الاعدام بحق ستة آخرين. انها احكام ضد ا لوطن والشعب وليست ضد الاشخاص الذين سيمزق الطاغية اجسادهم برصاصاته الغادرة. يعتقد ان ذلك سيوفر له الامن والبقاء على كرسي الحكم، وهيهات يتحقق له ذلك. فلا يمكن بناء الحكم على دماء الابرياء وجماجم الآدميين. وبهذه الجرائم انما يحفر الديكتاتور قبره ليلتحق بالسفاحين الذين اسقطتهم شعوبهم بسبب امعانهم في القتل والتنكيل. فلا يمكن هزيمة الشعوب بالقتل واهدار دماء ابنائها. بل ان الشعوب تختزن في ذاكرتها تلك الجرائم لتحولها الى طاقة جبارة تدفع المواطنين للمزيد من التضحية والفداء. وحين يكون الضحايا ابرياء، كما هم شباب البحرين، فانهم يتحولون الى مشاريع تغيير لا تتراجع ابدا. ففي نفوس المواطنين غضب شديد وشعور عميق بالظلامة، واصرار على التحدي. فكل شاب يرى نفسه “الشهيد التالي” وان لم يرتكب مخالفة يحكم بسببها بالاعدام. وهذا الشعور يدفعه للسعي للتغيير وعدم المساومة مع الديكتاتوريين والطغاة. وهذا ما سيحدث في البحرين.

ثورة الضحايا والغاضبين والمظلومين والجياع ستكون العامل الاكبر لسقوط الحكم الخليفي الجائر. وهذا ليس تنبؤا بل ما سيحدث حقا، وذلك تأسيسا ليس على القانون الالهي والطبيعي فحسب بل على الوقائع التاريخية التي سقط فيها الطغاة بعد ان يستنفذوا مبررات وجودهم ويصبحوا اعداء لشعوبهم. وقوة الشعب المختزنة تتحول الى سونامي ثوري يقتلع انظمة الظلم من جذورها. هذه حقيقة لا يدركها الطغاة ابدا، لانهم يظنون انهم مخلدون الى الابد، وان احدا لا يجرؤ على الاقتراب من عروشهم: اولم ينظروا الى الذين من قبلهم، كانوا اشد منهم قوة، وأثاروا الارض وعمروها اكثر مما عمروها…. هذه صورة للوقائع التاريخية التي تجتاح الشعوب والامم وتسقط حكامها عندما يمارسون الظلم ويضطهدون الشعوب. هذا ما سيحدث في البحرين بعون الله تعالى، لان الخليفيين تجاوزوا حدود الاستكبار والاستعلاء واصبحوا يعتقدون انهم خارج نطاق القانون الالهي الذي يقصم الجبارين ويبير الظالمين. ان شعبنا الصابر موعود بالنصر، وليس مطلوبا منه سوى الصبر والثبات والعمل والتوكل على الله والاستثمار في ابنائه البررة، والاستعانة بالله سبحانه وتعالى حتى ينفذ وعده، وذلك وعد غير مكذوب.

اللهم ارحم شهداءنا الابرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفك قيد أسرانا يا رب العالمين

حركة احرار البحرين الاسلامية

27 أبريل 2018

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق