بيانات حركة أحرار البحرين

شذرات سياسية من أجواء غزة والحرب الصهيونية

بعد مرور ما يقرب من أسبوعين ما تزال الحرب الصهيونية على فلسطين وأهلها متواصلة، ومعها أعداد الضحايا التي تتزايد بشكل مرعب. وجاء الفصف الصهيوني لمستشفى المعمداني في قطاع غزة يوم الأربعاء الماضي ليضيف بعدا جديدا للعدوان. فقد استشهد جراء هذا القصف أكثر من 500 شخص من بينهم المرضى والزوار والأطباء والممرضون. ويمكن اعتبار ما حدث جريمة العصر، فهو استهداف مباشر لمستشفى ذي مهمة إنسانية، تم ضمن خطة إجرامية لتعميق حالة الخوف والإحباط في نفوس أهل فلسطين. ومع صمت العالم على هذه الجريمة التي لا يختلف اثنان حول كونها جريمة حرب واضحة، ومع التلميح بوجود خطة لترحيل الفلسطينيين من قطاع غزة الى مناطق أخرى، يتضح بعض معالم الخطة الخبيثة التي تهدف لإنهاء قضية فلسطين وفق الرؤية الصهيونية. وما تكرار الحديث عن احتمال ترحيلهم الى سيناء او الاردن إلا جزء من خطة نفسية تهدف لتسويق المشروع وتخفيف وقعه على الآذان والنفوس.   

ولتأكيد القلق الذي يساور الكثيرين يجدر طرح النقاط التالية:  

أولا: ان قضية فلسطين استعصت على محاولات التصفية والمصادرة من قبل كافة القوى العالمية التي دعمت الاحتلال الإسرائيلي. صحيح أن العدوان هذه المرة تجاوز في جرائمه واستهدافه الانسانية ما فعله علىى مدى ثلاثة أرباع القرن من الاحتلال، ولكنه فشل في تحقيق إنجازات استراتيجية حقيقية، وبقي محاصرا بتلك الجرائم التي ستلاحق رموزه بتهم ارتكاب جرائم رب واضحة.   

ثانيا: هذه المرة اتضح التواطؤ الغربي مع الاحتلال بشكل سافر، وتساوى في ذلك التواطؤ الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة الأمريكية. ويؤكد هذا التواطؤ رفض كل من امريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا مشروع قرار قدمته روسيا لوقف إطلاق النار في غزة. كانت الانسانية تقتضي وقف إطلاق النار لتسهيل مهمات الإغاثة للمدنيين المحاصرين في مناطقهم. وكان هذا الرفض طعنة للقيم والأخلاق وموقفا عمليا داعما لـ “إسرائيل” التي خططت لاجتثاث المقاومة الفلسطينية ومعها قطاعات كبيرة من ابناء الشعب الفلسطيني. كان موقفا مخزيا سيسجله التاريخ بدم الابرياء الذين تحصدهم يوميا آلة الموت الإسرائيلية
ثالثا: مع استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة تبدو ملامح الموقف السياسي بشكل أوضح. فهناك رغبة غربية لإعادة بلورة منطقة الشرق الأوسط لتصبح أكثر احتضانا للكيان الإسرائيلي، تارة من خلال التطبيع الذي بدأته قبل ثلاث سنوات حكومتا الإمارات والبحرين، وأخرى بتوفير دور إسرائيلي سياسي في قضايا السياسة والأمن في الشرق الأوسط. الخطة الغربية تقتضي إعادة تشكيل المنطقة وفق خطوط جديدة يكون لكيان الاحتلال دور محوري فيها. ولذلك طرحت مقولة “الإبراهيمية” كإطار لتبرير التطبيع مع الصهاينة. ولعبت حكومتا الامارات والبحرين دورا لتسهيل تلك المهمة. الشرق الأوسط الجديد، وفق الخطة الغربية، سيكون باهتا من النواحي السياسية والدينية، وسوف يكون لكيان الاحتلال دور فاعل في جوانبه الأمنية والسياسية. 
 

رابعا: الحرب على غزة حظيت بدعم من الأنظمة العربية الراغبة في استمرار الوضع الراهن. هذه الانظمة تعارض بشدة محاولات التغيير في بلدانها وتصر على إبقاء الشعوب خارج دوائر القرار وبعيدا عن دوائر النفوذ والتأثير. فالتحول الديمقراطي حلم راود المناضلين من جيل الشباب الذي قام في العام 2011 بواحدة من أوسع الثورات، من أجل تحقيق ذلك. ولكن هذه الثورات قمعت بشراسة لمنع ذلك التحول. فالغربيون يرون في الاستبداد حليفا لهم ولا يجدون أنفسهم مستعدين لترويج مقولات الديمقراطية وحقوق الإنسان. يعتقد الغربيون أن الوضع الراهن في الشرق الأوسط يخدم مصالحهم، وسيكون أكثر فائدة إذا استطاعت “إسرائيل” ممارسة دور سياسي وأمني مع بقية الدول العربية للحفاظ على أمن المنطقة.  

خامسا: أن العدوان الإسرائيلي المتواصل سيزداد شراسة ويصبح أكثر دموية في الأيام والأسابيع المقبلة، خصوصا في غياب إرادة الفعل لدى المجتمع الدولي، فالامم المتحدة غير قادرة على ممارسة دور قيادي على صعيد العالم، والولايات المتحدة مصممة على دعم الصهاينة لكي يتحولوا إلى رأس حربة في معركة الايديولوجيات والانتماءات في المستقبل المنظور، وبذلك يوفرون حماية للمصالح الغربية ويمنعون تغوّل الشعوب الباحثة عن حريتها واستقلال قرارها. والواضح غياب إرادة دولية وإقليمية تهدف لوقف العدوان. فلكل من هذه الأطراف مصالحه التي تتحقق في ظل هيمنة الوضع الحالي، وقد يتحول إلى حرب استنزاف طويلة الأمد لا تخدم الشعوب ولكنها تعيقها عن تنمية بلدانها وممارسة دورها في تأصيل الحرية والدفاع عن المظلومين. 

سادسا: ينظر الغربيون وعملاؤهم من حكام الدول العربية إلى الانتماء الديني أنه أحد مصادر التأهيل الثوري للشعوب، فالإيمان بالله يُفترض ان يدفع الإنسان لرفض من يضع من البشر نفسه في موضع الربوبية. ولذلك كان الإسلام، وسيبقى، عقيدة ثورية تؤسس لرفض مطلق لاستعلاء الإنسان وتكبره. فلا يقبل بالانحناء أمام الطغاة والمتجبرين، ولا يسمح لأتباعه بالقبول بالظلم او العدوان، ويدفعهم للدفاع عن المظلومين ويعتبر عدم مناصرة المظلوم او الدفاع عنه تقصيرا مخالفا للانتماء. هذه الحقائق واضحة لدى من يرصد مسارات الدين. وفي ضوء العدوان الصهيوني الحالي المدعوم من القوى الدولية والاقليمية فقد أصبح هناك اهتمام أوسع بالظاهرة الدينية، ويُتوقع تصاعد الضغط على الجهات ذات الانتماء الديني داخل بلدان المسلمين وفي دول الغرب. والخشية ان تتوسع دائرة استهداف الدين لتشمل استهدافه ومؤسساته ومساجده بدعوى أنها تساهم في تخريج “المتطرفين. لذلك أصبح الوعي مطلوبا لمنع حدوث ذلك وعدم توفير الذرائع لحملات امنية  استباقية خصوصا في دول الغرب التي يمارس اللوبي الصهيوني ادوارا واسعة فيه. 

سابعا: ان هناك خشية ان يتم استغلال الحرب الحالية باتجاه معاكس، فبدلا من الضغط على الحكومات العربية التي كسرت الاجماع العربي وهرعت للتطبيع مع العدو، قد يحدث العكس، فتبدأ الضغوط الغربية خصوصا الامريكية على الحكومات العربية  الأخرى للسير على خطى التطبيع. هذا برغم فشل التطبيع الذي قامت به حكومتا الإمارات والبحرين. لكن هذا الفشل لن يمنع تجديد التوجه للتطبيع وتشجيعه، فهو خيار الغرب منذ عقود، ولا يمكن وقف ذلك إلا بمواقف ثابتة من قبل الشعوب خصوصا المجموعات الناهضة في البلدان العربية المناصرة لقضية فلسطين والرافضة للتطبيع. مطلوب فضح الحكومات التي هرولت نحو تل أبيب برغم ما كان الشعب الفلسطيني يتعرض له من قمع وتهميش قبل اندلات الحرب الحالية. وقد تضاعفت معاناة أهل فلسطين كثيرا بعد اندلاع الأزمة الحالية التي هي الكبرى منذ قيام كيان الاحتلال قبل ثلاثة أرباع القرن. فهذه الحرب يجب ان لا تؤدي لتكريس الوضع الراهن وترك الامور على عواهنها، لان من شأن ذلك توسيع دوائر التوتر في المنطقة التي تعيش على مرجل من نار منذ فترة، وازدادت المخاطر التي تنتظرها بعد السابع من اكتوبر. 

ثامنا: الحرب الحالية التي يشتعل أوارها بدون انطفاء منذ اسبوعين يُفترض ان تحرّك ضمائر الجماهير في العالم العربي وتدفعها للتحرك الميداني اليومي لكي يكون هناك ضغط حقيقي على انظمة الحكم التي تسعى لتجاهل الأزمة. ومن المؤكد ان مشاهد الاحتجاجات البحرانية اليومية ومشاركة الرجال والنساء في التظاهرات في المناطق المختلفة تعبّر عن مشاعر إنسانية نبيلة لدى  المشاركين، وتبعث رسالة طمأنة لضحايا العدوان الصهيوني. ويستحق الشعب البحراني الشكر والتقدير على مشاعر أبنائه المرهفة تجاه فلسطين وأهلها. هذا الشعب لم يتراجع لحظة عن احتجاجاته منذ بدء العدوان الصهيوني على فلسطين وأهلها. فطوبى لما يملكه ابناء الشعب من أنفاس طيبة ومشاعر إنسانية نبيلة دفعتهم للبقاء في الميادين هاتفين باسم فلسطين ومرددين شعارات الحرية، ومؤكدين رفضهم الاحتلال والاستبداد.  

اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفك قيد أسرانا يا رب العالمين 

حركة أحرار البحرين الإسلامية 

20 أكتوبر 2023

زر الذهاب إلى الأعلى