مقالات

حوادث 11 سبتمبر تلاحق السعودية في واشنطن

الدكتور سعيد الشهابي

تتصاعد الضغوط على ادارة الرئيس اوباما لكشف فصل من تقرير استخباراتي اعد قبل سنوات، يدعي وجود ما يسميه “تمويلا سعوديا” لمنفذي عمليات 11 سبتمبر. التقرير اعدته لجنة الاستخبارات بالكونجرس الامريكي واحتوى معلومات تشير الى ذلك، وفق ما قاله بوب جراهام، رئيس تلك اللجنة آنذاك. ويحتوي التقرير على فصل من 28 صفحة سعت ادارة الرئيس بوش لاخفاء عباراته التي تربط بين الحكم السعودي وتمويل تلك العملية. ومن الصعب الحكم على مدى صحة تلك الادعاءات، ولكن المعروف ان 15 من بين الـ 19 ارهابيا الذين نفذوا تلك العمليات يحملون الجنسية السعودية. وتكشف الضغوط المذكورة جانبا من الازمة في العلاقات بين واشنطن والرياض، خصوصا في ضوء صعود دور مجموعات العنف في المنطقة، وما يتردد عن دور سعودي اما في تشكيلها او تمويلها او تشجيعها. ويتصاعد الاهتمام الغربي هذه الايام بالوضع السعودي خصوصا بعد الاعتداءين الاخيرين على مساجد المسلمين الشيعة في المنطقة الشرقية، اللذين نجم عنهما مقتل حوالي 30 شخصا. هذا برغم ان المملكة خصصت مبلغ مليون دولار لمن يمنع حدوث عمل ارهابي على ا راضي المملكة. وهذا يكشف عمق القلق الذي يساور المسؤولين في الرياض بعد ان اتضح ان التنظيمات الارهابية تحتفظ بخلايا نائمة تستطيع تحريكها متى شاءت. كما يؤكد ان خطر الارهاب لا يمكن حصره برقعة جغرافية، بل انه كالنار التي اما ان تطفأ او تنتشر للاحياء المجاورة. وفي ظل غياب الرغبة في، او القدرة على مواجهة ظاهرة الارهاب والعنف المتنامية في المنطقة، يتعمق القلق يوميا ازاء مستقبل المنطقة وشعوبها وعلاقات دولها. صحيح ان العنف الاساس ما يزال متركزا في العراق وسوريا، ولكن الذاكرة تعيد الى الاذهان التجربة الافغانية وتداعياتها ومن ابرزها حوادث 11 سبتمبر الارهابية. يومها كانت السعودية وامريكا وباكستان وراء تشكيل مجموعات “المجاهدين” التي تصدت للقوات السوفياتية، ولكن ما ان انتهت الحرب حتى انتشرت العناصر المقاتلة في اصقاع الارض، فاصبح تنظيم القاعدة خطرا يهدد الغرب. وصحيح ايضا ان القوى التي قامت بتشكيله استطاعت لاحقا “هندسة” ايديولوجيته وحرف مساره لينغمس قطاع واسع منه في حرب طائفية مدمرة، ولكن السيطرة على المجموعات الحالية التي تنشط في العراق وسوريا وليبيا واليمن ونيجيريا ليس مضمونا. فحين تشعر هذه المجموعات بانها امتلكت قدرات قتالية ميدانية وامكانات عسكرية ومادية واسعة فلن تتوقف عند حدود الدول المذكورة، ولن توفر الجزيرة العربية من عملياتها بهدف السيطرة عليها وضمها الى “الدولة الاسلامية”.

هل هناك وقت لاحتواء الموقف؟ الضغوط التي تمارس على البيت الابيض للكشف عن تقرير لجنة الاستخبارات بالكونجرس تكشف امورا عديدة: الاول: عمق الشعور بضرورة التصدي لظاهرة العنف والارهاب بشكل جاد يحقق نتائج ملموسة، الثاني: تصاعد القناعة بعدم نجاح ما يسمى “الحرب ضد الارهاب” التي شنتها امريكا وحلفاؤها ضد المجموعات الارهابية خصوصا تنظيم القاعدة منذ اكثر من اثني عشر عاما. الثالث: الانتشار والصعود المفاجيء لمجموعات العنف المدعومة من الرياض، وما يرشح عن اعمالها وممارساتها اليومية التي ترعب الغربيين. الرابع: التشابه المقلق بين التجربة الافغانية والتجارب الحالية من حيث دور المال النفطي وايديولوجية العنف والدم التي ازدادت عمقا في اوساط المجموعات الحالية. الخامس: اقتراب حسم الموقف خصوصا في العراق ضد انتشار داعش بعد ان اتحدت القوى العراقية، من الشيعة والسنة الاكراد، بهدف تحرير العراق منها. السادس: تنامي الوعي في الغرب بخطر السياسات التي انتهجت حتى الآن لمواجهة مجموعات العنف، وتعمق القلق من حتمية وصول تلك المجموعات الى الحدود الغربية. هذه الحقائق تؤكد اضطراب الموقف السياسي الغربي وتضفي شكوكا كبيرة على سياسات الدول الغربية والخليجية ازاء ظاهرة الارهاب. كما تظهر صعوبة التعاطي مع الظاهرة من وجهة النظر السعودية التي تعتبرها ذراعا لبسط نفوذها الاقليمي واضعاف القوى المنافسة لها في المنطقة خصوصا ايران. وبالتالي فان مبدأ “توازن الرعب” اصبح جوهريا في سياسات الدول الاقليمية خصوص السعودية. ولكن تبعات هذا المبدأ بدأت تظهر بوضوح على الساحة السعودية نفسها. هذا المبدأ لا يستخدم لتحقيق التوازن الاقليمي فحسب، بل على المستوى الداخلي ايضا. فالرياض تستغل المجموعات المتطرفة والخطاب الطائفي المتشدد على ألسنة العديد من رجال الدين وخطباء المساجد لادخال الرعب في اوساط المسلمين الشيعة سواء في المنطقة الشرقية ام المدينة المنورة ام نجران. ويمكن اعتبار تفجيري القديح والدمام نتيجتين مباشرتين لتلك السياسة، كما اظهرا افتقار تلك السياسة للوسائل التنفيذية. فقبل ستة شهور صدرت تصريحات رسمية مماثلة لطمأنة سكان المنطقة الشرقية بعد اعتداء قام به مسلحون وتبنته داعش على الاحساء ادى لقتل ثمانية من السكان الشيعة امام احد المراكز الدينية بمنطقة “الدالوة”. وبسبب رغبة حكومة الرياض في الابقاء على مبدأ “توازن الرعب” لم ينجم عن تلك الحادثة تغييرات تذكر في اساليب التعامل وقوته ومداه بين الحكم والمجموعات المسلحة. ولذلك كان رد فعل سكان منطقة “العنود” بالدمام مختلفا، فقد أصروا على تشكيل مجموعات شبابية لحماية المساجد ودور العبادة، فاضطرت الحكومة للموافقة على ذلك.

في ظل هذه الحقائق اصبحت السعودية تعيش بين الضغوط الخارجية والتوتر الداخلي. وقد اضافت الحرب السعودية على اليمن بعدا آخر لهذه المعادلة. فالواضح ان من اهم نتائج هذه الحرب حتى الآن تكرس وجود تنظيم “القاعدة” في اليمن، حيث تسيطر على مساحات واسعة من حضرموت، الامر الذي اصبح مصدر قلق حقيقي للامريكيين. ومرة اخرى ترى السعودية ان هذا النفوذ القاعدي يمثل عامل توازن مع القوى المناوئة لسياساتها في اليمن خصوصا تكتل “أنصار الله” الذين يسيطرون على اغلب مناطق اليمن. ويوما بعد آخر يتضح ان اليمن تحولت الى حرب استنزاف للسعودية وحلفائها، وانها حرب لا يمكن ان تحسم بسهولة. وسواء انعقد مؤتمر جنيف الذي كثر الحديث عنه للتفاوض حول مستقبل اليمن ام تعسر انعقاده، فان الحقائق على الارض تشير لغير صالح السعودية، فلم يعد للرئيس السابق، عبد ربه منصور هادي، موطيء قدم في بلده، وبالتالي فقد ضعف موقفه التفاوضي واضعف الموقف السعودي ايضا. بامكان الرياض مواصلة الحرب الجوية المدمرة، ولكن الغربيين انفسهم اصبحوا تحت ضغوط شديدة لوقف تلك الحرب العبثية التي فرضت على اليمن وليس فيها افق لتحقيق نصر حقيقي للتحالف الذي شكلته السعودية. ويساور قطاعات واسعة من النخب العربية شعور بان تداعيات ثورات “الربيع العربي” احدثت خللا في اولويات الفرقاء في المنطقة واضعفت التوجه للقضية الفلسطينية. وما حالة اللامبالاة ازاء العدوان الاسرائيلي الاسبوع الماضي على مواقع لمنظمة “حماس” الا مؤشر لذلك. وهنا ما هو أخطر من ذلك. فقد اصبح انتشار عناصر تنظيم “داعش” في غزة والضفة الغربية مقلقا جدا، لانه ينطوي على حتمية انتقال عدوى الصراع الدموي الى الاراضي المحتلة، وفي ذلك اضعاف للمحسوبين على تيار المقاومة. فإضعاف منظمة “حماس” هدف اساس لقوى الثورة المضادة خصوصا السعودية ومصر، وليس هناك سبيل افضل من توجيه العناصر المتطرفة للقيام بذلك. ويتوقع حدوث ذلك ايضا في افغانستان بعد انتشار عناصر “داعش” هناك واستهدافهم مقاتلي طالبان. اما الاساس الديني لاستهداف طالبان فينطلق من “عدم جواز وجود خليفتين للمسلمين”، وان الملا عمر يجب ان يسلم للبغدادي او يقتل.

الحراك السعودي، السياسي والعسكري، في المنطقة غير مسبوق من حيث الحجم والاصرار. ما دوافعه؟ ما آفاقه؟ وما تبعاته؟ لقد تكرر القول بان اقتراب حدوث توافق بين الغرب وايران حول الملف النووي الايراني أزعج السعودية بشكل خاص، وهذا ليس بعيدا عن الواقع. ولكن المستغرب اصرار السعودية على الاستمرار في مشروع التوسع السياسي والعسكري برغم عدم استقرار اوضاعها الداخلية. كما يستغرب ايضا الصمت الانجلو – امريكي ازاء ما يجري، برغم وضوح الخطأ الاستراتيجي لتلك السياسة. هناك اذن وجوه متعددة للسياسة السعودية على المستوى الاقليمي، يمثل دعم المجموعات المسلحة اهمها. انها سياسة خطيرة، حتى في نظر الغربيين، لانها تمثل لعبا بالنار وقفزا على الواقع وتقوية لمشاريع التطرف والعنف. وفي ظل رفض المجموعات المسلحة مبدأ “التعددية” باستهداف المخالفين في الدين او المذهب او الموقف السياسي، فان من غير المنطقي الاتكاء عليها لبسط النفوذ. فاشعال النار امر سهل، ولكن السيطرة عليها واطفاءها ليس امرا متيسرا خصوصا مع عصف الرياح وتوفر وقود النار من مصادر اخرى. من هنا اصبح القلق على مستقبل المنطقة يمثل هما لدى المخلصين من ابنائها. اما الغربيون فيلوذون بالصمت، ولكنه الصمت الذي يسبق العاصفة. وما مطالبة البيت الابيض بالكشف عن الوثائق المتصلة بملفات حوادث 11 سبتمبر، خصوصا تقرير لجنة الاستخبارات بالكونجرس الا الخطوة الاولى على طريق محفوف بالمخاطر والاشواك السياسية والحبلى بالمفاجآت التي ليست بحسبان احد. وليس مستبعدا ان يكون من تداعيات ذلك اعادة رسم خريطة التحالفات الاقليمية بشكل جوهري غير مسبوق، حينها سيتضح خطر الرهان الخاطيء على الاساليب غير الاخلاقية في التعاطي السياسي وتصفية الحسابات مع المخالفين.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق