مقالات

إصلاح السياسة الخارجية امتحان لبايدن

د. سعيد الشهابي

هذا هو الاسبوع الاخير الذي سيظل امن العالم فيه مرهونا بيدي رئيس أمريكي هو الأسوأ في تاريخ هذا البلد الذي بدأ يتآكل من داخله بشكل متسارع. أهو غرور العظمة؟ أهو ضياع البوصلة؟ أهو التخلي عن الانسانية؟ أهو ضعف داخلي أوقع السياسة الخارجية للولايات المتحدة بايدي اطراف اجنبية لا يهمها امن العالم او حتى امن امريكا؟ سيتنفس العالم الصعداء بعد أيام عندما يزاح كابوس السنوات الاربع الماضية بغياب دونالد ترامب ومايك بومبيو بشكل خاص. فهذان الشخصان ساهما في توهين الديمقراطية الليبرالية التي تسمح بصعود امثال هؤلاء الى سدة الحكم. واذا كان هناك من غُلب على امره واستسلم للتضليل الاعلامي اليميني فقد جاءت حوادث السادس من يناير لتظهر خطر الظاهرة الشعبوية ليس على امن العالم فحسب، بل على امريكا نفسها. هذا الثنائي سعى لتصعيد الازمات العالمية في ايامه الاخيرة، سواء بالتخطيط لشن عدوان عسكري على ايران، ام بتشجيع الاسرائيليين على مواصلة اختراق سيادة الدول العربية، ام باصدار قرارات ستكون لها تبعات خطيرة على امن الشعوب. وجاءت الحوادث المذكورة لتمنع العدوان على ايران الذي كان الكثيرون يرجحون حدوثه قبل مغادرة ترامب البيت الابيض. ومن المؤكد ان الكثيرين من الامريكيين والاوروبيين يأملون بانتهاء رئاسة ترامب بدون حدوث كارثة سياسية او عسكرية، لان ترامب، كما يعرفونه، لا يقبل التحدي او الاعتراض من احد، وانه مستعد للتصعيد بدون حدود مع منتقديه. مع ذلك اتضح كذلك ان ترامب اصبح قلقا جدا على مستقبله، خصوصا بعد ان انقلب الرأي العام الامريكي والعالمي ضده بعد ان حرّض اتباعه على احتلال البيت الابيض و”استرجاع امريكا”، وظهر بعد اقتحام البيت الابيض مؤيدا لما قام به اتباعه. وربما للمرة الاولى اصبح واضحا ان القانون اقوى من الاشخاص مهما كان موقعهم.

 

ثمة قرارات اخرى لا تقل خطرا عن الحرب، بل ربما تؤسس لتفاقم ازمات العالم خصوصا على صعيد الامن والاستقرار. انها قرارات لا تمس امن امريكا او مصالحها بل تتصل بقضايا خارجية تتحرك بفعل ايديولوجية داخلية قائمة على اساس الظاهرة الشعبوية من جهة والانتماء  لما يسمى “االمسيحية المتصهينة” من جهة اخرى. ولتأكيد هذه العلاقة قام بومبيو في 20 نوفمبر الماضي خلال زيارته الكيان الاسرائيلي بزيارة متحف لتكريم رموز هذه العقيدة التي تؤمن بعودة اليهود الى “الارض المقدسة” وتعتبر ان انشاء الكيان الاسرائيلي في العام 1948 كان مصداقا للنبوءات الانجيلية. وأنشيء “متحف اصدقاء صهيون” على يدي مايك ايفانز، وهو داعم مسيحي لـ “اسرائيل”. وتعتبر جماعة “المسيحيون الانجيليون” من داعمي دونالد ترامب المخلصين. وسيكون من اهم داعمي مايك بومبيو فيما لو قرر ترشيح نفسه للرئاسة الامريكية لاحقا. واعلن بومبيو خلال زيارته المذكورة عن خطة سياسية للشرق الاوسط منحازة جدا لـ “اسرائيل” رفضها الفلسطينيون. هذه القضايا تدفع للتقليل من التفاؤل بحدوث تغيير كبير في الولايات المتحدة في السنوات المقبلة. فالرئيس المنتخب الذي يفترض ان يستلم منصبه هذا الاسبوع سيجد امامه اكواما من المشاكل التي سيخلفها ترامب، وعليه ان يتعاطى مع اغلبها بسرعة. ويبدو ن بايدن يواجه ضغوطا داخلية لطي صفحة الجانب الشخصي من دونالد ترامب، وذلك بالصفح عنه ووقف الدعاوى القضائية التي سيواجهها بعد خروجه من البيت الابيض. مع ذلك سيكون بايدن امام التحديات الرئيسية الناجمة عن قرارات سلفه، خصوصا في القضايا الخارجية سواء في الشرق الاوسط ام مع الاتحاد الاوروبي ام الصين.

 

ومن القرارات التي اصبح على الرئيس الامريكي الجديد تحديد موقف منها ما يتصل بسياسة امريكا تجاه المسلمين والعرب، وبشكل خاص ما يرتبط بالاحتلال الاسرائيلي لفلسطين، وحرب اليمن وقضايا التحول الديمقراطي، وظاهرة الارهاب. ولم يستطع ترامب ان يتعاطى مع اي منها بتجرد وموضوعية، ولا يمكن وصف اسهاماته في اي منها بالايجابية. فقد كان يفتقد القدرات العقلية والثقافية والدوافع الشخصية لاحداث تغييرات ايجابية، بل كانت مواقفه وسياساته تنطلق بشكل مفاجيء بدون تخطيط او تفكير، وكان يعبر عنها بتغريداته التي كان مدمنا عليها. وكان من غرائب الاقدار ان تمنع شركات وسائل التواصل الاجتماعي دونالد ترامب من الاستمرار في ممارسة هواياته التي ازعجت العالم وشجعت العنف واحدثت اكبر تهديد لما يسمى “الديمقراطية الامريكية” منذ اكثر من مائتي عام. وهكذا اصبح ترامب يقضي ايامه الاخيرة في البيت الابيض منبوذا حتى من نائبه، مايك بنس الذي تمرد عليه ورفض الامتثال لاوامره بتعطيل النتائج الانتخابية ورفض رئاسة بايدن. كما ان منعه من استخدام تويتر وفيسبوك وسواهما كان صفعة غير متوقعة لشخص يفترض ان يكون الرجل الاقوى في العالم. المشكلة ان هذه المواقف جاءت متأخرة بعد ان احدث ترامب من الدمار السياسي والامني والاخلاقي ما لم يفعله احد ممن سبقه في البيت الابيض. كما ليس معلوما ما اذا كان قرار حرمانه من استخدام تلك الوسائل دائما ام سيلغَى بعد مغادرته البيت الابيض.

 

ومن بين القرارات التي اتخذتها ادارته، تصنيف كافة الجهات الرافضة للاحتلال الاسرائيلي ضمن لائحة الارهاب. وهنا ينفتح مجال واسع للجدل الفكري والثقافي بالاضافة للابعاد السياسية حول هذه القضية التي ما فتئت تتحدى العلم ومفكريه وسياسييه. فما هو الارهاب؟ ومن هم الارهابيون؟ وما هو العمل الذي يعتبر إرهابا؟ هذه تحديات كبيرة ليس لادارة بايدن المقبلة فحسب، بل للمجتمع الدولي الذي عجز حتى الآن عن وضع تعريفات حاسمة لما يسمى “الارهاب”. وسيظل العالم منقسما ازاء هذه القضايا نظرا لعدم تجرد السياسيين عن انتماءاتهم ومواقفهم ومنطلقاتهم عندما يناقشون قضايا ايديولوجية من هذا النوع. فمن يصنفه الامريكيون “ارهابيا” يعتبره آخرون “بطلا” او “مضحيا”. مشكلة السياسة الامريكية انها التزمت بموقف سياسي ثابت يقضي بتوفير الدعم المطلق للاحتلال الاسرائيلي واغلقت كافة المنافذ للاطلال على القضية الكبرى من زواياها المتعددة. فالموقف الامريكي تابع تماما للسياسة الاسرائيلية، خصوصا في ظل رئاسة ترامب ووزير خارجيته بومبيو. هذه النظرة ادت لوضع امريكا في خانة العداء للقضايا الاسلامية والعربية، خصوصا عندما دشن رئاسته بقراره السيء الصيت الذي يمنع المواطنين من سبع دول اسلامية من دخول الاراضي الامريكية. ومنذ ذلك الوقت لم تتغير سياسات ترامب او بومبيو،  فصدرت عنهما قرارات عديدة في مقدمتها معاقبة الافراد المرتبطين بجهات لا تنسجم مع السياسات الامريكية. فقد فرضت واشنطن عقوبات على ثلاثة فلسطينيين محسوبين على “حماس” وعلى عناصر تابعة لحزب الله اللبناني بسبب مواقف الحزب من “اسرائيل” وتم تجميد ارصدة بعضهم ومنهم وزير الزراعة اللبناني. ففي سبتمبر الماضي اعلنت وزارة الخزانة الأميركية، فرض عقوبات على الوزيرين اللبنانيين السابقين علي حسن خليل، ويوسف فنيانوس. وفي نوفمبر فرضت وزارة الخزانة الأمريكية، الجمعة، عقوبات على وزير الخارجية اللبناني السابق جبران باسيل.

 

وفي شهر فبراير فرضت وزارة الخزانة الأمريكية، الخميس، عقوبات على خمسة مسؤولين إيرانيين، بينهم رئيس مجلس صيانة الدستور آية الله أحمد جنتي. وعباس علي كدخدايي، المتحدث باسم المجلس، وآية الله محمد يزدي عضو مجلس خبراء القيادة الإيرانية الذي توفي في 9 ديسمبر، وعضوي المجلس سيامك ره بيك، ومحمد حسن صادقي مقدم. وفي ديسمبر 2019 أدرج مكتب الرقابة على الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية (OFAC) على قائمة العقوبات ثلاثة من قادة التنظيمات العراقية المسلحة: الشيخ قيس الخزعلي، ليث الخزعلي، وحسين فالح عبد العزيز اللامي. وقبل عشرة ايام فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على رئيس هيئة الحشد الشعبي في العراق فالح الفياض. وأخيرا أعلنت الحكومة الأمريكية في العاشر من هذا الشهر أن الولايات المتحدة ستصنف  الطرف الاقوى في اليمن على قائمتها السوداء للجماعات “الإرهابية”. وقد اعترضت جهات دولية على استهداف جماعة “أنصار الله” بهذا الشكل.  فدعا ثلاثة مسؤولين كبار في الأمم المتحدة إلى إلغاء القرار، وحذروا من أن التصنيف سيدفع البلاد صوب مجاعة على نطاق واسع وسيعرقل جهود السلام. ووجه مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن مارتن جريفيث ومارك لوكوك مسؤول المساعدات بالأمم المتحدة وديفيد بيزلي المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي التحذيرات خلال اجتماع في مجلس الأمن الدولي يوم الخميس الماضي. وقال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو جوتيريش إن الأمين العام يدعم دعوة مسؤوليه لواشنطن بالعدول عن قرارها. وعلى عكس الموقف الامريكي العدائي، كان موقف اليمنين مسؤولا. قال كبير المفاوضين بجماعة الحوثي اليمنية إن الحركة لن تنسحب من محادثات السلام مع الأمم المتحدة والسعودية برغم القرار الامريكي.

 

هل هذه السياسات الامريكية تساعد حقا في خفض التوتر ومنع العنف ومحاصرة الارهاب؟ هذه واحدة من اهم القضايا التي يفترض ان تحظى باهتمام الادارة الامريكية الجديدة برئاسة جو بايدن. لقد بلغت حالة الاستقطاب السياسي والايديولوجي في العالم مستويات غير مسبوقة، وتفاقمت ظواهر العنصرية والتطرف والارهاب لأسباب على رأسها دعم امريكا غير المحدود للاحتلال الاسرائيلي وتجاهل الحقوق الفلسطينية، وتحدي القرارات الدولية حول ذلك، وكذلك وقوف واشنطن مع الاستبداد خصوصا في الشرق الاوسط. فإن لم يلتفت بايدن لهذه الحقائق ويلجم جماح السياسة الامريكية التي ساهمت في ذلك، فسيخيب آمال الذين راهنوا على فوزه وسقوط ترامب.

 

كاتب بحريني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق