مقالات

البحرين بعد رحيل خليفة بن سلمان

د. سعيد الشهابي

بعد قرابة نصف قرن على رأس السلطة التنفيذية، رحل رئيس وزراء البحرين الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة مخلفا وراءه تركة سياسية ثقيلة في بلد أثخنته جراح التوتر الداخلي طوال حقبة حكمه. وبرغم ان تأثيره المباشر على سياسات بلده تراجع كثيرا بعد وفاة اخيه، الشيخ عيسى في مارس 1999 واستلام نجل اخيه الحاكم الحالي مقاليد الحكم، الا ان شخصه بقي ماثلا لمن كان يتابع اوضاع ذلك البلد طوال العقدين الاخيرين. وقد عانى في السنوات الاخيرة من الشيخوخة والمرض وتلاشى دوره تقريبا، وهو الدور الذي قام به ولي العهد، سلمان بن حمد الذي عين هذا الاسبوع رئيسا للوزراء. وقد قام بهذا الدور مرارا في السنوات الاخيرة عندما كان عمه خارج البلاد. وثمة تساؤلات عديدة عما ستؤول اليه الامور في ظل تفرد الحاكم الحالي ونجله بالسلطة. والأرجح ان يتلاشى دور الشيخ حمد الذي توج نفسه ملكا في 14 فبراير 2002، وهو اليوم الذي ألغى فيه كذلك الدستور الذي توافق عليه الشعب والحكومة في العام 1973، بعد عامين من الانسحاب البريطاني. وكان من نتيجة ذلك اندلاع الثورة الشعبية في اليوم نفسه من العام 2011 ضمن ثورات الربيع العربي. وبعد عشر سنوات ما يزال التوتر سيد الموقف، وقد تصاعد بعد ولوج الحكم في دهليز التطبيع مع محتلي فلسطينز

 

كان خليفة بن سلمان سياسيا مخضرما لعب ادوارا سياسية وادارية خلال الحقبة الاستعمارية ثم اصبح رئيسا للوزراء بعد “انتهائها” نظريا. ويعتبر هواه “بريطانيًأ” منذ ان فتح عينيه على العمل السياسي في نهاية الخمسينات. فقد شهد، وهو شاب يافع، حيوية التوجهات التحررية والليبرالية لدى قطاع واسع من ابناء الشعب، خصوصا معاصرته الحركة الجماهيرية التي استمرت عامين (اكتوبر 1954- نوفمبر 1956). يومها كانت المشاعر القومية جياشة في نفوس الشباب الذي تأثر بالطروحات القومية المنطلقة من مصر عبد الناصر، والتوجهات التحررية التي كانت اصداؤها تدوي في دول العالم الثالث وتصك مسامع الرأي العام في البحرين ولم تكن محصورة بالطبقة المثقفة. يومها كانت الحرب الباردة تتصاعد ومعها انتشار الاحزاب الشيوعية وتأثيراتها في حركة الشارع العربي من شرقه الى غربه. كان خليفة بن سلمان يشاهد الصراع المحتدم ويشعر بعمق المشاعر الوطنية المعادية للاستعمار. في تلك الحقبة كان للاستعمار البريطاني تجلياته الاقليمية والمحلية. فكانت البحرين تدار عمليا من قبل ثلاث شخصيات سياسية بريطانية “المعتمد السياسي” و “المقيم السياسي” والمستشار تشارلز بليجريف الذي كان يدير الشؤون المحلية منذ العام 1926. كان خليفة بن سلمان يرصد ما يجري وعيناه على إدارة البلاد مستقبلا. ورأى الدور البريطاني المباشر في قمع تلك الانتفاضة بعد ان خرج الشعب محتجا ضد العدوان الثلاثي على مصر في نهاية اكتوبر وبداية نوفمبر 1956. وتبع ذلك نفي ثلاثة من قادة تلك الانتفاضة الى جزية “سانت هيلانة” وسط المحيط الاطلسي التي كان نابليون بونابر قد نفي اليها سابقا. هذه المشاعر بقيت مختزنة لديه، حتى بلغ الثلاثين من العمر وهو يمارس ادوارا ادارية وسياسية في ظل الحماية البريطانية. وفي غضون اقل من عقد كان ذو الثلاثين عاما يشهد تجدد الحراك الشعبي في انتفاضة مارس 1965 التي اندلعت في إثر تسريح شركة نفط البحرين (بابكو) 500 من الموظفين البحرانيين بذريعة التحول نحوالمزيد من التطوير الآلي بمصنع التكرير. ومرة اخرى تعرض الحراك لقمع شاركت فيه القوات البريطانية. واستعدادا لمرحلة ما بعد الانسحاب، استقدم المعتمد السياسي في البحرين آنذاك، أنتوني بارسونز (الذي اصبح لاحقا سفير بريطانيا لدى ايران ثم لدى الامم المتحدة خلال حرب فوكلاند في 1982)، في ابريل 1966 الضابط الاستعماري إيان هندرسون لإعادة بناء اجهزة الامن في البحرين. وهكذا اكتملت الاستعدادات للانسحاب.

 

كان لخليفة بن سلمان دور في المفاوضات التي جرت لتحديد مستقبل البحرين بعد اعلان حزب العمال البريطاني في 1968 قرار الانسحاب من كل المناطق شرقي السويس ومن ضمنها البحرين. تلك المفاوضات مع بريطانيا تمت بمشاركة ايران والسعودية، وتمخضت عن قرار الاستقلال بعد ان قبل الشاه الذي كانت بلاده تطالب بالسيادة على البحرين في مقابل سيطرته على الجزر الثلاث التي ما تزال الامارات تطالب بها، بما يقرره شعب البحرين. وفي العام 1970 ارسل الامين العام للامم المتحدة، بعثة استطلاعية لاستمزاج آراء اهل البحرين حول مستقبلهم برئاسة  نائبه الإيطالي ونسبير جويشياردي. ونجم عنها تأكد استقلال البحرين لتصبح دولة عربية مستقلة محكومة بتوافق بين الشعب وعائلة آل خليفة. ومع اكتمال الانسحاب البريطاني في منتصف اغسطس 1971 اصبح خليفة بن سلمان رئيسا للوزراء وبقي كذلك حتى وفاته. وحدثت بدايات إيجابية لمرحلة ما بعد الاستقلال، فحدثت اول انتخابات لمجلس تأسيسي وضع دستورا دائما للبلاد، ثم اجريت اول انتخابات برلمانية في ديسمبر 1973. كان بامكان رئيس الوزراء الحفاظ على تلك المكتسبات بعد عقود من الاضطراب السياسي. كان بامكانه تحقيق امرين: احداث توافق داخلي لدى العائلة الحاكمة على الاحتفاظ بهذه المكتسبات خصوصا الحفاظ على مبدأ الشراكة السياسية، وحماية الدستور العقدي الذي توافق الطرفان عليه. ويمكن القول ان الخطأ الاكبر الذي ارتكبه رئيس الوزراء الراحل انقلابه على ذلك الدستور بقرار حكومته تعليق العمل بمواده التي تنظم الممارسة البرلمانية. وسبق ذلك محاولة الحكومة تمرير مشروع بقانون “امن الدولة” الذي يسمح لوزير الداخلية بالامر باعتقال اي مواطن يشتبه في نشاطه السياسي، لمدة ثلاث سنوات بدون محاكمة، قابلة للتجديد. وهنا ظهر التوافق الوطني بين اعضاء المجلس الوطني الاسلاميين والليبراليين وتم إفشال المشروع. فجاء قرار خليفة بن سلمان الذي أدخل البلاد ما سمي الحقبة السوداء التي استمرت حتى العام 2000. ففي اغسطس 1975 اصدر مجلس الوزراء قرارا بتعليق المواد الدستورية المذكورة وحل المجلس الوطني.

 

طوال ربع قرن بعد ذلك استمر الاحتقان السياسي والتوترات الامنية، بدأت تلك الحقبة باعتقال اعضاء المجلس المنحل من ذوي الاتجاهات اليسارية والليبرالية ومنهم محمد جابر صباح وعلي ربيعة وعبد الهادي خلف. وبدأت السجون بالاكتظاظ فيما تواصل التوتر والاحتقان السياسي ظاهرتين مقلقتين لمن كان يتابع اوضاع البحرين. وفي الثمانينات اشتدت وتيرة القمع. هذه المرة كانت اوضاع المنطقة بعد الثورة الاسلامية في ايران تزداد اضطرابا، بتعمق الخشية من انعكاساتها على الجانب الجنوبي من الخليج. وتشكل مجلس التعاون الخليجي في العام 1981 لكي يوفر مظلة امنية لحكومات الدول الاعضاء.

 

كانت شخصية خليفة بن سلمان طاغية على  المشهدين السياسي والامني في البحرين. وتواصل نهجه بقمع معارضيه “الاسلاميين” طوال حقبة الثمانينات. وبرغم ارتفاع بعض الاصوات في الغرب منتقدة التدخل العسكري في الكويت في العام 1991 ومتسائلة عن جدوى الاستمرار في الدفاع عن انظمة سياسية غير ديمقراطية الا ان شيئا ايجابيا لم يحدث بعد الحرب. وحدثت الانتفاضة الشعبية في البحرين واستمرت خمسة اعوام حتى نهاية التسعينات واظهرت اليد القاسية لجهاز الامن بادارة الضابط البريطاني، ايان هندرسون استحالة التحول الديمقراطي او حدوث تطورات حقيقية في مجال حقوق الانسان. وبوفاة الحاكم، عيسى بن سلمان آل خليفة في مارس 1999 ووصول نجله الى الحكم تغير ميزان القوى الداخلي لغير صالح رئيس الوزراء، وبشكل تدريجي تم تهميشه، ولكن بقي في منصبه عشرين عاما اخرى، حفاظا على إظهار “وحدة العائلة”. كان خليفة بن سلمان أكثر ميلا للسعودية مقارنة بالحاكم الجديد وميوله للامارات. كما كان له بعد “عروبي” نسبي، ولم تسجل له زيارات كثيرة لبريطانيا، خصوصا بعد تهديد معارضيه بمحاكمته بارتكاب جرائم ضد الانسانية. كان سياسيا قديرا اتقن فنون المراوغة ولكنه لم يستطع ادارة ملفاته الداخلية مع شعبه. وبالاضافة لاستحوذه على الحكم دخل مجال التجارة على نطاق واسع، وتقدر امبراطوريته التجارية التي وصلت الى ماليزيا وتايلاندا باكثر من عشرة مليارات دولا. وقد اختلف مع ابن اخيه حول مساحة كل منهما السياسية، وفشل في تحقيق تقدم يذكر لصالح تعيين ابنائه في منظومة الحكم، بينما كان حمد بن عيسى مصرا على التشبث بالحكم مؤكدا “ان حكم البحرين يجري في صلب الشيخ عيسى، ابتداء بنجله الاكبر ويستمر في ذريته”. خليفة بن سلمان الذي مزج بين التجارة والسياسة، كان شرسا مع معارضيه، واستعان عليهم بفريق امني لا يرحم، ولكنه لم يستطع مواجهة المنافسة الداخلية من اوساط العائلة الحاكمة، وقد واجه اخاه الاصغر، محمد، مرة في “سوق واقف” وضربه بالعقال امام الآخرين. ولكنه كان تحت رحمة نظام الاستخلاف الذي منح ابن اخيه الحكم بعد وفاة والده، فاصبح رئيس الوزراء يزداد تهميشا بمرور الوقت، واسترد الديوان الملكي مفاصل السلطة، حتى اصبح يفرض على رئيس الوزراء اعضاء حكومته.

 

البحرين ما بعد خليفة بن سلمان لن تختلف عما كانت عليه في عهده، فثوابت العائلة الحاكمة لا تتغير، ولم يكن من هذه الثوابت الالتزام بتوافق وطني او البحث عن اجماع وطني إزاء القضايا الكبرى، ابتداء بالحكم، مرورا بالعلاقات مع الدول الاخرى خصوصا “الشقيقة الكبرى” وصولا الى التطبيع مع “اسرائيل”. وبرغم ان خليفة بن سلمان لم يتواصل مع الاسرائيليين بشكل مكشوف الا ان قرار ابن اخيه كان نافذا ولم يسع رئيس الوزراء لمنع حدوثه. ربما التطور الجديد بعد رحيل خليفة ان الديوان الملكي قد لا يتدخل في شؤون مجلس الوزراء كما كان يفعل سابقا، لان حمد فوّض نجله الاكبر صلاحية  الحكم واختيار الوزراء، ويتوقع تصاعد المنافسة بين رئيس الوزرء الجديد الذي يعتبر من المتحمسين للتطبيع وأخويه ناصر وخالد، وان كانت هناك حالات اجتمع الثلاثة فيها كما يحدث هذه الايام مع الاندية الرياضية التي يشتركون جميعا لشرائها (نادي قرطبة لكرة القدم، نادي باريس، بالاضافة لحلبة سباق السيارات “فورمولا 1). أما موضوع الاصلاح وحلحلة  الازمتين السياسية والامنية فيبدو انه خارج أجندة رئيس الوزرء الجديد والعائلة  الحاكمة، الامر الذي جعل البحرين على مرجل من نار منذ عقود، ولا يتوقع لها الاستقرار الحقيقي نظرا لغياب مبادرات اصلاحية من قبل رجال الحكم.

 

كاتب بحريني

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق