مقالات

مشاعر وجدانية بين جدران أربعة

 د. سعيد الشهابي

لستُ الوحيدَ الذي لم يخرج من باب منزله منذ الثاني عشر من مارس الماضي، قبل ان تعلن الحكومة البريطانية في 23 من ذلك الشهر حجرا شاملا في كافة مقاطعات البلاد، استمر بشكل كامل حتى خُفف قليلا الاسبوع الماضي. منذ ذلك اليوم قررت ان أهييْ بمنزلي مكتبا أزاول عملي منه لكي لا تفوتني الاستفادة من هذه الفرصة السانحة. فمنذ بعض سنوات وانا أسعى لاقتناص الوقت لكي أكمل مهمات شخصية عالقة اغلبها مرتبط بالكتابة. وبطلب من الاصدقاء عكفت على تدوين بعض ما بقي في النفس من ذكريات يستحق بعضها التدوين. فمن منا ليس لديه شيء مما يرغب نقله للآخرين، بدافع المباهاة احيانا والحرص على نقل التجربة أحيانا أخرى، وثالثة من اجل المساهمة في تثبيت بعض وقائع التاريخ ذي الاهمية في الدوائر الصغيرة التي عاش الشخص ضمنها. ما أكثر الوعود قبل انتشار كورونا، بالفرار من المكتب والانعزال عن العالم شهرا، فلعل ذلك يساهم في تخفيف عبء الشعور بالتقصير في إتمام هذه المهمة. وشاءت الاقدار ان ينتشر فيروس صغير قلب موازين الدنيا وحقائقها، وأظهر ضعف الجنس البشري وهشاشته امام قوى الطبيعة، التي أعتبرُها من منظور ديني، تجليا للقوانين الالهية التي تحكم الكون. فها أنذا محصور بين جدران أربعة، مجبر على العمل الذي لا يتوقف طوال النهار. ولا بد ان أعترف بان لدي ولعا بالتدوين والكتابة، السياسية في اغلبها، والتي لا تخلو من أبعاد ادبية، خصوصا الشعر. ومع انني أتفاعل مع أنماط الشعر الحديثة، ولكنني أكثر التصاقا بالشعر العمودي المقفّى، بل ان خيالي الشعري يميل نحو الانماط القديمة التي ينقصها الخيال احيانا ولكنها ثرية بمتانة الحبك والمعنى.

 

لست الوحيد الذي يقول انه لم يعش في حياته تجربة كهذه التي يعيشها الجميع هذه الايام. فقد اصبح الحجر الصحي نمط الحياة الاجتماعية الشائع منذ مطلع هذا العام تقريبا، ولا تبدو له نهاية كاملة في الافق المنظور برغم محاولة بعض الدول انهاءه. ونظرا لطبيعة عملي ككاتب فان الاطلاع على الانتاج الاعلامي والثقافي ضرورة لتوفير المادة للكتابة او التعليق. ويوفر الفضاء الالكتروني قدرا كبيرا من ذلك، ولكن اعتدت منذ ايام الدراسة الجامعية في السبعينات قراءة صحيفة “التايمز” يوميا بدون انقطاع، برغم اختلاف التوجه الفكري والسياسي مع هذه الصحيفة اليمينية التي تعتبر امتدادا لـ “المؤسسة” البريطانية. لم يتوقف وصول الجريدة برغم الحجر. وبينما اعتاد البشر على اعتبار جهاز الهاتف الذكي مصدرهم الاول لتواصلهم مع الحياة العامة، فقد رفضت امتلاك هاتف نقال بشكل مطلق. ورأيت في الاعلام المكتوب والمرئي ما يكفي لتوفير ما احتاجه من معلومات.

 

قضايا كثيرة تصطرع في الذهن بين الجدران الاربعة، منها ما هو شخصي وما هو مرتبط بالفضاء العام خصوصا عالم السياسة. فبرغم انقطاع التواصل العملي مع الآخرين خلال شهر رمضان المبارك، الا ان الجالية المسلمة وجدت في الفضاء الالكتروني وسيلة للتواصل. فها انذا أنصت لقرّاء القرآن من كافة  البلدان، ولا يقل أهمية عن ذلك مشاركتي في اللقاءات الافتراضية تنظيما وحضورا. فخلال الاسبوع الماضي حضرت نقاشا نظمه نادي الخليج الثقافي بالتعاون مع منظمة “اوبن ديسكشن” بعنوان: “معرفة النفس في شهر رمضان خلال الحجر” بمشاركة عدد من المفكرين المسلمين وغيرهم، واجتماعات رمضانية حول القرآن الكريم والصوم والعبادة بتنظيم من مؤسسات عديدة من بينها “الأبرار” و “دار الحكمة”. كما أتحدث هاتفيا مع رفاق الطريق الطويل كالاستاذ ابراهيم منير وعلي قباني وكمال هلباوي، وعلماء دين ونشطاء آخرين من بلدان شتى. هذا العام افتقدت حضور الصائمين لمنزلنا للافطار الرمضاني الذي طالما حضره رموز من الجالية المسلمة في لندن وطرحت فيه نقاشات حول الامة ووحدتها وهمومها. هذا التجمع الروحي لم يتوقف حتى في أحلك أيام الأزمة المذهبية. لكن ذلك لم يمنع التواصل مع الاصدقاء الذين عاد بعضهم الى بلده ليمارس دوره من منصبه السياسي هناك. فالشيخ راشد الغنوشي لم يتخل عن تواصله برسالة تبريك رمضانية تكشف عمق الهم المشترك، برغم انه رئيس برلمان تونس، بينما الكاتب معارض يعيش في منفاه: “تحياتي وتبريكاتي برمضان للاخ العزيز سعيد الشهابي ولكل المسلمين داعيا الرحمن ان يرفع عن الامة والبشرية ما نزل بها من بلاء انه قريب سميع مجيب الدعاء“.

 

في اجواء الحجر الصحي لا تنفك السياسة وهموم الامة عن الاوضاع المعيشية للبشر في ظل جائحة كورونا، والتساؤلات التي تفرض نفسها وتستدعي اجابات مناسبة: لماذا اصبحت بريطانيا الدولة الثانية في العالم الغربي من حيث الاصابات والوفيات بعد الولايات المتحدة؟ هذا التساؤل يفرض نفسه وانا انظر من نافذتي المطلة على ا لشارع، فأرى منها بعض “الشجعان” او “المتهورين” وهم قلة، يقطعون الطريق وقد غطت وجوههم الاقنعة التي يفترض ان تقي من فيروس كورونا. وأستغرب حين أرى على شاشات التلفزيون كيف حصد الوباء ارواح كبار السن في دور العجزة بدون رحمة برغم الانذارات التي وجهت للسلطات بانتشار الوباء منذ نهاية شهر فبراير الماضي. في هذا البلد “المتطور” ما تزال الطواقم الطبية تفتقر للملابس الواقية، وما يزال فحص المواطنين غير متوفر الا ضمن نطاق محدود. يضاف الى ذلك عجز العالم عن توفير المصل المضاد للمرض او العلاج الناجع. في هذا الجو أقرأ قصص الاوبئة عبر التاريخ ومنها انتشار وباء الطاعون في اوروبا في القرن الرابع عشر ووباء الانفلونزا الاسبانية عند نهاية الحرب العالمية الاولى في العام 1918. نقرأ من ذلك ان الاوبئة كثيرا ما ادت لتغيرات كبيرة في التوازنات السياسية الدولية والتحالفات، ووفرت فرصا لحضارات تزول واخرى تنهض. وفي اجواء الحجر الذي نعيشه تكتظ وسائل الاعلام بالتحليلات والنقاشات حول الصراع السياسي والايديولوجي الذي يتصاعد بين امريكا والصين، وكيف ان الرئيس الامريكي تحول الى ظاهرة مقرفة اولا بالاستخفاف بخطر الفيروس ثم وعده بانهاء الحجر مع حلول عيد الفصح (في 11 ابريل الماضي) وصولا لاقتراحه شرب المعقمات لقتل الفيروس في جسم الانسان، ورابعا اقراره القرارات الاسرائيلية الاخيرة ضم الضفة الغربية لنظام الاحتلال بعد ضم الجولان.

 

العيش بمعزل جسدي على العالم لا يعني عزل الفكر او الحجر على التفكير. فشهر رمضان وفر للصائمين اجواء العبادة الفردية والتدبر والتفكر والإمعان في القرآن الكريم، وعمّق المشاعر الانسانية لدى الكثيرين منهم، وشجع بعضهم لدعم المؤسسات الخيرية الاسلامية وغيرها التي تجمع المعونات للفقراء واليتامى وضحايا الحرب والوباء. كما انه فتح عيون الكثيرين على اوضاع الشعوب الواقعة تحت الاحتلال والظلم. فانتشار الوباء في الاراضي الفلسطينية التي تعيش تحت الحصار كشف قسوة الاحتلال خصوصا ارتكاب جنوده القتل بدم بارد كما فعلوا في 13 مايو مع مصطفى يونس (27 عاما) امام مستشفى بتل أبيب والطفل زيد فضل قيسية ١٥ بمخيم الفوار في مدينة الخليل. هذه الجرائم دفعت النشطاء العرب لحراكات متعددة من بينها عقد ندوات في الفضاء الافتراضي ضد التطبيع. وشاهد الكثيرون كيف تدخلت سلطات البحرين في 12 مايو لوقف ندوة ضد التطبيع بعد نصف ساعة من بدئها. كما فرض هذا الحجر تغيير نمط الاحتفاء باليوم العالمي للقدس في الجمعة  الاخيرة من شهر رمضان، فانطلقت دعوات لرفع علم فلسطين من سطوح المنازل ومناقشة القدس في الفضاء الالكتروني والدعوة لمقاطعة التمر الاسرائيلي خلال شهر رمضان. هذه الهموم لا يقلل من شأنها او يمنع التعبير عنها توقف الحياة بسبب الفيروس.

 

العيش بين الجدران الاربعة كثيرا ما دفعني لوقف العمل ساعة للاسترخاء والتفكير، وممارسة شيء من الرياضة في الحديقة الخلفية للمنزل. فمتى سينتهي هذا الحجر؟ ومتى سنلتقي باحبتنا بشكل طبيعي؟ منظمة الصحة العالمية حذرت ان الفيروس قد لا ينتهي ابدا وقد يفرض التعايش معه في المجتمعات. فكيف نتعامل مع نمط جديد من العيش؟ نقرأ عن تصاعد حالات القلق والامراض النفسية خصوصا بين الافراد الذين يعيشون وحدهم. القلق هنا لا ينحصر بالفرد ونمط حياته ووضعه الصحي او المادي، بل يدفع للتفكير في الآخرين. اتصل احد افراد الجالية بعد تعافيه من المرض وقال: لدينا جهاز تنفس جيد فاخبرونا اذا احتاجه احد. وفي اليوم نفسه أعطي لسيدة مصابة فاستفادت منه وتعافت. الفطرة الانسانية تدفع للتفكير في الآخرين. ماذا عن السجناء السياسيين المهددين بالفناء ان انتشر الوباء في اوساطهم؟ النشطاء البحرانيون يضغطون على حكومتهم للافراج عن معتقليهم السياسيين وبعضهم في السبعينات من العمر. وثمة مطالبات لا تتوقف باطلاق سراح النساء المسجونات في السعودية والبحرين و “اسرائيل”. ثمة حاجة لعالم يمارس الانسانية لتحقيق ذلك، ويسعى لرفع الحصار السعودي – الاماراتي على اليمن الذي بدأ الوباء يجتاحه. أليس هناك في هذا العالم من يضغط على الرياض التي رفعت الاسبوع الماضي الضريبة المضافة من 5 الى 15 بالمائة، وإجبار محمد بن سلمان لوقف الحرب على اليمن؟

 

مشاعر الحجر الصحي متفرقة ومتفاوتة وقد تدفع الانسان بعيدا عن التركيز احيانا. بالامس نعت الجامعة العربية امينها العام الاسبق، الشاذلي القليبي، فكيف كانت هذه المؤسسة آنذاك؟ وكيف أصبحت الآن بعد ان تم تحييدها وتجميد دورها بفعل هيمنة المال النفطي على اعضائها؟ لماذا لم نسمع من الجامعة العربية الاسبوع الماضي موقفا واضحا حول النكبة في فلسطين التي حدثت في 15 مايو 1948؟ ألا يفترض ان توفر هذه المؤسسة قيادة فاعلة لأمة متشرذمة نتيجة سياسات قوى الثورة المضادة؟ أليس مطلوبا منها ان تتصدر المشهد لتنظيم سياسات لمكافحة الوباء ودعم الشعوب وتحرير الارض والحفاظ على وحدة الامة والضرب على ايدي العابثين من الحكام الذين مزقوها بدوافع شتى في مقدمتها الرغبة في التوسع والهيمنة؟ آمل ان لا يستمر الحجر طويلا، وان كنت قد تكيفت معه واصبحت امارس عملي بشكل شبه طبيعي، ولكنه أفقدني، مع تقدم السن، الوجه الانساني للحياة، وتبادل الحب والتقدير وجها لوجه مع الخيّرين من البشر، وما أكثرهم. اللهم احفظ الانسانية.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق