مقالات

🔶 *في يوم من الأيام* 🔶

في يوم من أيام السبت، كنت أسيرُ في طريقي إلى مسجد الشيخ خلف للتشرف بصلاة الجماعة خلف فضيلة الأستاذ عبدالوهاب حسين –كما هي العادة الأسبوعية-، ومن محاسن الصدف أن مسير البيت إلى المسجد يمر عبر بيت الأستاذ.

حينها لم يكن عمري قد تجاوز الرابعة عشر أو الثالثة عشر وكنت طفلا صغيرا مغمورا بأحلامه، مشتعلا بمشاعره، ومتأثرا بالجو السياسي المرتبك في السنوات التي سبقت الثورة، وبطبيعة الحال كان من المنطقي أن تكون شخصية الأستاذ بالنسبة لي مميزة، فهو صاحب كاريزما خاصة في عالم السياسة وله تاريخ جهادي كبير يشهد به الجميع، ومن حق أي بحراني أن يتأثر به فكيف إذا كان ابن قريته .. إلّا أن إعجابي بشخصية الأستاذ لم يكن من هذا الباب، بل لم يخطر في بالي يوما (حتى سنة 2010 والأيام التي سبقت الثورة) أن مكانة الأستاذ في نفسي نابعة من حركته الجهادية أولا وأخيرا وإن كان لذلك أثر ملموس، إنما شخصية الأستاذ كانت أكبر من ذلك بكثير ويمكن لأي شخص عاشر الأستاذ عن قرب أن يدرك هذا بيسر .. فالأستاذ قبل أن يكون سياسيا كان إيمانيا، عقائديا، علميا، والأهم من ذلك أخلاقيا قد ربى نفسه وأدبها قبل أن ينطلق إلى خدمة المجتمع والأمة.

بالعودة إلى يوم السبت ذاك، أذكر أن الجو كان حارا كما هي أيام الصيف في البحرين ولم يكن ذلك بالشيء الجديد، غير أن أشعة الشمس المتربعة في السماء لم تكن تطاق، لقد كانت شديدة لدرجة تشعر بأنها تخترق الرأس والعيون لتصل إلى الدماغ! .. خاطبتني نفسي: “ربما من الأفضل أن تعود للمنزل، تصلي هناك، ثم تأكل مجبوس الوالدة بشهية مفتوحة”، وهل حرارة جو أو شدة أشعة شمس تثنيني عن نيل ثواب صلاة الجماعة؟! “كلا، سأذهب للمسجد” .. كنت وقتها قد وصلت إلى “الزرنوق” الفاصل بين بيت الحاج ماجد ومجلس الأستاذ، ولم التفت لنفسي إلا عندما رأيت باب بيت الأستاذ، هنا هبت موجة من المشاعر مشفوعة بتمني انفتاح الباب وخروج الأستاذ في هذه اللحظة لعلي أسلم عليه وأظفر منه بقبلة مليئة بالعطف والحنان.

فقد كان الأستاذ من تواضعه وعلو أخلاقه وجميل عطفه أن يحسن في السلام حتى للطفل الصغير، وكان لسلامه وتقبيله أثر لطيف على نفسي يجعلها تعيش معاني المحبة والجمال، وكم من مرة كنت أنتظر أن يتم الأستاذ نوافله بعد صلاة الجماعة في مسجد الشيخ أحمد فقط من أجل نيل سلام وقبلة منه .. ومما يكشف عن حقيقة أخلاق هذا الرجل وعدم تصنعه أنه حتى لو جمعت الصدفة بيني أنا الطفل الصغير وهو الأستاذ الكبير في شارع من شوارع القرية فإنه كذلك يعاملني ويسلم علي كما يفعل ذلك أمام الناس.

تجاوزت بيت الأستاذ ولم يخرج هو من بيته، “حسنا سأراه في المسجد بالتأكيد” .. بعد عدة خطوات وخلف مأتم آل إسماعيل أحدهم يضرب بوق سيارته، التفت إلى جانبي فإذا هي سيارة جيب صغيرة لونها زيتي –كما أذكر-، وقفت السيارة وبدأت نافذة الباب بالنزول، وهنا كانت المفاجأة، الأستاذ عبد الوهاب حسين بشحمه ولحمه.

*الأستاذ:* “رايح صلاة الجماعة؟”

*أنا:* “أي”

*الأستاذ:* “اركب بوصلك”

*أنا بكل خجل وارتباك:* “لا لا عادي بروح مشي” هههههه

*الأستاذ:* “الجو حار، وأنا رايح المسجد بعد، يلا اركب”

ركبت السيارة ومشاعري مختلطة بين الفرح والارتباك، فأنا مع شخصية كبيرة في مكان واحد وبالتأكيد ستجمعني به محاورة ما، ماذا سيقول؟ وكيف سأرد؟!

*الأستاذ بعد السلام علي والسؤال عن حالي وحال أبي وأسرتي:* “اسمك عقيل، صح؟”

*أنا:* “أي”

*الأستاذ:* “ويش كنيتك؟”

*أنا:* “كنيتي أبو محسن” وقبل أن يسألني الأستاذ عن سبب هذه الكنية الغريبة على اسمي نوعا ما باغته بالتعليل “عقيل يكنونه أبو مسلم، والأفضل من المسلم هو المؤمن، والأفضل من المؤمن هو التقي، والأفضل منهم كلهم هو المحسن .. فأنا أبو محسن”

*الأستاذ بعد أن سكت قليلا:* “أنت أبو محمد”

*أنا من دون أن أسأل عن السبب أو أناقش:* “إن شاء الله” كما ترى يا أستاذ.

ولله الحمد صرت أبا محمد وقد جاء محمد. 🌹🌹

 

جاءت هذه الخاطرة في ذهني عند التفكير بمنهج الأستاذ عبد الوهاب حسين في تعاطيه السياسي والاجتماعي مع كل الأطراف، الصديق، المنافس، والعدو، فالملاحظ أن فضيلته قبل الإقدام على أي خطوة يغلب الجنبة الشرعية والأخلاقية على المصلحة والنتيجة المترتبة على عمله، ولذا كان أشد ما آلمه هو اتهامه بأنه ضد العلماء وضد الدين، وآلمه التجاوز الأخلاقي في حقه عندما أجرى حوارات مع من يختلفون معه في الرؤية السياسية، فكيف لرجل أفنى عمره في خدمة الدين والأمة على المستوى الاجتماعي والسياسي ولاقى ما لاقاه في هذا الطريق أن يكون ضد الشرع والعلماء؟!! .. رغم ذلك بقي الأستاذ على منهجه الأخلاقي ولم يقبل أبدا إلا أن يقابل المسيئين له من الأصدقاء بالإحسان والطريقة الطيبة.

وما أحوجنا اليوم في عملنا الاجتماعي والسياسي أن نتشبث بالشرع ونغلب الأخلاق في التعاطي مع خلافاتنا البينية، سواء كانت بين الأطياف المختلفة أم بين أفراد الطيف الواحد، ونعزز الحالة الإيمانية والرابطة الأخوية على حساب سوء الظن، وعيش نظرية المؤامرة، وعرقلة عمل الآخرين .. ولا ننسى أننا أبناء المنهج الواحد والبيت الواحد وأن كل ما نختلف عليه يذوب على ساحل الإيمان والولاية.

الاختلاف بين البشر وبين المؤمنين أنفسهم حالة طبيعية وسنة اجتماعية تكررت على مدى التاريخ بسبب عوامل كثيرة، منها الثقافة والتفكير والاستذواقات الشخصية. يقول الله في محكم كتابه الكريم: “وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ”؛ فالاختلاف وتعدد الآراء بين البشر والمؤمنين على هذا الأساس أمر واقع، ومن هنا تظهر الحاجة في كيفية ترشيده وإدارته والاستفادة منه في الوصول إلى نتائج إيجابية تخدم المصلحة الجماعية للأمة.

*فرج الله عنك أستاذنا الغالي وأرجعك إلى أهلك ووطنك ومحبيك في القريب العاجل.*

*عقيل الفرهود*
*٨ مارس ٢٠٢٠*
*بالقرب من حرم أهل البيت – قم المقدسة*

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق