مقالات

تسع سنوات على الربيع العربي: ثورة البحرين مثالاً

 

 

 

https://www.alquds.co.uk/%d8%aa%d8%b3%d8%b9-%d8%b3%d9%86%d9%88%d8%a7%d8%aa-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a-%d8%ab%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%ad%d8%b1/

 

د. سعيد الشهابي

تتباين المشاعر الشعبية في العالم العربي، خصوصا البلدان التي شهدت ثورات الربيع العربي قبل تسعة اعوام، بين الامل بحتمية حدوث التغيير او استمرار القمع والاضطهاد. مشاعر الامل تتأسس على الايمان بالسنن الالهية والقوانين الاجتماعية التي تؤكد امورا عديدة: اولها ان الظلم لا يدوم، وان الاستبداد لا يؤسس دولة حديثة، وان عشق الانسان للحرية لا يمكن تجاوزه او كسره، وان الجهود المبذولة للتغيير لا تضيع، وان الشعب الناهض لا يمكن هزيمته. اما مشاعر الاحباط فما اكثرها في عالم ساد فيه الاستبداد من جهة والجهل الملازم للتعصب والغرور من جهة اخرى. هذه المشاعر تدعمها نتائج الثورات التي انطلقت ضمن ظاهرة “الربيع العربي” واغلبها كان سلبيا. فحتى تونس لم تحقق التغيير الذي كان شعبها من خلال ثورته يهدف اليه. ومصر سقطت تحت حكم العسكر وتراجعت اوضاعها حتى اصبحت أسوأ مما كانت عليه. اما ليبيا فما تزال غير قادرة على الاستقرار نظرا لضغوط قوى الثورة المضادة التي تدعم ضابطا عسكريا متمردا يسعى لاسقاط التجربة الديمقراطية المحدودة التي اعترف بها العالم. وتحولت ثورة سوريا الى حرب اهلية طاحنة اتت على الاخضر واليابس وما يزال شعبها يعاني من التشرد والتمزق والعنف. وتدخلت قوى الثورة المضادة كذلك لاجهاض ثورة اليمن بحصر التغيير بازالة رأس الحكم، كما حدث في مصر وتونس. ولما حدث تمرد داخلي على ذلك شنت قوى الثورة  المضادة حربا شعواء ادت الى اكبر كارثة انسانية معاصرة تتوالى فصولها حتى الآن. وبقيت البحرين التي شارك شعبها بثورة هي الاكبر في تاريخه، أداة بأيدي قوى الثورة المضادة التي أطلقت العنان لذراعها العسكري للتدخل المباشر في منتصف مارس 2011، ولكنها لم تنجح تماما في اخماد تلك الثورة التي احيا شعبها ذكراها التاسعة الاسبوع الماضي. ويعمق مشاعر التشاؤم ما يحدث في السودان التي انطلق شعبها قبل عام في ثورة عارمة، سرعان ما التفت قوى الثورة المضادة عليها بنمطها المعروف، فأزاحت رأس السلطة وابقت الحكم العسكري وأخضعت قراره لمراكز خارجية ابرزها دولة الامارات. وبدلا من ان يستبدل حكم العسكر بحكم مدني، تراجعت اوضاع السودان كثيرا بعد فرض عناصر ضعيفة لادارته. هذه العناصر، بدلا من العودة للشعب لاستمداد قوة الموقف والسياسة منه، استسلمت للشروط الامريكية بشكل مذل. فاستجدت من واشنطن رفع السودان من قائمة الدول الداعمة للارهاب، وسعى قادتها العسكريون لمد العلاقات مع “اسرائيل” ضمن سياسة جديدة تجسدت في لقاء مهين في اوغندا ضم الرئيس السوداني عبد الفتاح البرهان ورئيس وزراء الكيان الاسرائيلي. واخيرا قرر العسكر تسليم رئيسهم السابق، عمر البشير، الى محكمة الجنايات الدولية بتهم من بينها القيام بحرب إبادة في دارفور. من صاغ هذه السياسات؟ من المسؤول عن استهداف الشعوب العربية سياسيا واقتصادية وامنيا؟

 

من الذي نهب اموال دول الخليج في السنوات الاخيرة حتى وضعها على حافة الافلاس. ووفقا لتقرير اصدره الاسبوع الماضي صندوق النقد الدولي تواجه دول مجلس التعاون مستقبلا اقتصاديا مزريا قد يوصلها الى حافة الافلاس. ومن اسباب ذلك، وفقا للتقرير، الافراط في تبديد العائدات النفطية وتراجع الطلب العالمي على النفط. فما هي آفاق التغيير في هذه الامة التي تكالب عليها اعداؤها والجهال من ابنائها؟ ما مصاديق الادعاء بانها لن تموت او تستسلم للظلم او الاحتلال او الهيمنة؟ وكيف توصف مشاعر الشعوب التي ثارت قبل تسعة اعوام في هبة واحدة ضد الاستبداد؟ والى متى سيدوم الوضع الدولي متراجعا على الصعدان السياسية والامنية والاخلاقية؟

 

فيما هدأت محاور الثورات في اغلب البلدان المحكومة بالاستبداد المطلق، برزت حراكات عديدة في بلدان تمارس قدرا من الانفتاح السياسي مثل الجزائر والسودان والعراق ولبنان. فمن الذي استطاع قلب المثلث السياسي بهذه الصورة؟ أيا كان الامر فان بقاء اوضاع بلدان ثورات الربيع العربي على ما هي عليه الآن امر لا يمكن استمراره لانه مناقض لمباديء الاستقرار والامن المجتمعي ومسار التطور السياسي البشري. صحيح ان هذا المسار ليس ثابتا بل يشهد صعودا وهبوطا، كما هو عليه حال الغرب اليوم من تراجع في منظومته السياسية، ولكن يصعب الاعتقاد بقدرة الاستبداد على الاستمرار اذا كانت هناك شعوب ثائرة ضده. ويمكن القول ان تجربة البحرين، برغم صغرها الجغرافي، تؤكد ذلك. فبرغم تواجد قوات سعودية واماراتية وباكستانية هدفها اسناد نظام الحكم ومنع قيام ثورة حاسمة لاسقاطه، الا انها لم تستطع ازالة الاسباب التي دفعت اغلبية الشعب قبل تسعة اعوام للنزول الى الشوارع والتخندق في دوار اللؤلؤة شهرا كاملا. ذلك التدخل الذي فاجأ العالم كان اختبارا مهما جدا لتحديد سياسات التحالف السعودي – الاماراتي في السنوات اللاحقة. ويصر المعارضون البحرانيون على ان فشل المجتمع الدولي في التصدي لذلك الاجتياح شجع زعماء ذلك التحالف على انتهاج سياسة التدخل في شؤون الدول العربية الاخرى. فسرعان ما تصدى ذلك التحالف لثورة اليمن واجهضها بحصر التغيير بشخص الرئيس وفرض نائبه، عبد ربه منصور هادي، بديلا ضمن ما اطلق عليه “المبادرة الخليجية”. ولتأكيد الاصرار على منحى التوسع السياسي الاقليمي، شن ذلك التحالف حربه المدمرة في مارس 2015 على اليمن، وهي الحرب التي ما تزال مشتعلة حتى الآن برغم مآلاتها الكارثية، العسكرية والانسانية. فقد ادت لحدوث كارثة انسانية هي الكبرى في التاريخ المعاصر. ومن المؤكد ان توصيف ثورة البحرين آنذاك باوصاف خاطئة كالطائفية والارهاب، ساهم في تشجيع التحالف السعودي – الاماراتي على الاجتياح. كما ان غياب الموقف ازاء ذلك الاجتياح بعد وقوعه شجع التحالف على تكرار تدخله في حالات اخرى. فبعد البحرين واليمن تدخل التحالف في مصر لدعم العسكر بقيادة عبد الفتاح السيسي، وأزيح المرحوم الدكتور محمد مرسي عن الحكم بعد حملة اعلامية مكثفة ومنظمة وفرت اجواء لاسقاطه بدون ان يشعر احد بتدخل التحالف بشكل مباشر.

 

الحراك الميداني الواسع الذي شهدته مدن البحرين وقراها في الايام الاخيرة بمناسبة مرور تسعة اعوام على ما حدث في 2011 مؤشر لامور عديدة. اولها ان الاسباب التي فجرت الاوضاع آنذاك ما تزال قائمة وبالتالي فمن المتوقع تكرر ما جرى مستقبلا. ثانيها: ان الشعوب قادرة على تجديد نشاطها برغم الضربات التي توجه لها وحملات القمع والاضطهاد التي تستهدف شبابها. ثالثها: ان الادعاءات الزائفة التي تروجها قوى الثورة المضادة من نوع انها “طائفية” او “دينية” او “تسعى لاقامة نظام ولاية الفقيه” او “مشروع ايراني لزعزعة امن دول الخليج”، او انها “ارهابية” قد تبخرت تماما، وادرك العالم مدى معاناة الشعب البحراني خصوصا بعد حملات السجن والتعذيب والاعدام واسقاط الجنسية. رابعها: ان ثورة البحرين هي الاطول بقاء واستمرارا من بين ثورات الربيع العربي، فلم تتوقف ابدا برغم التدخل العسكري وفرض الاحكام العرفية وهدم المساجد واضطهاد المرأة والاستعانة بخبرات امنية اجنبية امريكية وبريطانية واسرائيلية. خامسها: ان هذه الثورة جسدت تلاحما مع القضايا العربية من ثورات ومعاناة وحروب. فقد وقفت الثورة، ممثلة برموزها مع تلك القضايا، فاستنكرت الحرب التي شنها التحالف المذكور على اليمن، وطالبت بوقفها ولم تخف تعاطفها مع الشعب اليمني وتضامنها معه، وخرج شبابها في مظاهرات عديدة ضد ما سمي “صفقة القرن” منددين بالسياسة الامريكية ومطالبين بانهاء الاحتلال الاسرائيلي. كما عبرت بشكل واضح ادى لاعتقال عدد غير قليل من المواطنين، عن رفض سياسة حكومة البحرين التي تصدرت العالم العربي في مجال التطبيع مع الكيان الاسرائيلي، واكتظت مواقع التواصل الاجتماعي بحملات استنكار تصريحات رموز الحكم الذي اعلن بوضوح تطبيعه مع قوات الاحتلال واستقبال الوزراء الاسرائيليين.

 

الامر المؤكد ان ثمن ذلك الصمود كان كبيرا. فلم تتوقف معاناة اهل البحرين، ماديا وامنيا وسياسيا، كما لم يتوقف حراكهم الثوري او تتغير مواقفهم الاسلامية والقومية. وبرغم الدعم الانجلو – امريكي لنظام الحكم الا ان الحراك الشعبي لم يعره اهتماما كبيرا، بل استمر في التظاهر والاحتجاج بوتيرة يومية، غير عابيء بسياسات التنكيل التي ادت لاعدام عدد من المواطنين بتهم مختلقة. لقد قضى رموز الحراك والثورة تسعة اعوام كاملة وراء القضبان، ولكنهم يرفضون اية محاولة لتمييع الموقف او مسايرة اية خدعة حكومية كما فعلت قبيل نهاية انتفاضة التسعينات عندما طرحت مشروع الميثاق الوطني للتصويت في 14 فبراير 2001. لقد استفاد شعب البحرين من التجارب السياسية العديدة، واصبح متمردا على اساليب الخداع والتضليل. كان بامكان النظام ان يتجاوز الازمات السياسية العديدة التي نشبت منذ الانسحاب البريطاني قبل خمسين عاما، ولكن سياسة “التذاكي” المشفوعة بالقمع والاضطهاد والمدعومة من خارج الحدود، ادت بالبلاد الى ما وصلت اليه اليوم. الامر المؤكد ان الزخم الذي استحضرت به ملحمة “دوار اللؤلؤة” لم يتوقعه الكثيرون، خصوصا داعمي النظام، ومن شأن ذلك اما ان يقود لانفراج سياسي حقيقي او تصعيد امني على غرار ما جرى بعد الاجتياح السعودي – الاماراتي وفرض الاحكام العرفية. فهل هذا ما يتطلع اليه داعمو نظام المنامة؟

 

كاتب بحريني

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق