مقالات

بدأت الحكومة في البحرين، وعلى مدى أيام، الإفراجَ عن أعدادٍ من المعتقلين السّياسيين*

في موجةٍ متتالية وضعها البعضُ في إطار نية الحكومة للاتجاه نحو “الإصلاح المحدود”، في حين دعا معارضون إلى عدم “المسارعة في التعاطي الإيجابي المفتوح مع هذه الخطوة، إلى حين إقدام الحكومة على خطوة الانفتاح على المعارضة وقبول الحوار معها”، في إشارة إلى مخاوف أوساط معارضة من “عزْم الحكومة على الفصل بين الملفين الحقوقي والسّياسي في الأزمة الراهنة، واختيارها أسلوب آخر في الهروب إلى الأمام”.
إلى ذلك، قال مراقبون غربيّون بأن خطوة الإفراجات الأخيرة على صلةٍ باستعداد الحكومة لتنصيب ولي العهد، سلمان بن حمد آل خليفة، على كرسى رئاسة الوزراء، وهو قرارٌ ترى أوساط متابعة بأنه “بات جاهزا بعد فقدان رئيس الوزراء الحالي خليفة بن سلمان القدرة على الاستمرار في منصبه”، كما ربطت هذه الأوساط الإفراجات برغبةِ الحكومة في التمهيد “الاحتفالي” لقدوم الشّيخ سلمان إلى منصبه الجديد، وتشير إلى أنّ “الحكومة على وشك التمهيد لمرحلةٍ جديدة في البلاد، هي أقلّ من الانفتاح السّياسي، وأكثر من الإفراج عن السجناء“، وهو ما يدعو كثيرين لعدم زيادة جرعات التفاؤل إزاء ما تقوم به الحكومة من خطوات.
وطأة السجناء الثقيلة.. والإصلاح غير المنجز
يذهب ناشطون إلى أنّ الحكومة وجدت “الفرصة مواتية” بعد فوز منتخب البحرين ببطولة كأس الخليج في الدوحة، وما أعقبها من موجات فرح تخللتها دعواتٍ واسعة للإقدام على إصلاحات في البلاد، إلا أنّ البعض يفضّل “التعبير عن الفرح بحذر شديد”، مشيرين إلى أنّ الحكومة معنيّة، في المقام الأول، بالتخلّص من “الوطأة الثقيلة” المتراكمة عليها منذ فبراير ٢٠١١م، نتيجة وجود قرابة ٥٠٠٠ سجين سياسي، ولكن الحكومة – بحسب ناشطين – لم تتجهّز بعد لتجاوز هذا الضغط الحقوقي والإنساني، إلا في حدود “تخفيف الثقل”، وليس التخلص منه، حيث لا يُرجِّح أصحاب هذا الموقف أن تكون الحكومة “قد أتمّت مشروعا إصلاحيا حقيقيّا، وأنها لم تزل غير مضطّرة لإنجاز هذه الخطوة الكبيرة“، وهو ما يفسّر طبيعة الأسئلة التي طرحها محقّقون مع السجناء داخل السّجن قبيل الإفراج عنهم، وكذلك على بعض السّياسيين المعتقلين، وهي أسئلة تدور حول طبيعة الأنشطة التي ينوي المفرَج عنهم القيام بها، وعن رؤيتهم حول طبيعة الأمور الجارية في البلاد.
وفي حين أن بعض الإفراجات تمّت “بعفو ملكي”، إلا أن أكثر الحالات جرت تحت قانون العقوبات البديلة، وهو قانون مثير للجدل من جانب الأوساط الحقوقية في الدّاخل والخارج، وكان من المفترض أن يتم تنفيذه قبل أشهر طويلة، إلا أنّ الحكومة عمدت إلى “المماطلة تحت ذريعة عدم اكتمال الاستعدادات اللوجستية اللازمة لتطبيقه”. وبحسب جماعات حقوقية، فإن “اندفاع الحكومة في تنفيذ الإفراجات الأخيرة، لم يكن خطوة مفاجأة، بل هي نتيجة لشعورها بأنها أحكمت القبضة الأمنيّة، وتريد في الوقت نفسه التخلّص من العبء الثقيل في ظلّ وجود آلاف من السجناء ببلد صغير بحجم البحرين”. وهذه الخطوة، برأي الحكومة، من الممكن أن تُتيح لها “تسجيل النقاط” في المحافل الدوليّة، بما فيها أوساط بعد الدول الحليفة للبحرين، وهي أوساط على “استعداد للاحتفاء بإفراج الحكومة عن أعدادٍ من السجناء، دون أن تلحق ذلك بضغوط إضافية لدفعها إلى المساءلة السياسيّة والإقدام على خطوات إصلاحيّة واسعة“، الأمر الذي يجعل جهات معارضة على “حذر شديدٍ من مقابلة خطوة الإفراجات بإيجابية كبيرة”.
ترتيبات شكليّة.. والخطوة الأهم
في هذا السّياق، يقول معارض بأن الحكومة قد تكون مقبلة على “إحداث تغييراتٍ في بُنية الحكومة، بما في ذلك إزاحة الشّيخ خليفة بن سلمان، وفتْح الأبواب الواسعة لولي العهد”، مشيرا إلى أنّ الإفراج عن سجناء وسجينات على دفعاتٍ متتالية؛ هو جزء من “الترتيبات الشّكلية التي يُراد بها تعبيد الطريق أمام الشّيخ سلمان، وتخفيف الأحمال الثقيلة عنه فور تسلّمه لإدارة الدولة”. وإضافة إلى ذلك، وبحسب المعارض نفسه، فإنّ الحكومة تعتقد أن “ملف المعتقلين هو آخر الملفات التي تملكها المعارضة، وأنها تريد أن تنزعها هذا الملف، وبالتالي سحْب البساط من تحت أقدام المعارضة”. ويستدرك المعارض بأنّ هذا “الاعتقاد هو جزء من الوهم الكبير الذي تعاني منه الحكومة، وأن الأزمة المستفحلة في البلاد هي أبعد وأعمق من ملف المعتقلين، وإن كان هذا الملف يمثل الوجه الظاهر للأزمة السياسيّة“.
مركز البحرين للحوار والتسامح، بدوره، يثمّن خطوة الإفراجات الحالية، ولكنه يرى أنها تظلّ حتى الآن “محدودة ومتأخرة”، ويشدد المركز على أن هذه الخطوة، و“على الرغم من إنسانيتها”، إلا أنها “لا يمكن أن تكون بديلا عن الخطوة الأهم، وهي فتح باب الحوار مع المعارضة وقوى المجتمع، والبدء الجاد في مصالحة وطنيّة شاملة”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق