مقالات

بريطانيا تدفع استحقاقات «القائد الضرورة»

د. سعيد الشهابي

ربما كان متوقعا فوز حزب المحافظين في الانتخابات التي اعلنها رئيس الوزراء قبل شهر تقريبا، ولكن لم يكن متوقعا بهذا الحجم. فقد كشفت النتائج ان الحزب حقق اكبر اغلبية منذ العام 1983، إذ صعدت شعبيته آنذاك بعد الحرب بين بريطانيا والارجنتين حول جزر “فوكلاند”. يومها كانت “المرأة الحديدية” مارجريت ثاتشر، رئيسة للوزراء. وقد اعتادت الدول الغربية التي تمارس الديمقراطية على التمتع بتوازن سياسي دقيق يحقق القدرة على ممارسة قدر من الشفافية والمحاسبة بوجود معارضة مؤثرة. ولكن عندما يكتسح حزب ما الانتخابات ويتمتع بعدد كبير من المقاعد توفر له اغلبية ساحقة تتجه الحكومة عادة للتعنت وتقترب من الاستبداد لان المعارضة لا تمتلك اصواتا برلمانية كافية لكبح جماحها، كمنع تمرير سياساتها او محاسبة وزرائها، او اجبارها على اجراءات او قوانين لا ترغب فيها. وهنا قد تتجسد مقولة “استبداد الاغلبية”. فمن جهة يبدو استقرار حكومة الاغلبية ايجابيا للبلد بحيث تستطيع اتخاذ القرارات التي تراها ضرورية بدون معارضة معوقة، ولكنها قد تنحو نحو الاستبداد والغرور، وقد يصل الامر الى ما وصلت اليه في السابق عندما  تطلب الامر دفع السيدة ثاتشر للاستقالة بعد ان اصبح وضع البلاد راكدا نظرا لتعنتها وسياساتها الصارمة. وبرغم فوزه باغلبية واسعة، فمن المتوقع ان تكون السنوات الخمس المقبلة من حكم المحافظين محفوفة بالمخاطر الاقتصادية والسياسية، وربما الامنية ايضا. فهناك مشاكل مزمنة يعاني منها المجتمع البريطاني، ومنها تراجع عائدات الدولة وتصاعد الضرائب ومعها الديون التي يتوقع ان تصل الى 2 تريليون جنيه استرليني (الفي مليار) خصوصا اذا سعى جونسون لتنفيذ وعوده بانهاء التقشف وزيادة الانفاق العام خصوصا في المجال العسكري والتعليم والصحة، والدعم الاجتماعي. فقد اعتاد البريطانيون، منذ نهابة الحرب العالمية الثانية نمطا من العيش تدعمه الدولة، ومنها الرعاية الصحية المجانبة والتعليم المجاني (حتى المرحلة الثانوية). ومع تعمق مشكلة الديون وعجز الميزانية، فسيجد المحافظون انفسهم مضطرين لخفض النفقات العامة في هذه المجالات، الامر الذي قد يدفع الناخبين لتغيير قناعاتهم والضغط لانتخابات جديدة.

 

ما الذي حدث وساعد المحافظين على استعادة موقع الصدارة البرلمانية بعد تراجع حظوظهم منذ الاستفتاء على الخروج من اوروبا (بريكسيت) الذي جرى الاستفتاء عليه في العام 2016؟ كان تعثر مفاوضات بريكسيت عاملا في تصدع الجبهة الداخلية البريطانية بنمط غير مسبوق منذ عقود. فالمحافظون لم تكن لديهم اغلبية برلمانية، ولم يستطيعوا تمرير الاتفاق الذي توصلت اليه حكومة تيريزا ماي مع اوروبا، الامر الذي اضطرها للاستقالة وحلول وزير خارجيتها بوريس جونسون مكانها. واستمر السجال العقيم بين مؤيدي الخروح والمطالبين بالبقاء من جهة، كما لم يكن هناك اتفاق على نقاط الاتفاقية سواء التي ناقشتها السيدة ماي مع الاتحاد الاوروبي ام التي توصل اليها جونسون لاحقا. ولم يكن هناك من سبيل سوى اجراء انتخابات برلمانية على امل حصول المحافظين على اغلبية برلمانية. هذا في الوقت الي كان حزب العمال المعارض يعاني من ازمات داخلية نظرا للاختلاف حول البقاء او الخروج من اوروبا. كما ان شخصية رئيس الحزب، جيريمي كوربين، كانت مثار جدل كبير بسب خلفيته اليسارية وتاريخه النضالي ضد الراسمالية والامبريالية. وبذلت المؤسسة الحاكمة البريطانية (وقوى خارجية خصوصا “اسرائيل” وبعض دول الخليج) كافة الجهود لمنع فوزه في بلد يعتبر نقطة ارتكاز النظام الرأسمالي الاستعماري. وهاجمه بشدة رئيس الحاخامات في بريطانيا متهما اياه بمعاداة السامية. مع ذلك كان هناك بصيص امل بوعي الاجيال الجديدة والتفافهم حول حزب العمال لتحقيق بديل للوضع الراهن.

 

هناك عوامل عديدة ساهمت في فوز المحافظين الساحق في الانتخابات: اولها الخلاف الحاد واللغط حول شخصية السيد كوربين، ثانيها: جهود المؤسسة الحاكمة بكافة اجهزتها لمنع فوزه وهي جهود مؤثرة لا يمكن التقليل من شأنها. ثالثا: الاعلام الواسع الذي هو جزء من المؤسسة الرسمية، وانحيازه المكشوف ضد كوربين، ودوره كذلك في تخدير الراي العام وحصر اهتماماته بالهموم الداخلية اليومية. رابعا: العقلية البريطانية التقليدية التي تميل عموما للاتجاه المحافظ وترفض التغيير او المغامرة. خامسا: عزوف الراي العام التقليدي عن القضايا الدولية، وحصر اهتماماته بالسياسات الداخلية، فهو لا يعرف دور السيد كوربين في مناصرة الشعوب المضطهدة خارج الحدود سواء في فلسطين ام دول الخليج. وقبل اسبوعين فحسب اعلن كوربين ان حزبه سيوقف تزويد السعودية بالسلاح في حال فوزه، الامر الذي تعارضه المؤسسة السياسية والعسكرية خصوصا مع توجه بريطانيا نحو الخليج بعد إكمال عملية الخروج من اوروبا.

 

كوربين له اعداء كثيرون، ومن بينهم الحكومة الاسرائيلية. فهو من الجناح المعروف بدفاعه المستميت عن الفلسطينيين ومواقفه الناقدة للسياسات الاسرائيلية. هذه المواقف نجم عنها حملة منظمة تتهم حزب العمال بمعاداة السامية، وهي تهمة اثيرت كثيرا وساهمت في تقليص حظوظه الانتخابية. وقبل يوم واحد من الانتخابات عبّرت “إسرائيل” عن قلقها إزاء احتمال صعود حزب العمال بزعامة جيريمي كوربين للحكم، وقالت أنه “يمثل تهديدا للعلاقات الثنائية وأمرا مثيرا للقلق بالنسبة ليهود بريطانيا.” وقال بعض اليهود البريطانيين إنهم سيفكرون في الهجرة في حال انتخاب كوربين. اما نائبة وزير الخارجية الإسرائيلي، تسيبي هوتوفلي، فقد قالت لقناة واي. نت التلفزيونية: “هذه (الانتخابات) تقلقنا بشدة… صحيح أننا كدولة لا يسعنا القول إننا ندعم هذا المرشح أو ذاك، لكن كوربين يشكل خطرا حقيقيا على العلاقات بين إسرائيل وبريطانيا، وأنا أعلم أن يهود بريطانيا قلقون جدا من هذا الاحتمال“. ومن المؤكد ان هذه الدعاية المضادة اثرت على بعض الناخبين، ودفعتهم للابتعاد عن حزب العمال، والتصويت للمحافظين. هذا برغم ان زعيم الحزب، بوريس جونسون، فشل في كافة المبادرات التي اتخذها في الشهرين الاولين من تعيينه زعيما للحزب، بما في ذلك اقناع الملكة بالموافقة على قراره تعليق البرلمان خمسة اسابيع. هذا القرار ابطلته المحكمة العليا لاحقا، واتهم جونسون بانه “ضلل الملكة”. الامر المؤكد ان المؤسسة البريطانية كانت في حرج شديد، وانها غير راغبة ابدا في وصول كوربين الى رئاسة الوزراء، لان ذلك سيمثل انقلابا على التقاليد والاعراف والثقافة البريطانية التي تتبنى سياسات خارجية تتناقض تماما مع ما يطرحه كوربين.

 

ومن الطبيعي ان تتعاطف الاقلية المسلمة (التي يصل تعدادها الى ثلاثة ملايين) مع حزب العمال بزعامة كوربين وهي التي لم تخف امتعاضها من سياسات رئيس الوزراء الاسبق، توني بلير، خصوصا مشاركته في الحرب على العراق. كما انها ممتعظة من بوريس جونسون ايضا لمواقفه ونظرته للمسلمين. وكانت تعليقاته المؤذية على المسلمات خصوصا اللاتي ترتدين النقاب مثار سخط واسع. وتشعر الجالية المسلمة انها مستهدفة بشكل خاص، فهناك ظاهرة الاسلاموفوبيا التي لم تتوقف ابدا، والتي ادت لاعتداءات على المساجد والمركز الاسلامية، ودفعت الجهات الرسمية المشرفة على المؤسسات الخيرية لاستهدافها ايضا. يضاف الى ذلك مشروع “بريفنت” الذي يخول الشرطة إيقاف اي شخص والتحقيق معه تحت دعوى “مكافحة الارهاب”. ويعاني المسلمون كثيرا من هذه السياسة، الامر الذي يربط المسلمين بالارهاب لدى الرأي العام. انه تمييز يشعر به المسلمون، وكثيرا ما احتجوا ورفعوا اصواتهم من اجل التخفيف منه. ومن المؤكد ان تصاعد النزعة نحو التطرف اليميني يكرس هذه الممارسات التي تتناقض مع مباديء المواطنة المتساوية واحترام الخصوصية الدينية للمكونات الاجتماعية. وليس سرا ان المسلمين البريطانيين قلقون من نتيجة الانتخابات التي اعطت حزب المحافظين بزعامة بوريس جونسون صكا مفتوحا لطرح سياساته بدون الخشية من وجود معارضة مؤثرة. وقد عبر عن هذا القلق المجلس الاسلامي البريطاني (ام سي بي) على لسان امينه العام: هارون خان: لقد حصل السيد حونسون غالبية، ولكن هنك شعور بالخوف وسط الجاليات المسلمة في نواحي البلاد. لقد دخلنا فترة الحملة الانتخابية بمشاعر راسخة من القلق بسبب التعصب في سياساتنا والحزب الحاكم عندنا. اما الآن فقلقنا نابع من ان الاسلاموفيا اصبحت طبخة جاهزة لدى الحكومة. لقد اعطي السيد جونسون سلطة كبيرة، ونتمنى ان يمارسها بمسؤولية تجاه كل البريطانيين”. هذا القلق اصبح حقيقة خصوصا بلحاظ سلوك السيد جونسون السابق ونعته المنقبات بانهن يشبهن “صناديق البريد”.

 

الامر المؤكد ان الفوز الساحق لحزب المحافظين واستلام بوريس جونسون رئاسة الحكومة سيكون تحديا حقيقيا ليس للمسلمين فحسب بل لبقية البريطانيين، سواء الذين انتخبوه ام عارضوه. وحتى داخل الحزب الحاكم نفسه فهناك مشاعر غاضبة لدى رموز متقدمة من الحزبيين الذين شعروا بالاهانة عندما طردهم من الحزب بسبب معارضتهم مشروع الخروج من اوروبا. اما المعارضون فسوف يواجهون اوقاتا صعبة في ظل حكومة قادرة على تمرير ما تشاء من قوانين واجراءات نظرا لما تتمتع به من اغلبية كبيرة. وسيجد انصار المحافظين انفسهم محرجين عندما تشتد ضغوط الحياة الاقتصادية تحت وطأة التضخم وارتفاع اسعار الفائدة وتصاعد الضرائب. وقد يتمكن جونسون من تنفيذ وعده باخراج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي في نهاية شهر يناير 2020 ولكن ماذا بعد؟ فليس مستبعدا تعاظم الرغبة لدى المكونات الاخرى، مثل الاسكوتلانديين للانفصال عن بريطانيا خصوصا انهم مع البقاء في الاتحاد الاوروبي. وما تزال ذاكرة السيدة ثاتشر ماثلة في اذهان جيل من البريطانيين عاش في ظل حكمها، وعانى من فرض ضريبة الرأس التي ادت لمظاهرات لم تشهد البلاد لها مثيلا منذ عقود. فرئيس الوزراء القوي يمثل ثقلا سياسيا وحكوميا كبيرا، ولكنه يتحول تدريجيا الى ازمة لحزبه وحكومته وشعبه وبلده. على المدى القصير سيتمكن جونسون من تنفيذ اغلب وعوده، ولكن على المدى البعيد سيواجه  استحقاقات الشعور الوهمي بالعظمة والقوة، والاعتقاد بانه “القائد الضرورة” وان بريطانيا لن تستطيع السير بدونه. عندها ستبدأ استحقاقات عديدة من انواع اخرى لتحاصر بريطانيا العظمى ومن يمثلها في دهاليز السلطة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق