الإفتتاحية

هزيمة “ابقيق وخريص” ضربة موجعة للاستبداد

التغيير المنشود في المنطقة سيتحقق طال الزمن ام قصر. وشعب البحرين الذي ناضل من اجل حقوقه خصوصا تقرير مصيره مصر على الاستمرار في ثورته المنصورة انشاء الله ولن يتراجع خطوة واحدة عن المطالب التي طرحها منذ اليوم الاول لثورة 14 فبراير 2011. وفي مقدمة هذه المطالب حق تقرير المصير وكتابة دستور دائم للبلاد بايدي ابنائه وتشكيل نظام سياسي يختاره بنفسه. هذه المطالب العادلة مشروعة وثابتة ولا مناص عنها. الخليفيون سعوا طوال السنوات الثماني الماضية لتغيير الحقائق على الارض بالتعسف والقمع والتعذيب والقتل ومحاولة تغيير التركيبة السكانية ولكن لله في خلقه شؤون وارادة الشعب اقوى من قرارات الطغاة. الخليفيون اعتمدوا طوال افترة السابقة على الدعم الاجنبي لبقائهم ابتداء باستدعاء الاحتلال السعودي – الاماراتي مرورا بدعوة البريطانيين للعودة الى البلاد وبناء قاعدة بحرية لهم من اموال الشعب المنهوبة وصولا لاستجداء امريكا لتكثيف حمايتها في مقابل تسليمها اموال الشعب كما ظهر واضحا في الزيارة الاخيرة التي قام بها ولي العهد الخليفي لواشنطن والتقى خلالها الرئيس الامريكي دونالد ترامب. الخليفيون راهنوا على تراجع المطالب الشعبية بمرور الوقت وتصعيد القمع وانتهجوا سياسات تعمق مشاعر الغضب والاصرار لدى الشعب على التغيير بعد ان ادركوا استحالة اصلاح الحكم الخليفي الجائر والفاسد والمارق.

ما الجديد اذن على الساحة السياسية؟ الامر المؤكد ان رهان الخليفيين على الدعم الاقليمي والغربي لم يكن يوما من الايام حلا فربما ساهم في تأجيل الازمة ولكنه لن يحلها. فالمشكلة عميقة وقديمة ومستعصيب لانها تتمثل بصراع بين ارادتين: احداهما تصر على الاسبداد والحكم الشمولي والاخرى تعمل لاستعادة السيادة وتحرير الوطن وجعل الشعب مصدر السلطات حقا. هذا الصراع تحول الى حرب ارادات متواصلة ولم يستطع الطغيان الخليفي حسمه منذ مائة عام. وقد راهن ان يكون موازين القوى في المنطقة لصالحه. وقد اعتمدت السياسة الخليفية منذ العام 2011 عللى ركائر ثلاث: اولاها العلاقات مع السعودية والامارات وتسليمهما السيادة على القرار والتصرف في السؤون الداخلية والخارجية ثانيها: العودة الى احضان التحالف الانجلو – امريكي كضمان لمنع اي تغيير داخلي وحماية العائلة الحاكمة والثالثة تطبيع العلاقات مع العدو الصهيوني ومحاولة الاستقواء به على ايران التي يراها الخليفيون العدو الاكبر في المنطقة. هذه السياسة كان لها مردودات عملية سياسية وامنية ولكنها محدودة ومؤطرة باطر مصلية وظرفية وسياسية. فالتوازن السياسي والعسكري في المنطقة كان في اغلب مفاصل القرن الماضي يرجح كفة التحالف الانجلو – امريكي الذي كرس الحكم القبلي بدون ان يساهم في اصلاحه. كان بامكان هذا التحالف اطالة امد هذا الحكم العائلي بتشجيع النموذج الكويتي الذي حفظ مكانة آل صباح واعطى الشعب قدرا من الحقوق التي اقنعته بانه شريك في الحكم من خلال ممارسة ديمقراطية محدودة. التحالف لم يفعل ذلك بل تعاطى مع هذه العائلات الحاكمة كامر واقع وكأن الزمن واقف لا يتحرك.

يمكن القول ان ثلاثة تطورات في العقد الاخير ساهمت في خلخلة التوازن الذي كان يرجح كفة التحالف ا لانجلو – امريكي وعلاقاته مع مشيخات الخليجز الاول: ثورات الربيع العربي قبل تسعة اعوام وما احدثته من خلخلة ليس في التوازن السياسي فحسب بل في نفسية العائلات الحاكمة ولدى الشعوب نفسها التي شعرت انها قادرة على فرض التغيير برغم القمعز هذه الثورات قمع بوحشية غير مسبوقة بتعاون خليجي د غربي حتى اعتقد المشاركون في القمع انهم اقتلعوا ظاهرة الحراك الثوري المختزنة في نفوس الجماهير. ولكن الواضح ان هناك فشلا ذريعا في ذلك التصورن فقد جاءت ثورة السودان لتسقط حكم البشير ومعه الحكم العسكري المقيتن واستمرت ثورة الحرين بدون توقف وان بوهج اقل. واليوم هناك مؤشرات لثروة متجددة في مصر اصبحت مصدر قلق كبير لدى اعداء الثورة والتغيير. وبهذا يكون افتراض موت الشعوب العربية وتلاشي وهجها الثوري وهما ليس له مصداق عملي مقنع. الثاني: العدوان على اليمن الذي قادته السعودية وشاركت فيه بضع دول اولها الامارات والعصابة الخليفية نوهي حرب اضعفت مصداقية المشاركين فيها بداية وتحولت الى مستنقع مدمر لهم مؤخرا. هذا العدوان انطلق ليكرس هيمنة التحالف السعودي – الاماراتي على العالم العربي ولكن سرعان ما فشل العدوان بعد ان ارتكب المشاركون فيه جرائم حرب واسعة النطاق. كما ان وعي الحركات النقابية والسياسية في العالم الغربي ضغطت على امريكا وبريطانيا للتوقف عن المشاركة في العدوان الذي اعتبر دعما لانظمة استبداد بالية. الحرب تحولت الى مستنقع آسن تمرغت فيه كرامة التحالفات الخليجية والغربية. كما اصبح تهديدا لمصداقية العمل الدولي المتشرك بعد ان تم تهميش دور الامم المتحدة في ذلك الصراعز وهكذا تحولت الحرب الى ازمة اخلاقية وسياسية للمشاركين فيها بينما استطاع اليمنيون ليس الصمود فحسب بل تطوير قدراتهم العسكرية حتى اصبحوا يهددون الكيانات السياسية للدول المشاركة في العدوان.  الثالث: ان رعونة المشاركين في العدوان ادت بشكل تلقائي لانتهاكات كبيرة قد تستخدم لتوجيه اتهامات للدول الغربية المشاركة في العدوان بارتكاب جرائم حرب واسعة النطاق. يضاف الى ذلك ان الحرب ساهمت في تطوير القدرات العسكرية اليمنية خارج ما كان متوقعا. ويمكن القول ان الاستهداف الاخير لمنشآت النفط العملاقة في السعودية بمنطقتي ابقيق وخريص كانت هزيمة شبه ماحقة للعدوان. وبرغم الضغوط السعودية على حلفائها لشجب استهداف تلك المناطق بالطائرات المسيرة والصواريخ فقد تم الربط بين شن العدوان من قبل السعودية والامارات والقصف الاخير على المنشآت النفطية. بمعنى ان الزعماء العاقلين طلبوا من السعودية والامارات وقف العدوان لكي تتوقف استهدافات مؤسساتهم الحيوية. وقد طرح اليمنيون مؤخرا على السعودية توقفا متبادلا عن استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة من قبل الطرفين. وهذا طرح من شأنه احراج السعودية وداعميها نخصوصا انهم لم يعودوا يمتلكون المبادرة الحقيقية في الميدان العسكري.

ماذا تعني هذه التطورات؟ الامر المؤكد ان الخليفيين الذين راهنوا على بقاء السعودية قوة حاسمة قد اصيبوا بخيبة امل كبيرة بعد ان استطاع اليمنيون تدمير منشآتها النفطية ووقف صادراتها من تلك المنشآت بمقدار النصف. كما ان بريطانيا هي الاخرى تعيش مأزق الخرج من اوروبا وغابت عنها القيادة السياسية القادرة على تغيير التوازن العسكري في الخليج. يضاف الى ذلك ان ظهور ايران كقوة اقليمية عملاقة قادرة على احداث توازن حقيقي للمرة الاولى منذ عقود مع الوجود الانجلو – امريكي في المنطقة احدث خللا كبيرا في التوازن الاستراتيجي لغير صالح انظمة القهر والاستعباد. ويفترض ان الخليفيين قد ادركوا خطأ حساباتهم جملة وتفصيلا. فلا الشعب رفع الراية البيضاء ولا حلفاؤهم قادرون على الحفاظ على امنهم كما توقعوا. ويمكن القول ان السبب الاساس لفشلهم خطأ الفرضية التي انشأوا عليها سياستهم. فقد اعتقدوا ان بامكانهم تجاوز الشعب البحراني وسحقه وتدميره بالاعتماد على القوى الاقليمية والغربية المذكورة. اليوم تغير التوازن جوهريا. فالعراق يميل نحو الاستقرار وهو قوة ضاربة لا يمكن ان تكون داعمة للاستبداد والديكتاتورية. وسوريا هي الاخرى اكدت فشل السياسات السعودية والاماراتية والخليفية. واليمن تحولت الى قوة استطاعت تركيع السعودية وتمريغ انفها واصبحت قوة لا يستهان بها. وها هي معالم التغيير في السودان ومصر اللتين راهن التحالف الشرير الذي تقوده السعودية على استمرار ازماتها.

المستقبل لن يكون لصالح الخليفيين الذين تتواصل هزائمهم على صعدان شتى. وتتضح ابعاد هذه الهزيمة من حالة الهلع التي اصابتهم عندما اعلن السجناء السياسيون اضرابهم عن الطعام احتجاجا على سياساتهم وتأكيد استمرار الثورة ضدهم والاصرار على المطالب الاساسية التي في مقدمتها سقوط الحكم القبلي الاستبدادي التوارثي. انها دورة الزمن التي تخضع للسنن الالهية التي لا تسمح باستمرار الظلم والاستبداد بل تعمل عملها لتحدث تغيرا بنيويا يؤدي تدريجيا لسقوط الاستبداد والطغيان والظلم. شعبنا راهن على ايمانه وصموده وصبره واعتمد على الله وحده دون غيره بينما كان للخليفيين رهان آخر. نجح الشعب في موقفه وفشل الخليفيون. سيبقى الشعب ويهزم ا لظالمون. تلك هي سنة الله في خلقه. والله غالب على امره ولكن اكثر الناس لا يعقلون.

اللهم ارحم شهداءنا الابرار واجعل لهم قدم صدق عندك وفك قيد اسرانا يا رب العالمين

حركة احرار البحرين الاسلامية

27 سبتمبر 2019

Virus-free. www.avast.com
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق