مقالات

وقفة مع عاشوراء وثورة الحسين

ربما كان العام 680 فاصلا في تاريخ المسلمين، تفاعلت حوادثه لتخلق ظروفا ساهمت في بلورة مناهج فكرية ومذهبية تواصلت وتطورت عبر القرون حتى ادت الى الاطر الفكرية والثقافية الحالية للمسلمين. ففي احد أيام ذلك العام (العاشر من محرم من العام 61 هـ) حدثت واقعة كربلاء التي استشهد فيها الحسين بن علي بن ابي طالب، حفيد رسول الله،ومعه اثنان وسبعون من ذويه واصحابه. السبب المباشر الذي يؤكده المؤرخون رفضه مبايعة يزيد بن معاوية خليفة للمسلمين بعد وفاة ابيه معاوية بن ابي سفيان. وحتى ذلك اليوم لم تكن هناك حدود واضحة تفصل بين المسلمين، وان كانت هناك ولاءات وانتماءات بعضها ديني وبعضها قبلي. فحتى استشهاد الامام علي بن ابي طالب قبل ذلك بعشرين عاما كان المسلمون امة واحدة مع اختلافات في الولاءات السياسية والدينية لم تمنع وقوفهم صفا امام تحديات الخارج وتهديداته. صحيح ان مسألة الخلافة بعد رحيل رسول الله كانت هي الاخرى موضع اختلاف بين المسلمين، ولكن الخلاف بقي ضمن ما هو مألوف من الاحتقانات السياسية في اغلب الظروف. ولو كانت الحدود الفاصلة بين المدرستين الشيعية والسنية حادة  لما اصبح علي بن ابي طالب خليفة للمسلمين بعد عثمان بن عفان. وتواصل السجال السياسي بعد رحيله عشر سنوات حدثت خلالها معارك سياسية وعسكرية بين الحسن بن علي ومعاوية بن ابي سفيان انتهت بمعاهدة وقعها الطرفان وجمدت الخلاف السياسي حتى وفاة الحسن في العام 50 بعد الهجرة. وبقي الوضع السياسي شبه مستقر مع شيء من الاحتقان، حتى توفي معاوية في العام 60 هـ وعين ابنه، يزيد مكانه. وفي غضون فترة بسيطة حدثت واقعة كربلاء بعد ان رفض الحسين بن علي مبايعة يزيد. كانت تلك الواقعة ثقيلة على المسلمين عامة خصوصا ان ضحاياها المباشرين كانوا من آل بيت رسول الله وعلى رأسهم حفيده الحسين وعدد من الصحابة.

ربما بدا للكثيرين ان ما حدث في تلك المنطقة الصحراوية من العراق كان حاسما. فقد تم القضاء على أخطر تحد لشرعية الحكم الاموي الذي حول الخلافة التي يفترض ان يكون لعامة المسلمين الحق في إقرارها او رفضها، الى نظام حكم يفصل الدين عن الحكم. فلم يكن الحاكم هو الاكثراطلاعا على احكام الدين، بل كان حاكما سياسيا يعين السلطات الاخرى ومن بينها “قاضي القضاة” الذي يعتبر المرجع الديني للمسلمين بدون سلطات سياسية مباشرة. كانت مسألة “البيعة” ضرورة للحاكم فسعى يزيد لاستحصالها من الرموز السياسية والدينية المرموقة ومنهم الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير. وتصدى بشكل حاسم لتحرك قاده رموز كبيرة من الكوفة والبصرة لاستقدام الحسين من المدينة ليستلم مقاليد الحكم بعد رحيل معاوية. ولكن المؤسسة الاموية في دمشق تصدت لتلك المحاولة ووأدتها في مهدها، بينما كان الحسين في طريقه متوجها الى العراق. ولضمان عدم تبلور معارضة قوية للولاة الامويين تم اعتقال المئات من الرموز التي شجعت الحسين على القدوم. ولذلك فعندما وقعت حوادث كربلاء لم يستطع الحسين تعبئة دعم عسكري مؤثر، فاقتصرت قوته العسكرية على ما يربو على 70 شخصا فحسب. بعد واقعة كربلاء التي يحتفي بذكراها هذه الايام قطاع واسع من المسلمين ينتمون للمذهب الشيعي، تولدت حراكات سياسية متواصلة لم تتوقف. فبعد اربع سنوات فحسب قاد سليمان بن صرد الخزاعي ما اطلق عليه “ثورة التوابين” التي ضمت اكثرمن الف عنصر اغلبهم من اهل الكوفة الذين شعروا بعقدة الذنب لانهم تخلفوا عن نصرة الحسين عندما واجه جيش يزيد في كربلاء. وقد قتل الكثيرون من المقاتلين ولكن تمكنت مجموعة منهم من الفرار. واعقبها ثورة اخرى قادها المختار بن ابي عبيدة الثقفي الذي كان مسجونا عندما وقعت حوادث كربلاء.

ماذا يعني ذلك؟ كما تمت الاشارة فقد تجرأت مجموعات مسلحة على التصدي للدولة الرسمية. في البداية كان هناك بنو امية وبعدهم ابنو العباس. وتعددت الثورات العلوية لاحقا. ولكن قبل ذلك سعت المؤسسة الاموية لاثبات وجودها وردع المعارضين بشدة. فحدثت واقعة الحرة بعد عامين من ملحمة كربلاء (63 هجرية)، حيث بعث يزيد قواته بقيادة مسلم بن عقبة المري  لمواجهة تمرد أهل المدينة بعد مقتل الحسين ورفضهم مبايعته، وكانت المعركة شرسة جدا، انتهت بقتل المئات من اهل المدينة واستباحتها.  وفي العام التالي استهدفت مكة لاجبار عبد الله بن الزبير على البيعة، وتعرضت الكعبة لشيء من التدمير عندما أطلق عليها المنجنيق. وبدأت لاحقا حركات تسعى للثأر من قتلة الحسين، وكانت اولاها حركة التوابين. انطلقت تلك الحركة في العراق بعد مقتل الحسين وتزعهما سليمان بن صرد الخزاعي وانضم اليها الآلاف تباعا. وفي العام 1965 توجهت نحو الشام حتى واجهت الجيش الاموي عند منطقة “عين الوردة” التي حدثت فيها معركة شرسة انتهت بانتصار الامويين وقتل اغلب قادة الحركة وانسحب بعض المقاتلين. وبعد عامين قام احد الكوفيين، وهو المختار بن ابي عبيدة الثقفي بحركة عسكرية استهدف فيها عددا من قتلة الحسين الذين كانوا في الكوفة. وسيطر على الحكم بالكوفة ورفع شعار “يا لثارات الحسين” وكان يخطط لبناء دولة علوية في العراق، وقد قُتل في الكوفة عام 67 للهجرة على يد جيش مصعب بن الزبير. وتوالت ثورات العلويين ضد الحكم الاموي تباعا، بعد ان وفر قتل الحسين ارضية دينية للتحشيد ضد الحكم الاموي. وبشكل تدريجي تبلورت اتجاهات مسلحة لمواجهة النظام السياسي. هذه المرة لم تعد الثورة ضد النظام اختراقا للدين والشرع، بل تحول الصراع في اغلبه الى مناكفات سياسية بعد ان سحبت الصفة الدينية عن الحكم. فالخليفة الاموي لم يعد محميا بالدين وان كان يحمل مسمى “الخليفة”. وبغياب الصفة الشرعية عن الحكم اصبح استهدافه أيسر، فتعددت الثورات والصراعات التي نخرت المشروع السياسي الذي ابتعد تدريجيا عن انتمائه العقائدي.

ان من الخطأ حصر ما حدث في كربلاء في العام الحادي والستين من الهجرة ضمن الاطر المذهبية، وان كانت الاطراف المرتبطة بها قد نحت ذلك النهج. بل يمكن القول ان رفض الحسين مبايعة الحاكم الاموي آنذاك كان بوابة التمرد السياسي وبروز مجموعات معارضة، تارة ضمن اطر فكرية واخرى بوسائل عسكرية. وفي غضون ستين عاما بعد واقعة كربلاء حدث التمرد الشديد على الدولة الاموية بدون توقف، حتى جاءت الثورة التي قادها الامام زيد بن علي بن الحسين. هنا لم ينحصر الصراع السياسي ضمن الدائرة المذهبية، وان كان زيد احد رموز آل بيت رسول الله، بل تجاوزه ليشمل رموز الفقه وائمته. فها هو الامام ابو حنيفة النعمان ينحاز لزيد ويدعمه، ويتصدى للحكم الاموي قبل سقوطه في عهد مروان الحمار، وللحكم العباسي خصوصا في عهد أبي جعفر المنصور. وبينما استشهد الامام زيد بن علي في الكوفة وصلب جسده بسوق الكناسة، تعرض ابوحنيفة للسجن والتعذيب حتى استشهد في زنزانته. وهكذا توسعت دائرة المعارضة للحكم الرسمي الذي كان يلتحف بالدين. الامر المؤكد ان ثورة الحسين أزالت القداسة الدينية عن الحكم السياسي الذي اصبح مكشوفا امام عموم المسلمين، وبذلك تحرر المسلمون من قيود الاتباع الاعمى والانصياع للحاكم الظالم، او الاستسلام للقوي الباغي او المستبد الظالم او المحتل الغاشم.

ومع تغول النظام السياسي توسعت دائرة الاضطهاد ولم تنحصر بمن يحمل السلاح بوجه الحاكم، بل شملت من يتحرر في فكره او يناقش في قضايا الحكم والفكر والحقوق. وما اكثر الذين اضطهدوا في الحقب اللاحقة بسبب مواقفهم الفكرية ورؤاهم الدينية. ففي عهد الخليفة العباسي المأمون ظهرت محنة خلق القرآن وهو فكر انتشر من قبل فرقة المعتزلة التي قالت أن القرآن مخلوق وكلام الله مخلوق. وينسب ذلك للجهم بن صفوان الترمذي الذي كان بارعا في علم الكلام. وكان الجهم قد صحب الجعد بن درهم بعد قدومه إلى الكوفة وتأثر بتعاليمه. يومها كان خالد بن عبد الله القسري والياً على الكوفة، فقبض على ابن درهم، وفي أول يوم من أيام عيد الأضحى من ذلك العام قال خالد وهو يخطب خطبة العيد: أيها الناس ضحُّوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم؛ إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، ثم نزل فذبحه في أصل المنبر.

اقتنع  الخليفة المأمون بآراء الجهم بن صفوان وطالب بنشر هذا الفكر وعزل كلِّ قاضٍ لا يؤمن بهِ. وهو ما لقي معارضة واستهجان كثير من الائمة مثل الإمام أحمد بن حنبل والذي تحمل من أجل ذلك الكثير وسجن زمنا حتى افرج المتوكل عنه.

وتعرض الحلاج (حسين بن منصور) للاضطهاد بعد ان اختلف العلماء والمفكرون حول فكره، فذهب البعض الى تكفيره والبعض الآخر وصفه أنه من أهل الفناء. ولم ينحصر الخلاف ضمن دوائر الفكر والثقافة التي يمكن تجاوزها، بل اتخذ تقييم الحلاج  بعدًا عقائديًا، وإن كان العلماء يتفقون على أن الرجل صاحب نظرية الحلول والاتحاد بالوحدة، لكن الإشكالية هي، هل أن ما طرحه الحلاج هو كفر وإلحاد؟ أم أنه كان خارجًا عن قيود السلطة السياسية فاتخذت أفكاره ذريعة لتتخلص منه؟ وقد قتل بصورة شنيعة: يقول المؤرخون:ضرب بالسياط نحوا من ألف سوط وقطعت يداه ورجلاه وضربت عنقه وأحرقت جثته بالنار ونصب رأسه للناس على سور الجسر الجديد وعلقت يداه ورجلاه إلى جانب رأسه في أحد شوارع بغداد وذلك في العام 309 هـ.دروس من التاريخ تكشف مدى ما يمارسه النظام السياسي، في غياب الحرية والقانون، من اضطهاد لمعارضيه. واستمرارا لعقلية حكم الاستبداد يتواصل سجن علماء الدين في السعودية والبحرين، ويقتل الرئيس المصري محمد مرسي ونجله عبد الله، ويستهدف الصهاينة الوجود الاسلامي في القدس. لقد ساهمت حادثة كربلاء في العام 61 هـ بانهاء التستر بالدين لاخفاء المظالم وتخدير الجماهير. ويبقى السؤال: هل كان الامر يحتاج  لذبح حفيد رسول الله من اجل تحرير عقول المسلمين ودينهم من الظلم والاستبداد؟

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق