مقالات

البحرين: حقائق «الجزيرة» بين الإثبات والنفي

الدكتور سعيد الشهابي

يعني أن تتبرأ عائلة من أحد أفرادها؟ ماذا يعني أن يهتز نظام بأكمله بسبب برنامج تلفزيوني يطرح بعض الحقائق؟ وماذا يعني أن يشعر الحاكم أن عيشه مستحيل ما لم يزوّر الحقائق ويكد لمناوئيه بأساليب غير أخلاقية، ويصافح أعداء الأمة ويمارس أبشع الأساليب وأقذرها لكي يبقى حاكماً؟

التاريخ يؤكد أن هذه الأساليب قد تطيل أمد بقاء الحاكم جاثماً على صدور مواطني البلد الذي يحكمه، ولكنه محكوم بالسقوط لأن ما يفعله ظلم آثم لا يدوم. جاء برنامج «ما خفي أعظم» ليضع بعضاً من النقاط على حروفها، وليسجل للتاريخ أن حكام البحرين مارسوا الأساليب المذكورة عندما هتف المواطنون ضد سياساتهم. ألم يكن بإمكانهم أن يتنازلوا قليلاً ويلتقوا بمواطنيهم في منتصف الطريق ليعيشوا آمنين بعد ذلك؟ ألم تكن المبادرة القطرية التي انطلقت في بداية الأزمة بعد اندلاع ثورة الرابع عشر من شباط/فبراير 2011، طريقاً أكثر أمناً لتطويق المشكلة السياسية التي كانت الثورة تجسيداً لها؟ لم يحدث شيء من ذلك لأن حكام البحرين أبوا أن يعترفوا بوجود شعب عريق في الجزر التي احتلوها بالقوة في حقبة زمنية سوداء، ولم يستطيعوا أن يقيموا دولة تلبي طموحات أبناء الأرض. واعتقدوا على مدى عقود أن القوة هي الحل للأزمات السياسية والأمنية.
البرنامج الوثائقي الذي بثته قناة «الجزيرة»، مساء الإثنين الماضي، كان عملاً إعلامياً متميزاً، غنياً بالمعلومات والحقائق، مثيراً، شيقاً، شاملاً ودامغاً. وهذا النجاح هو الذي أغضب الذين اعتقدوا أنه أصابهم في مقتل. وفي غضون ساعات بعد بثه، قامت السلطات الحاكمة في البحرين بتعبئة شاملة لوسائلها الإعلامية وأبواقها الدعائية وأجهزتها السياسية على أمل تقديم رد مقنع لما احتواه البرنامج من حقائق. ولكن لم يتحقق شيء من ذلك. فجاء «الرد» الذي بثه تلفزيون البحرين باهتاً مضطرباً وسطحياً. وبدلاً من احتواء الآثار المدمرة للحقائق التي بثها برنامج قناة الجزيرة، فقد زادها ثباتاً في الأذهان. البرنامج أكد أموراً أربعة ذات مغزى في الصراع من أجل التغيير. أولها إثباته الطبيعة السلمية لثورة شعب البحرين، وأن الذين تجمهروا في دوار اللؤلؤة بالعاصمة، المنامة، لم يكونوا مسلحين أو ذوي نزعة عنيفة. وهذا ما أكده المقدم ياسر الجلاهمة، قائد الفرقة التي اقتحمت الدوار وقوامها 700 شخص. وأكد هذا الضابط أن السلطات الأمنية هي التي زرعت الأسلحة في محيطه وقامت بتصويرها واستخدمتها لتبرير استهداف المعتصمين هناك بالقوة المفرطة التي نجم عنها مقتل خمسة من المعتصمين وجرح العشرات. ولم يستطع المهاجمون العثور على قطعة سلاح واحدة في الخيام التي نصبها المحتجون ودمرها المهاجمون. وهكذا تأكد ان السلطات ارتكبت قتلاً عبثياً خارج القانون، وهو جريمة شنيعة يعاقب القانون الدولي مرتكبيها بالسجن.
الحقيقة الثانية: التعاون الوثيق بين بين الحكم والإرهاب. وهذه قضية كبيرة يتوقع أن تكون لها ارتدادات خطيرة. فقد بث الفيلم تصريحات محمد صالح المرباطي، أحد رموز تنظيم «القاعدة»، أكد فيها عدداً من الأمور: أولها أن ضباطاً من جهاز الأمن في البحرين اتصلوا به عدة مرات. ثانيها: أنهم طلبوا منه التصدي للشيعة بأمر من الملك شخصياً. وتكررت الإشارة إلى ذلك في البرنامج. ثالثها: أنهم حددوا له أسماء من رموز المعارضة لتصفيتها وفي مقدمتهم الأستاذ عبد الوهاب حسين، وهو مفكر وناشط وقائد سياسي اعتقل بعد اجتياح القوات السعودية ـ الإماراتية أراضي البحرين بعد منتصف شهر آذار/مارس 2011، ويقضي حكماً بالسجن المؤبد. رابعها: أن الحكم تعامل مع تنظيم «إرهابي» معروف، ولم تكن لديه خشية من ردود فعل غربية إزاء ذلك، الأمر الذي يثير تساؤلات كثيرة. أمستهدف هذا التنظيم أم مسموح له بالعمل؟ وهل يعتبر «إرهابيا» أم سلمياً»؟ وهل تطبق عليه قوانين مكافحة الإرهاب التي طبقت، بدون أدلة حقيقية، على مواطنين بحرانيين كثيرين أعدم العديد منهم، واغتيل بعضهم في عرض البحر. هذه الحقائق لم ينفها المرباطي عندما أجبرته أجهزة الأمن على نفي ذلك في غضون أقل من 24 ساعة على بث برنامج «ما خفي أعظم». هذا يعني أن علاقة الحكم في البحرين بالتنظيمات الإرهابية ثابتة بدليل قاطع من رمز كبير من رموز التنظيم في هذا البلد.

لكي تتوفر القدرة على التغيير فإن الجميع مطالب بالتوفر على البصيرة النافذة التي لا يمكن تضليلها أو استغفالها بسهولة

الحقيقة الثالثة: إن نظام الحكم سعى لتصفية معارضيه خارج إطار القانون، وأوكل المهمة إلى جهة إرهابية لتقوم بذلك بالوكالة، وهو أمر يتنافى مع أبسط مبادئ حقوق الإنسان التي تجرّم «القتل خارج القانون». فرموز المعارضة الذين يطالبون بالإصلاح والتغيير يعملون داخل البلاد، وقد اعتقلتهم أجهزة الأمن مراراً وقضوا عقوداً من حياتهم في السجون، فلماذا الحاجة لتصفيتهم؟ ولماذا تتم التصفية بهذا الأسلوب المتوحش؟ وأي أمن سيتحقق في البلاد إذا سمح لتنظيم «القاعدة» بممارسة العنف بقرار رسمي داخل البلاد؟ وتجدر الإشارة إلى وقوع عدد من الحوادث المثيلة لاحقاً. فقد استهدفت المساجد والحسينيات في المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية والكويت، وقتل العشرات من مرتاديها. إن تصفية المعارضين بهذا الأسلوب يعكس حالة اليأس لدى رأس الحكم الذي شعر بالغضب عندما رفض المواطنون الدستور الذي فرضه على البلاد في 14 فبراير 2002. هذا الغضب هو الذي دفع الشعب لإطلاق ثورته بعد عشرة أعوام على التصويت على الميثاق وتسعة أعوام على فرض الدستور البديل للدستور الشرعي الذي أقره الشعب في 1973.
الحقيقة الرابعة: إن البرنامج أكد نزعة الحكم لاستخدام وسائل قذرة لمواجهة معارضيه. فبالإضافة إلى القتل خارج القانون والتعاون مع المنظمات الإرهابية، فقد استخدم الطائفية سلاحاً لتفتيت الصف الوطني وإضعاف الحراك الشعبي. فأظهر الثورة ضمن أطر مذهبية ضيقة وأنها «شيعية» ضد «السنة» وأنها تجسيد لمشروع إيراني توسعي. هذه المقولات دحضها البرنامج وأظهر زيفها. فقد انبرى شخص مثل محمد البوفلاسة لكسر هذه المقولة بما قدمه من اعتراضات على نمط التعامل السلطوي مع المعارضين وتعمده قتل المتظاهرين بدون مبرر مشروع. ولذلك عمد الحكم للضغط على أسرته للتبرؤ منه بعد بث البرنامج. كما أظهر البرنامج أن الحكم كان يسعى للتجسس على إيران وبعث في العام 2013 شخصاً من أصول إيرانية (هشام البلوشي) لتصوير منشآت الحرس الثوري، وارتبط بجماعة «جند الله» وذهب إلى باكستان ضمن عمله التجسسي، فكان مصيره القتل في 2015 على أيدي القوات الإيرانية. وبدلاً من أن يستمع الحاكم لمطالب المواطنين استمر في أساليبه القمعية وتحالفاته المشبوهة للاستقواء على الداخل البحريني. فقام بتمويل إعادة تأهيل القاعدة البريطانية في المنامة، وتصدر موجة التطبيع مع قوات الاحتلال الإسرائيلية واستعان بخبراته الأمنية. وبلغ حماسة للتعامل مع المشروع الصهيوني أن احتضن الشهر الماضي ورشة اقتصادية في المنامة لتكون منطلقاً لتدشين ما أطلق عليه الرئيس الأمريكي «صفقة القرن».
لقد أظهر البرنامج أموراً عديدة: أولها قدرة قناة «الجزيرة» على إصدار برنامج إعلامي متميز، يمارس فيه الإعلاميون مواهبهم في البحث والتقصي وعدم الاكتفاء بما يستلمونه من أخبار ومعلومات من وكالات الأنباء فحسب. ثانيها: أنه فتح عيون كثيرين على حقيقة مرة مفادها: لا تصدق الإعلام المضلل والدعايات التي تبثها أنظمة القمع العربية التي تسعى لتمزيق الوحدة الوطنية لإشغال الشعوب بفتن داخلية تحول دون التحرك من أجل الإصلاح والتغيير. ثالثها: إنه دفع كثيرين لإعادة نظرهم في المقولات الطائفية والاتهامات المزيفة للنشطاء ورموز الحراكات الشعبية، وإن الاستبداد لا يمكن أن يكون صادقاً في قوله أو مخلصاً في نواياه أو مستقيماً في تعامله مع الآخرين. رابعاً: إن الأنظمة لا تحفظ الجميل لمن دعمها وساندها، بل تنقلب عليه وتنكل به، بل قد تقطع أوصاله إذا تغير موقفه (وما حدث للإعلامي جمال خاشقجي دليل دامغ)، فهؤلاء المستبدون «لا أيمان لهم» كما جاء في القرآن الكريم. وأخيراً فإن تجربة السنوات الثماني الأخيرة تؤكد ضرورة الخروج من عالم الزيف والتزوير والولوج إلى عالم الحقيقة، وإن كانت مرة. ولكي تتوفر القدرة على التغيير فإن الجميع مطالب بالتوفر على البصيرة النافذة التي لا يمكن تضليلها أو استغفالها بسهولة. فلا مكان للسذاجة والبساطة عندما تكون الأرواح والأعراض والأموال والحريات عرضة للخطر. الطغيان لا يرحم الإنسان، بل يتحالف حتى مع الشيطان. فما قيمة الحكم حين يؤدي إلى هذا السقوط؟

كاتب بحريني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق