مقالات

قمم عبثية كبيرة بأهداف سياسية صغيرة

  د. سعيد الشهابي

ثلاثة مؤتمرات تعقد في غضون شهر واحد في بلدين خليجيين بهدفين يكمل احدهما الآخر. فماذا يعني ذلك؟ والى اين تسير امة العرب والمسلمين في خضم رياح تعصف بسفينتها وتهدف لكسر اشرعتها وتدمير بوصلتها للتشويش على توجهها؟

في يوم الجمعة الماضي عقدت بمكة المكرمة الدورة الرابعة عشرة للقمة الإسلامية برعاية منظمة التعاون الإسلامي بدعوة من السعودية. كان الهدف الجوهري حشد تأييد الدول الإسلامية للسياسات السعوية والتمهيد للتنازلات المروعة التي تتبناها بشأن قضية فلسطين. وقبل يوم من ذلك (الخميس 39 أيار/مايو) عقدت قمة عربية طارئة في الرياض بعنوانين متلازمين: شجب «العدوان الحوثي بطائرة مسيرة على منشآت نفطية سعودية»، ويستبطن ذلك اعداد ارضية للتصدي لإيران التي تتهم بوقوفها مع اولئك «المعتدين». وفي الرابع والعشرين من هذا الشهر تعقد «ورشة اقتصادية» في البحرين تحت شعار «الازدهار من اجل السلام» هدفها انهاء القضية الفلسطينية والغاء مشروع دولتها من الاجندة السياسية الاقليمية والدولية.

قد تبدو المؤتمرات الثلاثة الممولة من قبل تحالف قوى الثورة المضادة التي تقودها السعودية «منطقية» و«ضرورية». ولم يكن غريبا ان تسخر وسائل الاعلام التابعة للتحالف المذكور للترويج لها وتبرير عقدها والتصدي لمن ينتقدها. ولكن من المؤكد ان هناك من يعترض عليها ويعتبرها تعبيرا عن سقوط مذهل للاخلاق والقيم والمبادئ.

فوالدة الشهيد محمد الدرة الذي استشهد قبل ثمانية عشر عاما ما تزال مفجوعة بابنها الذي ارداه قناص اسرائيلي قتيلا برغم صغر سنه وبراءته الطفولية وكذلك مئات الامهات اللاتي فقدن اولادهن لاحقا. كما ان امهات آلاف الاطفال اليمنيين الذين فقدوا حياتهم بالقصف الرهيب الذي ينفذه الطيران السعودي والاماراتي منذ اكثر من اربع سنوات يتساءلن عن مدى ضرورة المؤتمرات الثلاثة التي تعبرعن سقوط قيم المروءة والشهامة وكذلك الحكمة والعقل والمنطق. فماذا يعني ذلك كله؟

ماذا يعني عقد قمة عربية واستدعاء ملوك العرب ورؤسائهم وتعبئة الجهات الاعلامية والسياسية التابعة لقوى الثورة المضادة؟ كل ذلك من اجل «شجب عدوان الحوثيين» على المنشآت العسكرية السعودية؟ بينما لم تعقد قمة واحدة لمناقشة الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة على لبنان وفلسطين؟ وأخيرا قررت قوى الثورة المضادة عقد «ورشة عمل» تهدف في جوهرها لالغاء سبعين عاما من نضال شعب لاسترداد ارضه من محتل غاشم، قدم خلالها التضحيات بدون حدود. لماذا هذا الانقلاب في المبادئ والسياسات والمواقف؟ الامر المؤكد ان ما تشهده الساحة العربية اليوم من هيمنة شبه كاملة لقوى الثورة المضادة على شؤون الامة، سياسة وإعلاما، بل ودينا، مخالف للثوابت التي اجتمعت عليها اطراف الامة كافة حتى في احلك الظروف.

وعندما قرر رئيس اكبر دولة عربية الخروج على ذلك الاجماع قبل اربعين عاما، اتخذت اجراءات عديدة، فأخرجت مصر من الجامعة العربية التي نقل مقرها الى تونس، بينما استمر العمل بمبادئ عديدة من بينها عدم الاعتراف بالكيان الاسرائيلي او التفاوض معه او انهاء مقاطعته الاقتصادية والسياسية. فما الذي جرى في الاعوام الاخيرة لكي ينقلب المشهد رأسا على عقب، فيتم توجيه الجهود كافة ليس نحو العدو الذي يحتل ارض المعراج بل نحو القوى التي تلتزم بمقاومته بهدف تحرير الارض واقامة دولة فلسطين واعادة الشتات الفلسطيني؟ لماذا تستهدف إيران بالشكل المكشوف الذي تمارسه قوى الثورة المضادة؟ لماذا يستهدف محور المقاومة ومكوناته الفلسطينية واللبنانية بشكل خاص؟ ولماذا يتواصل الصمت على حصار غزة وغض الطرف عن القصف الجوي الذي لا يكاد يتوقف حتى يبدأ من جديد؟ من الذي يضع اجندة امة العرب والمسلمين اليوم؟

المؤتمرات الثلاثة المذكورة تعكس أزمة الأمة والمنطقة، والغياب الواضح لروح العمل المشترك من جهة وحالة التراشق الإعلامي والسياسي بين الزعماء من جهة اخرى، واضطراب المبادئ والثوابت

 

قمتا مكة المكرمة الاخيرتان اللتان عقدتا في الايام الاخيرة بدعوة من السعودية كانتا من اضعف القمم واكثرها فشلا. فقد كانتا مرتبطتين باجندة سعودية واضحة وغير مرتبطة بالقضايا الكبرى للامة. المؤتمران اقرا حق السعودية في الدفاع عن نفسها. ولكن هل يحتاج هذا المبدأ لاقرار من احد؟ أليس من حق كل دولة وكل انسان وكل مخلوق ان يدافع عن نفسه؟ أليس الدفاع عن النفس حقا فطريا وطبيعيا؟ فهل جمعت السعودية المسؤولين العرب والمسلمين من اجل اقرار ذلك؟ ومن جهة اخرى لم تنجح السعودية في لملمة الصفين العربي والإسلامي اللذين ساهمت سياساتها طوال العقد الاخير في تصدعهما وتفتيتهما. بل ان البيت الخليجي نفسه اصبح متصدعا من داخله بسبب سياساتها التي تستهدف الاشقاء وتطبع مع الاعداء. فقوى الثورة المضادة التي تتزعمها السعودية وتضم «اسرائيل» تسعى لشيطنة إيران والقوى الإسلامية الاخرى.

السعودية لم تجن الكثير من القمتين اللتين انفقت عليهما من المال والجهد الشيء الكثير، واستثمرت من مصداقيتها قدرا كبيرا. القمتان الطارئتان اظهرتا ضعف الدبلوماسية السعودية ونظرتها الاستراتيجية. فهل يعقل عقد قمة من اجل اعلان التضامن مع السعودية في مواجهة استهداف منشآتها النفطية من قبل من تسميهم «الحوثيين» وتصفهم بالهامشيين وتدعي هزيمتهم منذ الاسابيع الاولى بعد شن الحرب في آذار/مارس 2015. هل من المعقول ان تشعر دولة بالحاجة لعقد قمة من اجل استحصال اقرار المشاركين بحقها في الدفاع عن نفسها؟ في مقابل من؟ مجموعة من البشر يقطنون بلدا على حدودها، ولا يملكون من السلاح الا النزر اليسير؟ أليست السعودية بهذه الخطوة كشفت عجزا بنيويا واخلاقيا غير مسبوق؟

اما القمة المزمع عقدها في البحرين بعد ثلاثة اسابيع فقد فشلت قبل ان تبدأ. وكان المفترض ان تكون قمتا مكة دافعتين لورشة المنامة. ولكن هذه الورشة فشلت هي الاخرى. فقد شجعت قمتا مكة مسؤولين كالرئيس الفلسطيني، محمود عباس، اعلان مقاطعة ورشة المنامة وتوجيه دعوة للزعماء العرب بعدم حضورها. واعتبرها تآمرا على الشعب الفلسطيني قائلا: «نرفض استبدال مبدأ الأرض مقابل السلام بالازدهار مقابل السلام.. أود أن أعيد التأكيد على رفضنا المطلق للمحاولات الأمريكية الهادفة إلى إسقاط القانون الدولي والشرعية الدولية بما يسمى صفقة القرن». وغياب الفلسطينيين افقد اجتماع المنامة شرعيته تماما ونقله الى المعسكر الاسرائيلي المدعوم أمريكيا. فاذا اضيف لذلك قرار كل من روسيا والصين مقاطعتها ايضا، فما الذي بقي منها؟ والمعروف ان دولا عربية عديدة مثل العراق ولبنان وسوريا والجزائر والاردن تعارض المشروع الأمريكي الذي يفترض ان تقره ورشة «الازدهار من اجل السلام». فمن الذي سيدعم ذلك اذن؟ وهكذا يبدو قرار عقد الورشة في البحرين غير صائب ولا يحظى بادنى قدر من النجاح، وسيكون ضرره على حكومة البحرين اكثر مما تجنيه من منفعة، الامر الذي يثير التساؤل عن مدى قدرة حكام البحرين على صنع قرار كبير يؤثر على مستقبلهم في الحكم. ولذلك لم يعد مستبعدا الغاء الورشة المزمعة او تاجيلها بعد ان انسد الافق تماما امامها.

المؤتمرات الثلاثة المذكورة تعكس أزمة الأمة والمنطقة، والغياب الواضح لروح العمل المشترك من جهة وحالة التراشق الإعلامي والسياسي بين الزعماء من جهة اخرى، واضطراب المبادئ والثوابت من جهة ثالثة. وقد كرست قمتا مكة الازمات القائمة ولم تحلاها، بينما اكدتا من جهة اخرى تراجع الموقف السياسي السعودي وشعور قادته بالضعف برغم التظاهر بالقوة. فصراعها المسلح مع اليمن، والسياسي مع كل من قطر والاردن، يساهم في تبديد الآمال بوحدة عربية حقيقية او توافق على الاقل حول برامج العمل المشترك. انها نقطة سوداء في التاريخ المعاصر للأمة، لا يستفيد منها سوى اعدائها خصوصا القوة التي تحتل اراضيها وتسلبها السيادة عليها. مطلوب من زعماء السعودية والبحرين ومصر والبحرين، الدول التي تمثل، بالاضافة للكيان الاسرائيلي، قوى الثورة المضادة التوقف عن هذه المغامرات التي لا تعكس عمقا سياسيا في التفكير او التخطيط، بل تؤكد واقعا مريرا تعيشه هذه الانظمة وينعكس سلبا على اوضاع الامة.

كاتب بحريني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق