مقالات

الحيرة بين نزع الجنسية وتثبيتها في البحرين

في 16 نيسان/إبريل الفائت صدرت أحكام من المحكمة الكبرى الجنائية بتجريد 138 مواطناً من جنسيته البحرية.. الغاها الملك بعد خمسة أيام، بل ألغى بعضاً من الاحكام المماثلة التي صدرت سابقاً. لماذا؟ لضغط دولي أو هي ملامح انفراجة أمنية؟ بل..
2019-05-05

عبد الهادي خلف

أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة لوند ـ السويد، من البحرين


غرافيتي من البحرين

في 16 نيسان/ أبريل 2019، أصدرت المحكمة الكبرى الجنائية في البحرين أحكاما قاسية تضمنت الحكم بتجريد 138 متهماً من جنسيتهم البحرينية. وبتلك الأحكام وصل عدد من جردتهم السلطات البحرينية من الجنسية إلى أكثر من 950 شخصاً. ويستن معظم هذه الأحكام إلى قانون “حماية المجتمع من الأعمال الإرهابية” لعام 2006 وتعديلاته.

في 21 نيسان/ أبريل، أي بعد أقل من أسبوع من صدور ذلك الحكم، قرر ملك البحرين إلغاءه وإلغاء عدد آخر من أحكام مماثلة أصدرتها المحاكم في السنوات الست الأخيرة. يومها فوجئ الناس بما نقلته وكالة أنباء البحرين عن إن الملك أصدر أمراً بـ”تثبيت جنسية 551 محكوماً ممن صدرت بحقهم أحكاما بإسقاط الجنسية”. وفي هذا القرار أيضاً إستند الملك إلى قانون “حماية المجتمع من الأعمال الإرهابية” لعام 2006 وتعديلاته.

خمسة أيام حافلة

حفلت الأيام الخمسة الفاصلة بين الحكم بتجريد مواطنين من جنسيتهم البحرينية ويوم الإعلان عن إعادة الجنسية لهم بالبيانات والتصريحات والأنشطة. فمن جهة تتالت بيانات الإستنكار التي أصدرتها المنظمات الإقليمية والدولية المعنية بحقوق الإنسان، وكان في المقدمة منها المفوضة السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة التي أشارت إلى أن المحاكمات في البحرين “لم تحقق المعايير الدولية للمحاكمة العادلة”. بينما شددت منظمة “العفو الدولية” على أن تلك المحاكمات “تستهزئ بالعدالة، وتؤكد وجود نمط يثير القلق من أحكام الإدانة إثر محاكمات جماعية جائرة في البحرين”. ومن جهة أخرى تداول الناس في البلاد وخارجها تفاصيل المهازل القضائية التي تتكرر في المحاكمات الجماعية في البحرين، حيث يمكن للقاضي أن يصدر في جلسة واحدة أحكاماً قاسية، بما فيها الحكم بالإعدام أو بالسجن المؤبد، إستناداً إلى أدلة مشكوك فيها أو إلى إعترافات تمّ إنتزاعها تحت التعذيب، وفي الغالب بعد فترات طويلة من الإعتقال والتعريض للمعاملة الحاطّة بالكرامة.

قانون “حماية المجتمع من الأعمال الإرهابية” لعام 2006 وتعديلاته، الذي جُرِّد بموجبه مواطنون بحرينيون من جنسيتهم تبنى تعريفاً فضفاضاً للإرهاب، ما سهل تطبيقه على كل نشاط معارض، حتى في حال لم يتجاوز حدود انتقاد قرار سياسي أو المطالبة بوقف أنشطة تقوم بها جهات حكومية أو أحد أفراد العائلة الحاكمة..

عددٌ قليل في قائمة المجردين من جنسيتهم تم تجريدهم بقرارات إدارية صدرت في 2012، في مخالفة صريحة لقانون الجنسية في البحرين. أما غالبية تلك القرارات فاستندت الى قانون 2006 ذاك. وهو تبنى تعريفاً فضفاضاً للإرهاب، مما يسهل تطبيقه على كل نشاط معارض حتى في حال لم يتجاوز ذلك النشاط حدود إنتقاد قرار سياسي أو المطالبة بوقف أنشطة أو تغييرها، تقوم بها جهات حكومية أو أحد أفراد العائلة الحاكمة. فما يدخل عادة في الدول الديمقراطية ضمن أطر ممارسة الحريات والحقوق العامة، بما فيها حرية التعبير عن الرأي والحق في التجمع السلمي، إعتبره القانون البحريني إرهاباً. وبمتابعة أحكام التجريد من الجنسية الصادرة منذ 2013 وحتى الآن، يمكن ملاحظة إن من يتم تجريدهم من جنسيتهم هم من مواليد البحرين لوالدَين بحرينيين. بل إن فيهم، كما تبيَّن من المحاكمة الجماعية الأخيرة وما سبقها، عددٌ من صغار السن ممن أدينوا بالمشاركة في تجمهر إحتجاجي.

لماذا ألغى الملك أحكام قُضاته؟

سرت شائعات متناقضة في أجواء الإبتهاج التي عمت البحرين حين صدر الإعلان عن الإلغاء الجزئي لأحكام التجريد من الجنسية. بعض الشائعات بالغ في إعتبار قرار الملك رضوخاً لضغط خارجي وبعضها بالغ في التفاؤل بالتلميح إلى إنفراجة أمنية قريبة.

على الرغم من أهمية بيانات الإستنكار التي صدرت عن مؤسسات دولية معتبَرة، وعلى الرغم من أهمية الأنشطة المحلية والخارجية التي عبرت عن إستهجان واسع لأحكام التجريد من الجنسية، فلا يمكن المبالغة في تقدير تأثيرهما على قرار ملك البحرين بالتراجع الجزئي عن تلك الأحكام. فملك البحرين يستند على دعمٍ سياسي وأمني ومالي غير مسبوق من السعودية ومن الإمارات، بما يضمن له إستمرار دعم الولايات المتحدة الأمريكية لنظامه. وبسبب ذلك فهو لا يرى نفسه في حاجة لإرضاء أي طرفٍ خارجي، سوى هذه الدول الثلاث التي ليس من أولوياتها حماية حقوق الإنسان.

ومن جهة أخرى لا يرى الملك نفسه مضطراً لإسترضاء أي طرف داخلي والمبادرة بإنفراجة أمنية. فلقد أدت مختلف إجراءات القمع المتواصلة منذ قمع إنتفاضة دوار اللؤلؤة، في ربيع 2011، إلى إستنزاف قوى المعارضة التي يقبع أغلب قادتها في السجن أو في المنفى. كما سهّل القمع عودة الروح للعلاقات التقليدية بين العائلة الحاكمة ووجهاء البلاد بمن فيهم رجال الدين. بل أخذت تلك العلاقات تستعيد شيئاً فشيئاً أبرز مظاهرها التقليدية. فهي تضمن للملك وعائلته إستمرار إستحواذهم على موارد البلاد وأدوات إدارة الدولة، كما تضمن للوجهاء مصالحهم وتعطيهم دوراً سياسياً وهيبة إجتماعية ضمن الحدود المعترف بها لوجهاء كل تعاضدية طائفية أو مناطقية. وعلى الرغم من عدم التكافؤ بين العائلة الحاكمة والوجهاء، إلا إن علاقتهما ضمنت في السابق مصالح الطرفين وفي مواجهة التحدي الذي تمثله قوى المعارضة الوطنية.

ملك البحرين: أنا الدولة

يتساءل كثيرون عن هدف الملك من قراره بإلغاء أحكام قضائية بعد خمسة أيام فقط من صدورها. لقد كان بإمكانه، مثلاً، أن يفسح المجال لمجلس النواب مباشرة أو عبر المحكمة الدستورية، إلغاء القوانين القمعية بما فيها قانون “حماية المجتمع من الأعمال الإرهابية” لعام 2006 وتعديلاته. إلا إن الملك إختار طريق “المكرمة الملكية” كي يستعيد مواطنون جردتهم سلطته من جنسيتهم بقانونٍ مجحف يخالف أحد أبسط الحقوق التي تنص عليها وثيقة حقوق الإنسان، أي الحق في الجنسية. قرار الملك بإلغاء أحكام قضائية بعد خمسة أيام فقط من صدور تلك الأحكام هو تأكيد على إن الإرادة الملكية فوق كل قانون. فالملك هو الدولة وإرادته هي قوانينها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق