مقالات

لماذا يسارع نظام آل خليفة الحاكم في البحرين لتقديم نفسه خادماً للرؤية الإمريكية والصهيونية تجاه الصراع في المنطقة؟

لماذا يسارع نظام آل خليفة الحاكم في البحرين لتقديم نفسه خادماً للرؤية الإمريكية والصهيونية تجاه الصراع في المنطقة؟

الدكتور راشد الراشد

زرع البريطانيون آل خليفة في البحرين ليكونوا خداماً لسياسات ومصالح الدول والقوى التي تسيطر على الإقليم في مختلف المراحل ، وبعكس ما يعتقده الكثيرون ، فإن علاقة آل خليفة بالإنجليز قد لا تكون قد بدأت بعد نزوحهم من الزبارة واستيلائهم على البحرين ، فهناك من يشير إلى أن الإنجليز هم من جاء بآل خليفة وحلفائهم للإستيلاء على السلطة ، وذلك من أجل السيطرة على البحرين من خلالهم ، في إطار محاولات الإنجليز التخلص من الإزعاج الذي تسببه حركات المقاومة من وجود المستعمرين وكذلك من الإزعاج الذي كانت تسببه لهم أساطيل لصوص وقراصنة الخليج الذين كانوا يعترضون خطوط الملاحة والتجارة والسفن العابرة بين موانئ الهند والبصرة والذي كان من بينهم قبيلة آل خليفة .

وعلى طريقة بريطانيا في التخلص من اليهود من خلال اعطائهم فلسطين ، يبدو أن الإنجليز كانوا يفضلون أن تستقر تلك العصابات الناشطة في مياه الخليج على الأرض بدلاً من قرصنتها لسفن التجارة الإنجليزية ، ولعل أقل ما فعله الإنجليز في تلك المرحلة هو التخطيط والتنفيذ لإستيلاء قراصنة ولصوص الزبارة على البحرين .

يؤيد هذه الرؤية أن اللص القرصان (إرحمه بن جابر الجلاهمة) الذي كان أحد أعمدة تحالف العصابات التي استولت على البحرين بالقوة مع آل خليفة ، قد اختلف مع آل خليفة على حصته في تقسيم غنائم الاستيلاء على البحرين ، وإتخذ قراراً غاضباً بمغادرة تحالف العصابات والرجوع إلى مياه الخليج لممارسة القرصنة والنهب ، وهو ما أغضب الإنجليز الذين تخلصوا منه لاحقاً بمساعدة أل خليفة ، وحدث هذا في العام 1826م ، في حين أن إتفاقية الحماية البريطانية لآل خليفة قد وقعت بين الطرفين عام 1861م أي بفارق 35 عاماً ، وقد عمل أل خليفة على تقديم أنفسهم كخدم لسياسات ومصالح بريطانيا في البحرين والمنطقة ، وعلى هذا الأساس وقعت بريطانيا الإستعمارية معهم اتفاقية الحماية عام 1861م.

وهذا ما يفتح باب التساؤل وطرح التكهنات عن طبيعة العلاقة البريطانية مع آل خليفة وجذورها قبل وبعد إستيلائهم على البحرين وقبل توقيعهم لإتفاقية الحماية الإستعمارية لهم و دور الإنجليز في هذا الإستيلاء وما جره على شعب البحرين من محنة ونكبة مستمرة حتى يومنا هذا .

لقد إنطلق المستشارون البريطانيون في البحرين بالتعاون مع الحاكم الإنجليزي للخليج في ترتيب علاقات القبيلة مع باقي الإقليم ومع باقي المشيخات التي تم توطينها أيضاً وترسيمها كأنظمة حاكمة لدويلات الخليج في إطار خدمة مصالح الإمبراطورية البريطانية ، كما قام المستشارون الإنجليز بإنشاء النواة الأولى للشرطة وترتيب أمور القضاء والمحاكم والبلديات ، وبهذا يكون البريطانيون قد قدموا خدمة العمر لأل خليفة لينجحوا في الإستيلاء على البحرين وترسيم أنفسهم كنظام سياسي يقود إمارة بمساعدة الإنجليز مقابل الخدمات التي تعهدوا بتقديمها للمحتل الإنجليزي.

في أواخر الستينات من القرن الماضي بدأ إنحسار الوجود البريطاني وتم ظاهرياً تسليم إدارات تلك الدول للمشيخات والعوائل التي أعطتها بريطانيا الاعتبار والاعتراف بها كأنظمة حكم ، لكن على أن تبقى بريطانيا تمسك على الأرض بالسلطة العميقة ، خاصة لحاجة القبائل الحاكمة الملحة للحماية والرعاية البريطانية وفي كل الإتجاهات نظراً لضعفها وعدم إمتلاكها لمقومات إدارة دولة مدنية تتطلب مهارات وجدارة ليست متوافرة لدى هذه القبائل التي تم إستجلابها . ليبدأ عصر جديد من الهيمنة والسيطرة من وراء الجدران وليس من خلال الإستعمار المباشر .

ومع اكتساب امدادت النفط لأهميتها الإستراتيجية بالنسبة لأمريكا والغرب ، قدم آل خليفة وباقي مشيخات الخليج الامتيازات الخاصة للأمريكان وقدموا أنفسهم كأتباع وخدم لمصالح وسياسات أمريكا في المنطقة مقابل أن تقوم أمريكا بتسليحهم وحمايتهم ، وأصبحت هذه المشيخات النفطية تأخذ أهميتها من أهمية أستمرار تدفق امدادات النفط ، وهو ماحول هذه المشيخات الى جزء من منظومة الهيمنة الإمريكية على المنطقة والعالم.

ومع بزوغ فجر ثورة الشعب الإيراني ، وقراره التاريخي بالتخلص من النظام الشمولي الحاكم آنذاك في ايران ، والتخلص من الهيمنة الإمريكية ورفض وجود الكيان الصهيوني المحتل ، وجدت الإدارة الإمريكية نفسها أمام خطرين استراتيجيين رئيسيين ، وهما :

الخطر الأول : انعكاسات حركة الشعب الإيراني على باقي شعوب المنطقة ودفعها لأن تتطلع للتخلص والإنعتاق من الهيمنة والإستغلال الأمريكي لثرواتها ومقدراتها .

الخطر الثاني : وهو أن يشجع رفض الشعب الإيراني لوجود الكيان الصهيوني باقي شعوب المنطقة للإلتحاق بموجة الرفض لهذا الكيان ، وهو ما يعد انتكاسة كبرى لمشاريع التطبيع التي أخذت شوطاً كبيراً منذ كامب ديفيد وحتى الآن .

وأمام هذه الأخطار الإستراتيجية ، قدمت مشيخات الخليج نفسها كحليف متقدم لمصالح وسياسات الولايات المتحدة المعادية لتطلعات الشعب الإيراني وشعوب المنطقة وحصل نظام آل خليفة على صفة حليف إستراتيجي نتيجة للخدمات التي قدمها لهذه السياسات.

وعلى هذا أصبحت مسالة حماية قصور حلفاء أمريكا في الخليج وتسليح العوائل الحاكمة جزءاً مهماً من مسألة حماية القواعد العسكرية الإمريكية في هذه الدول ، وهو العامل الرئيسي في خلق بيئة الإستبداد وحماية الأنظمة الديكتاتورية الشمولية وإعطائها الضوء الأخضر لإحتكار السلطة وما يستتبعه من إستخدام القوة وأدوات القمع والبطش والتنكيل كأداة للسيطرة والإمساك بالسلطة والتحكم ، وساعد الغرب نظام القبيلة على ترسيخ سياسة الإفلات من العقاب وحماية المسؤولين المتورطين في جرائم وانتهاكات ضد الإنسانية ، وبهذا تكون الإدارات الإمريكية وكذلك البريطانية المتعاقبة على حد سواء مسؤولة مسؤولية مباشرة أمام الضحايا وأهاليهم عن الشراكة في الجرائم والإنتهاكات في المنطقة.

إنحسار النفط هل سيؤدي إلى ترك أنظمة القبيلة تواجه مصيرها بذاتها ؟

ويبدو أنه مع إمتلاء خزانات النفط الإمريكية بالنفط الخليجي الرخيص الذي كان يضخ فيها لسنوات ، ومع اكتشافات النفط الصخري وتطور انتاجه بصورة تجارية وانخفاض كلفته ، وجدت مشيخات الخليج والعوائل الحاكمة نفسها أمام مأزق وتوقعات بإنحسارالأهمية الإستراتيجية للإمدات النفطية من المنطقة ، وهو ما يعني إنحسار الأهمية الإستراتيجية لهذه الأنظمة معها وهو ما يعني فقدانها للحظوة والحماية الإمريكية والغربية ، ويعني أيضا صعوبات اقتصادية وعدم قدرة على شراء السلاح .

أمام هذه الإنتكاسة الإستراتيجية المتوقعة التي لم تكن قي حسبان عوائل استطاعت البقاء في الحكم خلال السنوات التي سبقت الإنتصار المدوي للثورة الإسلامية في ايران من خلال استرضاء القوى العظمى ، قدم النظام السعودي المليارات كإستثمارات في الولايات المتحدة في محاولة لتثبيت الأهمية الإستراتيجية للعائلة المالكة ضمن الإستراتيجية الإمريكية بعيدة المدى ، واحتضنت دويلات أخرى قواعد عسكرية أمريكية متكفلة بجميع مصاريفها اللوجستية والتشغيلية.

آل خليفة في البحرين كنظام محدود الثروة ، قرر أن يواجه التغييرات الإقليمية بخيارات خضوع وتبعية جديدة فقام أولاً بإستدعاء البريطانيين وقواعدهم العسكرية للبحرين والتعهد بكافة مصاريف انشاء وتشغيل قواعدهم ، وكان ملك البحرين قد وقف أمام البريطانيين الذين كانوا يحتلون بلاده ليخبرهم أن عائلته لم تكن ترغب في رحيلهم عن البحرين ، مع قناعة كثيرين بأن البريطانيين لم يغادروا البحرين للحظة .

أما أخطر ما قرر آل خليفة القيام به ، فهو القيام بزج صراعهم مع شعب البحرين في سياق الصراع الإقليمي الدائر في المنطقة بين محور إسرائيل والإدارة الإمريكية وحلفائهم من جهة ومحور المقاومة من جهة أخرى ، وبهذا يصبح مصير آل خليفة مرتبطا بمصير الصهاينة ورغبة الإدارة الإمريكية ببقاء وتفوق إسرائيل.

لهذا فإن اقدام نظام أل خليفة بشكل متكرر على اختطاف العديد من البحرانيين والزج بهم في السجون وتعذيبهم وتلفيق التهم لهم بالارتباط بإيران وحزب الله ، لم يكن في حقيقته سوى رسائل تحريض موجهة لدفع الأمريكان والصهاينة لإعتبار بقاء النظام الخليفي جزءاً من استراتيجية الصراع مع ايران وحمايته من معارضيه المتعاطفين مع ايران ، واعطائه الضوء الأخضر لممارسة كافة الإنتهاكات والجرائم الحاطة بالكرامة الإنسانية وتحت مرأى ومسمع الإمريكان وحلفائهم الغربيين ، وتقديم كافة أنواع الدعم له في هذه المعركة من تسليح واستشارات وحماية سياسية ومعلومات.

وفي هذا السياق يمكننا القطع بإن البحرية الإمريكية أو البريطانية متورطة في تقديم معلومات أدت لقيام أجهزة أمن النظام الخليفي بقتل مجموعة من البحرانيين الفارين من القمع في عرض البحر خارج نطاق القانون بشكل وحشي وانتقامي راح منهم الشهيد رضا الغسرة وعدد من رفاقه .

وكما هو واقع الحال فإن حملات القمع الممنهج في المرحلة الراهنة ضد المطالبين بالديمقراطية وصناديق الإقتراع تجري بضوء أخضر أمريكي وانسجاما مع لغة تحريضية ضد التحول الديمقراطي في المنطقة ، والتي هدد فيها رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو والناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي ووزير الخارجية الأمريكي بومبيو المطالبين بالديمقراطية وبوضع حد للتبعية وللإستبداد والديكتاتورية ، بأنهم سيتعرضون لأبشع عمليات قمع وإبادة ، ومع التحريض عليهم تحت ذريعة التعاطف والإرتباط بإيران وحزب الله لتبرير قمعهم إلى حد البطش والتنكيل .

وكانت الإدراة الإمريكية قد دعت وأعدت الترتيبات لإنشاء ما أسمته بالتحالف بين عدد من دول المنطقة مع إسرائيل ضد ايران ، وهو تحالف يضم أضافة الى إسرائيل دول الخليج ومصر والأردن لمواجهة أيران ومحور المقاومة المطالب بالحرية والإستقلال ويتعدى ذلك في حقيقة الأمر لتوجيه رسالة لأي نظام سياسي في المنطقة تتطلع شعوبه نحو بناء نظام ديمقراطي يؤدي في نهاية المطاف للإستقلال وما ينتج عنه من تهديد للهيمنة والنفوذ القائم بيد دول الإستكبار العالمي .

لذا فإن مسارعة وزير خارجية أل خليفة في تقديم نفسه خادماً لوجهة النظر والرؤية والموقف الأمريكي والإسرائيلي في الصراع الدائر في المنطقة ، وهرولة نظامه لتبني مشاريع التطبيع واستقبال الوفود اليهودية والصهيونية في البحرين ، أنما تأتي في سياق محاولة اكتساب أهمية استراتيجية لدى الامريكان والصهاينة في هذا الصراع تجعله لا أقل يشعر بأنه إكتسب فترة تمديد حماية وتغطيه ودفاع عن وجوده من قبل الأمريكان والصهاينة .

لقد أراد البريطانيون نظام آل خليفة أن يتكيف مع متطلبات القوى الإستكبارية ويتحرك لحماية مصالحها والذود عن منافعها كما كان يفعل في مختلف المراحل ، فبخدمتهم لمصالح بريطانيا وامريكا الإستعمارية الذين قاموا بتحويلهم من عصابات نهب وسرقة ، وقطاع طرق الى نظام سياسي ، أصبح نظام آل خليفة مجرد أراجوز لخدمة مصالح وسياسات الهيمنة الإمريكية ، وأصبحت العلاقة بين الصهاينة وآل خليفة عارية لا يغطيها شيء بل هاهم يعلنون بلا حياء أو خجل خدمة مصالح الصهاينة والاصطفاف معهم في الصراع ضد شعوب المنطقة .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق