مقالات

د.جواد عبدالوهاب لـ”مرآة الجزيرة”: البحرين لا تتجرأ على التصعيد بدون إذن “حاميتها السعودية”..الشيخ سلمان ضحية الصراع مع قطر

أحكام مغلّظة، اعتقالات، ملاحقات أمنية، وتقلبات سياسية تنعكس على قمع الصوت المعارض الذي تهابه السلطات أينما صدح، أكان في الداخل أو الخارج أو حتى خلف قضبان السجون، إنها المشهدية المرتسمة في البحرين، منذ ثورة الرابع عشر من فبراير 2011 إلى الآن، عبر ممارسات تعسفية متوحشة لاتتورع سلطات البحرين عن استخدامها بحق المعارضة في البلاد، خاصة إثر استخدام القضاء غير المستقل للنيل من رموز المعارضة السياسية، من خلال الزج بهم في المعتقلات وتشديد الأحكام بحقهم، ولعل ما وقع على الشيخ علي سلمان من صورة قضائية لم تكن متوقعة تكشف الكثير من التزييف السياسي والأساليب القمعية التي تضرب عضد النسيج والتكوين المجتمعي على يد السلطات بعصا الترهيب والمؤازرة من قبل الراعي السعودي، حيث يوجه قادة المعارضة البحرانية للرياض الاتهام بالوقوف خلف قرار الرجوع عن تبرئة الشيخ سلمان من مزاعم “التجسس لصالح قطر”، وإيصال الحكم إلى مرحلة المؤبد.. المشهدية السياسية للبحرين في ظل انتهاكات الحقوق المدنية والسياسية للمجتمع واعتقال القادة ونفيهم والنيل من شخصيات المعارضة بعد إعلان مقاطعة الانتخابات لمخالفتها أسس العملية الديمقراطية وابتعادها بشكل تام عن واقع الأرضية السياسية التي تطالب بها المعارضة المحرومة من الحقوق المدنية والسياسية وسط صمت دولي ومؤازرة من قبل لندن وواشنطن للمنامة وحاميتها الرياض، كانت محط حوار “مرآة الجزيرة” مع القيادي في تيار العمل الإسلامي الإعلامي البحراني د.جواد عبدالوهاب. مرآة الجزيرة ـ سناء إبراهيم انطلاقا من حكم الإعدام الذي اتخذته سلطات البحرين بحق زعيم جمعية “الوفاق” الإسلامية المعتقل الشيخ علي سلمان، يشدد الإعلامي البحراني جواد عبدالوهاب على أن “القضاء البحريني غير مستقل وأنه لا ينفصل عن باقي سلطات الدولة الخاضعة لإرادة الملك، وحكم البراءة الذي أصدرته محاكم البحرين من قبل لا يمثل قناعة القضاء ببراءة سماحة الشيخ، بل هو محاولة من السلطة لإعطاء فرصة لجمعية الوفاق لتغيير موقفها من الانتخابات القادمة، وأيضا ممارسة الضغوط التي لم تنقطع طوال الفترة السابقة على الشيخ سلمان لتغيير موقفه، وإحداث شرخ ولو بسيط بين قيادات الوفاق وانتاج قيادة بديلة”، ويبين أن السلطة تفاجأت بصمود الشيخ في داخل السجن، وبالمؤتمر الصحفي الذي نظمته الوفاق في العاصمة البريطانية لندن وأعلنت فيه مقاطعتها للانتخابات”، وهو ما أزعج النظام الذي عمل على تشويه صورة “الوفاق” و”اتهمها بالإرهاب فإذا بها تنظم مؤتمرا صحفيا من هذه العاصمة مما اعتبرته السلطة استمرار اعتراف حكومة المملكة المتحدة بالجمعية على أنها ند للسلطة وهو ما يعني الكثير بالنسبة للسلطات، وبذلك لم يتحقق هدفها من إصدار حكم البراءة”. يوضح عبدالوهاب أن عملية الانتقام من الشيخ سلمان بقيت حاضرة، وقررت السلطة هذه المرة ضرب عصفورين بحجر واحد، “فهي في حال تثبيت تهمة التخابر على سماحة الشيخ فإنها تقوم بذلك بتثبيت التهمة على قطر بأنها تدعم الإرهاب وأنها تتدخل في شؤون البحرين الداخلية، وبذلك تقوم بتوفير ورقة جديدة في حال حدوث مفاوضات بين التحالف الرباعي المناهض لقطر وبين الأخيرة خاصة أن دعوات صدرت من عواصم الدول الكبرى لحل الأزمة الخليجية”، معتبرا أن “الحكم صدر بحق قطر وكان الشيخ علي سلمان ضحيته”. يتعذر على الإعلامي البحراني تبرئة الرياض من الانغماس في التدخل بشؤون المنامة، ويوضح أنه “منذ أن اجتاحت القوات السعودية البحرين في مارس من العام 2011 فقدت السلطات البحرينية حريتها في إصدار القرار السياسي أو الاقتصادي أو حتى الثقافي، وباتت السعودية هي من تتخذ لقرارات السيادية على المستوى الداخلي والخارجي، والبحرين منفذ فقط ما تقرره السلطات في الرياض”، ويقول إنه “ليس غريبا أن يقوم ملك البحرين قبل ساعات فقط من إصدار الحكم الظالم على سماحة الشيخ علي سلمان بزيارة الرياض ليأخذ الحكم من هناك، ذلك أن السلطة في البحرين لا تتجرأ أن تتخذ خطوة تصعيدة من دون ضوء أخضر من الرياض”. أما عن هدف الرياض من التصعيد في البحرين، يرى عبدالوهاب، أن السلطات السعودية “تقوم بتوجيه عدد من الرسائل أولا للداخل البحريني لتدخل في وعيه أن لا مجال أمامه إلا الإنصياع لرؤية السلطة وأن عليه إخماد ثورته، وعلى المستوى الإقليمي فهي توجه رسالة إلى قطر أنها قادرة على تبني أي خيار يدين الحكم في قطر وأنها ماضية في مشروعها الهادف إلى زعزعة الإستقرار هناك”، ويضيف أن هناك “رسالة إلى من يهمه الأمر في إيران أن البحرين هي الحديقة الخلفية للسعودية وأنها لن تتخلى عن طريقة الحكم في إدارة هذه البلاد بالعقلية السعودية، فلا ديمقراطية ولاهم يحزنون، وعلى المستوى الدولي، تقوم بإخبار العالم أنها تقف مع الحكم في البحرين مهما حاولت بعض الدول السعي نحو تغيير ولو في حدوده الدنيا وأنها لن توافق على أي حل للأزمة السياسية في البحرين مالم ينسجم هذا الحل مع رؤيتها واستراتيجيتها”. نظام البحرين استغل أساليب لا أخلاقية ولا إنسانية لمواجهة المعارضة أما على صعيد تعامل السلطة مع الأوضاع في البلاد، يسرد الإعلامي البحراني كيف تعاملت السلطة مع المعارضة منذ بداية الحراك، ويقول إنها “عمدت إلى إستراتيجية أمنية خبيثة بعد ضر الدوار في مارس من العام 2011، حيث قامت في البداية بضرب قادة الحراك والزج بهم في السجون ومن ثم استهدفت القادة الميدانيين الذين يحركون الشارع وفتحت المجال أمام الحقوقيين والوفاق للتحرك بحرية مستهدفة إياهم إعلاميا فقط، ثم بعد ذلك استهدفت الشارع ورسخت القبضة الأمنية، كما استخدمت القضاء كوسيلة لإنزال أشد العقوبات على الناشطين والمعارضين، وبعدها جاء دور الحقوقيين فاعتقلت البعض وضيقت على الآخرين، واستهدفت الجمعيات السياسية وقادتها منهية بذلك العمل السياسي الذي بشرت به السلطة مطلع الألفية الثانية”. يضيف د.عبدالوهاب أن السلطة منذ البداية واضحة في منهاجها لإخماد الثورة ونقل مطالب الشعب البحراني من الشارع إلى ما يسمى بقبة البرلمان، فاستخدمت أساليب لا أخلاقية ولا إنسانية، إلا أن الشعب قام بافشال وإسقاط جميع أساليب وخيارات السلطة فاستمر في حراكه حتى هذا اليوم؛ مشيرا إلى أن “جمعية أمل لديها استراتيجيتها التي أعلنتها منذ تفجر ثورة الرابع عشر من فبراير، وهي أنها تقف إلى جانب الشعب في خياراته، فخيار الشعب سيكون خيار أمل، وعلى الرغم من أن الجمعية لديها رؤيتها السياسية للأوضاع إلا أنها لم ترغب في فرض هذه الرؤية على الناس أو على فصائل المعارضة، فما يتفق عليه الشعب ويوافق عليه ستدعمه أمل سواء كان ذلك إسقاط أو ملكية دستورية، أو حتى القبول بأوضاع ما قبل الثورة”. ويشدد على أن “رؤية أمل واستراتيجيتها كانت تتمحور دائما على بناء الشعب الذي يستطيع أن يقرر مصيره من دون أن تفرض عليه وصايا أو رؤيا من أحد، وتقف مع الشعب في صبره الاستراتيجي”. في المدى المنظور، يرى عبدالوهاب أن “الأوضاع ستظل تراوح مكانها ما دام النظام يتمتع بقدر كبير من الدعم والغطاء السياسي للانتهاكات التي يرتكبها، ولاشك أن غياب الدعم الدولي الحقيقي للمعارضة ومحدودية الإمكانيات أضعف قدرتها على الحسم وأخر تحقيق مطالبها، إلا أنها استطاعت إفشال جميع المشاريع والخطط التي ابتدعتها السلطة من أجل إخماد الثورة والقضاء على المطالب السياسية التي تكرست أكثر وأكثر جراء عمليات القمع الممنهجة واتساع رقعة انتهاكات حقوق الانسان”، ويعرب عن اعتقاده أن الخيار الأمثل للمعارضة يتمثل في التحرك بالتوازي على المسارين السياسي والحقوقي لمحصارة النظام والاستثمار في المنجز الميداني لقلب المعادلة السياسية، إلا أنه يشتدرك القول بأن “المشكلة في اعتماد هذا الخيار تكمن في الإصطفافات السياسية داخل قوى المعارضة، وغياب العمل المؤسساتي فيها من جهة، وحالة عدم الثقة السائدة بين القوى السياسية والقوى الثورية، وهذا يعني أنه يتوجب على المعارضة توحيد صفوفها من خلال صياغة مشروع سياسي وخطاب إعلامي موحد يظهرها أمام العالم بأنها مؤهلة بأن تكون ند للنظام”. ويشدد على أنه “لا يمكن إدارة الصراع السياسي مع هكذا نظام بالتشديد على الحقوق والتنديد بالإجراءات، القيادة السياسية الناجحة بحاجة إلى ذكاء خارق لإحداث خلل في توازن الخصم وإفشال مكره ودهائه، والعمل على إحداث اختراقات عندما تصل الأمور إلى طريق مسدود”. “الصراع السياسي يتطلب الدهاء والمرونة ممن يديرونه، كما يحتاج قبل هذا وذاك إلى مبادرات توظف إنجازات الشارع في الميدان السياسي، وتجاوز التحديات والإستفادة من الفرص المتاحة”، مؤكدا أن “الأداء السياسي الراقي هو الذي يحدث خللا في حملات النظام الأمنية والإعلامية ويكشفه أمام الرأي العام الدولي الذي تغيب عنه تفاصيل الصراع، وإلى إحراج “الأصدقاء” الذين يؤكدون الدعم قولا ويمنعونه فعلا. ولذلك فان القيادة السياسية يجب أن تقود فعلا ولا تكتفي فقط بالتظلم والتنديد”. حراك 14 فبراير والمشهد السياسي دفع السلطة للتصعيد بتشديد الأحكام وفي حين تشدد المنامة من تضييق الخناق على المعارضة، يوضح د.عبدالوهاب أن “استراتيجية التصعيد ضد المعارضة لم تتوقف منذ أن قررت السلطات اعتقال سماحة الشيخ سلمان وحل الجمعيات السياسية وتهميش دور سماحة آية الله الشيخ عيسى قاسم، إلا أنها فشلت في إخماد الثورة أو حتى في إنتاج بديل من الوفاق أو الشعب البحراني للقيام بهذا الدور”، ويلفت إلى أن التصعيد بالحكم على الشيخ سلمان جاء نتيجة عوامل أنتجها الحراك والمشهد السياسي في البحرين، من هذه العوامل إعلان جميع قوى وفصائل المعارضة في البحرين مقاطعتها للانتخابات، ووقوع السعودية في أزمة أخلاقية وسياسية نتيجة قيامها بعملية اغتيال الصحفي جمال الخاشقجي، وتحاول أن تثبت للشعب البحراني أنها غير متأثرة بما يحدث بحاميتها (السعودية) وأنها ماضية في نهجها القمعي، “كما تريد لعب دور في داخل الوعي البحراني من خلال إيهام الشعب بأنها قادرة على معاقبة كل من يعارض مشاريعا ولو كان ذلك الشخص هو الشيخ سلمان المعروف بأنه رجل إصلاح”، متابعا أن “طرح مشروع عريضة شعبية للإستفتاء على انتخاب مجلس تأسيسي مهمته صياغة دستور جديد للبلاد أزعج السلطة، لأنها لاتحب أن تطرح في الساحة أفكار تحد من شرعيتها أو تقلل من شرعيتها، فأرادت من خلال التصعيد التغطية على هذه الفكرة خاصة بعد الزخم الكبير في التفاعل معها”. ولئن كان الشيخ سلمان يقود زمام الحوار بين السلطة والمعارضة، فإن التعامل معه بهذا الشكل يشكل نقطة ضعف النظام، يؤكد عبدالوهاب، ويلفت إلى أن “الشيخ سلمان معروف لدى العالم أجمع بأنه رجل إصلاحي، وحتى من قبل حماة النظام من دول الإستكبار كبريطانيا والولايات المتحدة، وهم يعرفونه عن قرب ويعرفون فكره ومنهجه؛ وعندما تقوم السلطة باستهدافه فهو أولا لم يخضع لضغوط السلطة في ثنيه عن مواقفه من مطالب شعب البحرين العادلة والمشروعة، وأيضا لدوره البارز في مقاطعة انتخابات عام 2014، كذلك لتوجيه رسالة إلى الشعب البحراني وقيادات الحراك بأن السلطة لن تتسامح مع أي أحد لا يخضع لتوجهاتها ومنهجها”. حكم الإعدام من الناحية القانونية، يقول إن “القضية ستنقل إلى محكمة التمييز، وأعتقد أن السلطة لن تتراجع عن هذا الحكم ما دام الإستثمار فيها لم يكتمل بعد، ويستطيع الشيخ سلمان أن يخرج اليوم من السجن بدعوته شعب البحرين إلى المشاركة في عملية الانتخابات، لكنه لن يفعل”.

مرآة الجزيرة http://www.mirataljazeera.org/26649/

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق