مقالات

حين تكون الدبلوماسية وسيلة لارتكاب الجرم وإخفائه

 حين تكون الدبلوماسية وسيلة لارتكاب الجرم واخفائه

د. سعيد الشهابي

ليس معروفا بعد سبب تأخر السلطات التركية في الكشف عما لديها من ادلة لما حدث في القنصلية السعودية في الثاني من هذا الشهر، خصوصا ما يشار اليه من “تسجيلات صوتية” وقت حدوث الجريمة. اهمية الرواية التركية تصاعدت بعد اعتراف السعودية بمقتل المرحوم جمال خاشقجي ضمن رواية مزيفة اعلنتها قبل يومين. هناك بعد مهم قد يكون من بين اسباب التلكؤ التركي، يتعلق بقضايا الدبلوماسية المتعارف عليها. اذ قد يطرح اللوبي السعودي ان التنصت على القنصلية اختراق للبروتولولات الدبلوماسية. فما هي هذه البروتوكولات؟ وما مدى التزام الدول بها؟ في العام 1961 صدرت تلك البروتوكولات ضمن ما سمي “ميثاق جنيف للعلاقات الدبلوماسية”. هذا الميثاق وقعه اغلب الدول في ما عدا حفنة قليلة. الهدف من هذه البروتوكولات تسهيل التبادل السياسي بين الدول، بحيث تمنح الدولة المضيفة تسهيلات خاصة لممثلي الدول الاخرى لتسهيل اداء مهماتهم. ويتضمن ذلك معاملة مماثلة من الدولة الاخرى، كما يتضمن قبولا متبادلا بهذه التسهيلات واحترامها وتأمين الدبلوماسيين على انفسهم حتى في حالة النزاع المسلح. وهذه اعراف قديمة تمتد آلاف السنين، ولكنها تعرضت للتطوير بمرور الزمن. وفي الوقت نفسه فان الالتزام بها يخضع للمواقف السياسية والاذواق والآداب. وقد حدثت اختراقات واستغلال لهذه البروتوكلات. فمثلا في العام 1975 أصر احد افراد بعثة باربيدوس لدى الامم المتحدة على حماية كلبه من تدخل الشرطة بعد ان هاجم عددا من الافراد ، مستغلا مبدأ الحصانة الدبلوماسية. وهناك امثلة كثيرة على انتهاك هذه الحصانة من قبل بعض الدبلوماسيين. وتشعر بريطانيا بانزعاج كبير لان سفارات دول حليفة ترفض دفع تكلفة الدخول الى مركز المدينة مدعية انها تمثل “ضريبة” يستثنى الدبلوماسيون منها عادة، وتتصدر السفارة الامريكية في لندن القائمة لتصل المبالغ المتراكمة عليها اكثر من ستة ملايين جنيه استرليني.

 

مع ذلك بقي مبدأ الحصانة الدبلوماسية ساريا، يستفيد منه ممثلو الدول العاملون في السفارات. وهناك فرضيات كثيرة لدى الدبلوماسيين والراي العام ايضا تقلل من بريق هذه الحصانة احيانا وتدفع للاحتجاج ضدها. الفرضية الاولى في المسألة الدبلوماسية ان السفارات وملحقاتها ارض تابعة للدولة ذات الوجود الدبلوماسي. ولكنه انطباع خاطيء وان السفارات تخضع للدولة المضيفة. ما معنى الحصانة الدبلوماسية لهذه  المباني اذن؟ ولماذا لا تقتحم اجهزة الامن والشرطة السفارات والقنصليات عندما تحدث مشكلة؟ ام ان هناك تداخلا بين خضوع الارض والمبنى لحاكمية الدولة المضيفة وحقوق الدبلوماسيين العاملين في هذه السفارات؟ لماذا لم تقتحم الشرطة البريطانية مثلا سفارة الاكوادور في لندن لاعتقال  جوليان أسانج، مبرمج الكومبيوتر ذي الاصل الاسترالي، ومؤسسس ويكيليكس، منذ ان لجأ اليها في 2012  لتحاشي الاعتقال في قضية قدمتها السلطات السويدية بدعوى قيامه بتحرش جنسي بامرأة. وستظل قضيته مثيرة للغط، فهل منحه اللجوء والبقاء بمبنى السفارة يقع ضمن الحقوق الدبلوماسية؟ في العام 1998 ذهب شاب بحراني (نزا رالقاريء) مطلوب من سلطات بلاده الى السفارة البريطانية في المنامة وطلب اللجوء، وبرغم تدخل اللورد ايفبوري الذي توفي قبل عامين ونصف الا ان موظفي السفارة اجبروا الشاب على الخروج ولم ينظروا في طلبه، وما ان خرج حتى اعتقلته اجهزة الامن وتعرض لابشع اصناف التعذيب. والسؤال هنا: ما معايير اللجوء؟ وما معايير الحصانة الدبلوماسية؟ الامر الواضح ان العلاقات بين البلدان تؤثر على مدى التمسك بروح القانون، ومدى تغليب المصالح السياسية والاقتصادية على المواقف الانسانية.

 

البروتوكولات الدبلوماسية المعمول بها في العالم توفر حصانة للدبلوماسيين الذين يمثلون حلقة الوصل بين بلدانهم والدول المضيفة. هذه الحصانة تعني عدم امكان مقاضاة الدبلوماسي امام قضاء الدولة المضيفة حين يرتكب مخالفة او جرما الا اذا رفعت دولته الحصانة عنه. وفي الوقت نفسه يتوقع التزام من يتمتع بهذه الحصانة بقوانين الدولة المضيفة وعدم اختراقها. الدولة المضيفة لا يحق لها ايضا زرع اجهزة تنصت وتجسس في مباني السفارات،وان كان ذلك امرا تتجاوزه الدول الكبرى بدعوى حماية مصالحها. فمثلا `انتشرت في 2014 تقارير كثيرة عن تعرض الدبلوماسيين الالمان لتنصت من اجهزة الامن الامريكية، واعتذر الرئيس اوباما عن ذلك،ولكن بقيت مشاعر الاحباط والالم تلقي بظلالها على العلاقات بين البلدين. وبعد عام كانت هناك تقارير عن عملية عكسية، ذكرت ان وكالة الاستخبارات الالمانية تجسست على سفارات دول حليفة منها امريكا وبريطانيا وفرنسا وبولندا ووزارة الداخلية الامريكية والبعثات الامريكية لدى الامم المتحدة، وفي السبعينات قامت الولايات المتحدة ببناء سفارة عملاقة لها في موسكو، وقبل ان ينتقل دبلوماسيوها للمبنى الجديد كشفت الفحوص الامريكية انه مكتظ بالاجهزة السرية المزروعة من اجل التجسس. فتم هدم المبنى كله بعد ان اتضح استحالة تنظيفه من تلك الاجهزة.

 

قبل 39 عاما تقريبا سيطر الطلبة الايرانيون على السفارة الامريكية في طهران، واحتجزوا كل موظفيها ومن ضمنهم الدبلوماسيون. جاء ذلك احتجاجا على استقبال الولايات المتحدة الشاه المخلوع والمطالبة بطرده. استمرت تلك الحادثة 444 يوما وكانت من اسباب هزيمة جيمي كارتر في الانتخابات التي اجريت في العام 1980. ولم يفرج عنهم الا بعد ان نصب الرئيس المنتخب، رونالد ريجان، رئيسا بعد فوزه في يناير 1981. وبرغم الحالة الثورية لاولئك الطلاب فقد امتنعوا عن قتل اي من  الرهائن الامريكيين. كانت تلك الحادثة من بين اهم اسباب توتر العلاقات بين الطرفين التي استمرت حتى اليوم،ولعبت دورا في تحفيز العراق للدخول في حرب مع ايران في سبتمبر 1980. وكان هناك خلاف داخل الحكومة الايرانية حول الحادثة وكيف يمكن الخروج من الازمة التي خلقتها. وكان للجزائر دور اساس في المفاوضات بين الطرفين التي افضت لاطلاق الرهائن واعادتهم الى الولايات المتحدة. وتزامن مع ذلك اعتداء على السفارة الايرانية في لندن قامت به عناصر تطالب بانفصال اقليم خوزستان، الذي يقطنه مواطنون من اصل عربي. نجم عن ذلك مقتل اثنين من الموظفين الايرانيين بالسفارة، قبل ان تقتحمها مجموعة من القوات الخاصة وتتسبب في احتراق المبنى.

 

في العام 1984 اطلقت اعيرة نارية من داخل السفارة الليبية في لندن باتجاه محتجين معارضين لنظام القذافي، اصابت عشرة منهم بجروح. لكن الاخطر من ذلك ان احدى الرصاصات اخترقت ظهر شرطية بريطانية شابة تدعى ايفون فليتشر واردتها قتيلة الامر الذي اثار ضجة دبلوماسية كبرى. في البداية حاصرت قوات الشرطة السفارة الليبية احد عشر يوما وطردت  30  ليبيا وقطع العلاقات بين البلدين. ومن المؤكد ان اطلاق النار من داخل السفارة كان انتهاكا صارخا لمبدأ الحصانة وفق ميثاق جنيف.

 

هذه الانتهاكات تخضع لتقديرات الدول المعنية، فقد تثيرها مع بعضها، وقد تؤدي لقطع العلاقات او اتخاذ اجراءات بالمثل، او تقديم شكاوى للجهات الدولية المعنية او قد يحدث تخندق دبلوماسي ضد الطرف الذي انتهك المباديء الدبلوماسية المنصوص عليها في ميثاق جنيف. فعندما قطعت السعودية علاقاتها مع ايران لحقتها دول كالسودان وجيبوتي. واذا اخذ بعين الاعتبار كافة الحوادث المرتبطة بالعالم الدبلوماسي الدولي يتضح انها جميعا لم تصل الى حد استخدام المباني الدبلوماسية في اية عملية قتل مباشرة. حدثت اعمال عنف ضد السفارات احدثت حرائق او خرابا في المباني ولكن لم يحدث قط ان ازهقت ارواح البشر بين الحيطان الاربعة لتلك المباني. وهذا ما جعل العالم يتفاعل باسلوب مختلف مع جريمة قتل المرحوم جمال خاشقجي. هنا اختلف الوضع تماما، فقد تم التخطيط من داخل القنصلية السعودية لاستدراج هذا الاعلامي للحضور الى مبنى القنصلية في وقت حدده الدبلوماسيون بعد زيارته الاولى غير المعلنة. وما بين الزيارتين اتخذت اجراءات عديدة بهدف واحد: القضاء على هذا الاعلامي المعارض بابشع طريقة. انها جريمة ارتكبت مع سبق الاصرار والترصد، وربما لم تحدث جريمة تم الاعداد لارتكابها كما حدث هذه المرة. طائرتان خاصتان تنقلان فريق الاغتيال مع كافة الاجهزة التي يحتاج لها لتنفيذ المهمة القذرة بما في ذلك المنشار الكهربائي لتقطيع اوصال الضحية. يضاف الى ذلك اجراءت عديدة اتخذت لاخفاء الجريمة بما في ذلك اعفاء بعض موظفي المبنى الدبلوماسي من الدوام خلال وقت التنفيذ. وتبع ذلك اسبوعان كاملان من الانكار والصمت الرسمي والحملة الاعلامية ضد من يروي ما حدث بموضوعية، خصوصا مع غياب اية رواية سعودية رسمية لتفسير اختفاء الضحية في ما اصبح يعرف لدى بعض الاوساط “الثقب الاسود” وهو مفهوم رياضي للتعبير عن ظاهرة  اختفاء النجوم والمجرات في الفضاء. لذلك لم يلق اعتراف السعودية بجريمة القتل قبولا واسعا برغم محاولة ترامب وفريقه الاشادة بها. فالعالم يتساءل: هل ان اعتراف القاتل بجريمته يلغي عقوبته؟ ان ما جرى في القنصلية السعودية في الثاني من اكتوبر 2018 كان واحدا من اكثر فصول الدبلوماسية الدولية سوادا وقبحا، لذلك توصل العالم الى ان من يفعل ذلك مستعد لارتكاب اية جريمة مهما كانت بشعة. حين تتحول الدبلوماسية الى وسيلة لتصفية الخصوم وارتكاب ابشع الجرائم، فان على العالم ان يعيد النظر في موقفه ويتخذ اجراءات رادعة بشكل جاد للمارقين على القانون والميثاق الدولي والقيم الدينية التي تروج كرامة الانسان وقيمته.

 

كاتب بحريني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق