مقالات

القمع السلطوي لا يلغي حركات الاصلاح

القمع السلطوي لا يلغي حركات الاصلاح

د. سعيد الشهابي

تزداد قضية المرحوم جمال خاشقجي تعقيدا بمرور الوقت، ليس بسبب الاختلاف على ما جرى يوم الثلاثاء الثاني من اكتوبر بل لمدلولاتها الاوسع خصوصا في ما يتعلق بقوى المعارضة العربية. وخلال الاسبوعين اللذين اعقبا الجريمة النكراء اتضحت امور عديدة: اولها جنوح كافة القوى المعنية نحو التهدئة. ومن ذلك اعلان الولايات المتحدة انها لن تضحي بمصالحها الاقتصادية مع السعودية بسبب هذه القضية، واعلان تركيا قبولها مقترحا سعوديا بتشكيل محموعة عمل مشتركة للتحقيق فيها، وعجز المجتمع الدولي عن الاتفاق على موقف جاد للتعاطي مع جريمة ارتكبت تحت غطاء الدبلوماسية المزعومة. كما اتضح ان تفصيلات الجريمة عرفت منذ حدوثها لدى الجهات الاستخباراتية خصوصا التركية، ولذلك فثمة استغراب من الموقف التركي المتردد طوال هذه الفترة، برغم انتهاك السيادة التركية بشكل صارخ. فلم يستدع السفير التركي لدى الرياض، ولم تكشف تفصيلات الجريمة بشكل يضع حدا للتكنهات. وليس مستبعدا ان تكون هناك ضغوط غربية بعدم الاستعجال باعلان ذلك والاستفادة من عامل الزمن لتهميش القضية وتحجيم دورها في تأجيج الرأي العام والبحث عن طريقة اخراج بعيدة عن الاثارة تساهم في التوصل الى توافق مع السعودية وغلق الملف تدريجيا. ولو قورنت طريقة التعاطي مع جريمة اغتيال جمال خاشقجي بما حدث بعد اعدام السعودية عالم الدين السعودي الشيعي، الشيخ نمر النمر في يناير 2016، لاتضح الفارق في ردود الفعل حول القضيتين. فقد خرجت المظاهرات والاحتجاجات في ايران والعراق والبحرين ولبنان وباكستان والهند وافريقيا ودول اخرى احتجاجا على الاعدام. وتعرضت السفارة السعودية في طهران للحرق من قبل المحتجين، الامر الذي ادى لقطع العلاقات بين البلدين. واستطاعت السعودية جر دول اخرى لقطع العلاقات مع ايران منها البحرين وجيبوتي. ولذلك فان السماح بتهميش قضية خاشقجي تدريجيا او السعي لتبرئة السعودية عمليا من جريمة الخطف والقتل واستغلال الحصانة الدبلوماسية لارتكاب جريمة قتل بشعة، يعتبر تعديا على العدالة وتجاهلا لحقوق البشر وتماهيا مع القتلة.

 

ماذا يعني ذلك لقوى المعارضة العربية؟ في بداية الامر اعتقد الكثيرون ان المجتمع الدولي سيقوم بمعاقبة السعودية بشكل صارم، وان ذلك سيردعها وغيرها من الدول التي تلاحق معارضيها خارج الحدود عن ارتكاب جرائم مماثلة مستقبلا. ولكن يبدو ان الامر ليس كذلك وان الصدمة الاولى اخذت دورها ثم تلاشت. في البداية اظهر الغربيون شيئا من الحماس خصوصا ان خاشقجي كان قد اقام علاقات واسعة في امريكا وبدأ يكتب عمودا بصحيفة “واشنطن بوست”. وفي عالم يبتعد تدريجيا عن قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، اصبحت المصالح الاقتصادية المعيار الاول لتحديد سياسات هذه الدول وعلاقاتها. ومن المؤكد ان الاعلام سيكون له دور مهم في هذه القضية، ولكن الاعلام الغربي محكوم بسياسات دوله، فهو يتناغم معها ويدعمها وان ابدى اعتراضات على بعضها. وستبقى الانظار موجهة لصحيفة “واشنطن بوست” ومدى استمرار اهتمامها بقضية خاشقجي الذي كان يكتب عمودا فيها. وبرغم ما يقال عن الاعلام الغربي فقد اصبح هو الآخر أقل بريقا وأكثر عرضة لمحاولات التاميم غير المعلن من قبل انظمة الحكم القائمة. فليس هناك حرية تعبير مطلقة في الدول الغربية، بل محكومة بمصالح الدول من جهة ومصالح مالكي وسائل الاعلام من جهة اخرى. والأمل ان تصر الصحيفة المذكورة على ابقاء القضية ساخنة، لكي يتوفر قدر من الحماية ليس للاعلاميين فحسب بل للمعارضين في بقية الدول ايضا.

 

في الاسبوع الماضي اعلنت منظمة “امريكيون من اجل الديمقراطية وحقوق الانسان في البحرين” نجاحها في ازالة اسماء ثلاثة من المعارضين  البحرانيين من القائمة الحمراء للشرطة الدولية “انتربول”، بعد ان اثبتت ان حكومة البحرين قدمت وثائق مزورة للجهاز الدولي، وانها فعلت ذلك مع عشرات المعارضين. فكل من يعارضها في الخارج تضفي عليه صفة الارهاب وتقدم اسمه للانتربول. ماذا يعني ذلك؟ لقد توسعت دائرة القمع السلطوي للمعارضين لتعبر حدود الوطن وتستهدفهم في منافيهم، سواء بمطالبة الانتربول باعتقالهم ام خطفهم ام قتلهم. فالاعلامي جمال خاشقجي ليس الاول ولن يكون الاخير من المعارضين الذين تستهدفهم سلطات بلدانهم. وعلى عكس ما يتصوره اي نظام يستهدف معارضيه باساليب غير قانونية، فان هذه السياسة تعكس ضعف النظام وهلعه وشعوره بالخطر الدائم من مناوئيه. فمنذ استيلاء محمد بن سلمان على السلطة قبل ثلاثة اعوام ساهمت سياساته في اضعاف الاعمدة التي يقوم عليها الحكم السعودي: الشرعية الدينية التي استند عليها منذ قيامه ممثلة بالمذهب الوهابي، والدعم الامني والعسكري الامريكي ووحدة البيت السعودي والمال النفطي الهائل. هذه الدعامات تتلاشى تدريجيا اما بفعل سياسات ولي العهد او وفق المناخات المناخات السياسية والاقتصادية. ولذلك يشعر النظام بالتوتر المستمر ويبحث عن اعداء وهميين لاشغال الراي العام المحلي عن المشاكل الحياتية وتراجع الانفاق العام ومعه مستويات المعيشة، او ارتدادات سياساته الخاطئة كحرب اليمن ورعاية الارهاب والتطرف. ولم يبق من دعامة قوية للحكم السعودي سوى الدعم الامريكي الذي ترسخ في عهد الرئيس الحالي. وحتى هذه الدعامة مهددة بالتداعي بعد ان تقلصت الامكانات المالية لدى الرياض بسبب الانفاق غير المرشد. وكان ترامب واضحا في مطالبته السعودية بدفع المزيد من الاموال في مقابل حمايتها، وقد كرر ذلك مرارا في الشهور الاخيرة باسلوب ممجوج. انه يطالب بالمزيد من المال وفي الوقت نفسه يضغط على السعودية لخفض اسعار النفط، فكيف يتحقق ذلك؟

 

يمكن قياس مدى قوة اي نظام حاكم بطريقة تعاطيه مع مناوئيه، وليس بما يملكه من اسلحة متطورة وطائرات حديثة ومنظومات صاروخية عملاقة. وقد اظهرت الحرب السعودية – الاماراتية على اليمن ان هذه الاسلحة لا تحقق نصرا على شعب صامد يدافع عن ارضه واستقلاله. هذه الحرب التي أكلت الاخضر اليابس تتحول هي الاخرى الى مستنقع لوث الاطراف المشاركة فيه. كانت السعودية تسعى لاثبات قوة ذراعها العسكرية ولكنها فشلت في ذلك وخسرت الكثير من مصداقيتها. وبدلا من الاستفادة من الدرس اليمني أقدمت الرياض على مغامرة اخرى كرست الانطباع بحدود النفوذ السعودي. فاستهدفت قطر، وهي الدولة الجارة وعضو مجلس التعاون الخليجي. كان ولي العهد السعودي يهدف لاظهار هيمنته على حدوده الشمالية والشرقية بشكل مطلق، بالاضافة لهيمنته على الداخل السعودي سواء باستهداف المعارضين واعتقال الآلاف منهم ام بقصف المنطقة الشرقية بشكل متواصل وقتل شبابها (آخرهم ثلاثة اغتالتهم القوات السعودية بمدينة القطيف هذا الشهر: محمد حسن الزايد، مفيد حمزة علوان وخليل ابراهيم المسلم).

 

هذا الضعف دفعه لتصعيد استهداف معارضيه بشكل غير مسبوق. فقد اختطف اربعة امراء على الاقل من دول اوروبية كالمانيا وسويسرا، واسترجع ناشطة حقوقية من الامارات (لجين الهذلول). وواصل تنفيذ احكام الاعدام بوتيرة غير مسبوقة. وذكرت منظمة “ريبريف” المعنية بقضايا الاعدام ان السعودية اعدمت 640 شخصا في السنوات الاربع الماضية. وهناك الكثيرون من المعتقلين ومن بينهم علماء دين، معرضون للاعدام بسبب آرائهم ومواقفهم. ان التوحش في التعامل مع المعارضين لا يهدف لتصفيتهم فحسب بل لبث الرعب في قلوب الآخرين الذين يعارضون النظام او يطالبون بما ليس متوفرا من حقوق او دساتير او انظمة.

 

عندما اختطف الناشط الحقوقي الليبي منصور الكخيا خلال حضوره مؤتمرا لحقوق الانسان بالقاهرة في 1993 حدثت في بداية الامر ضجة كبيرة ضد نظام معمر القذافي الذي اتهم بالعملية، ولكن سرعان ما انتهى الاهتمام بالقضية. ولم يعرف عن مصير الكخيا شيء الا ما ذكره عبد الله السنوسي، آخر رئيس جهاز المخابرات الليبي في عهد الليبي بان الجهاز اختطفه وقتله، وبعدها تم تحديد مكان الجثة وابلاغ اهله بذلك. وقبل اربعين عاما قام نظام القذافي بخطف الزعيم الديني اللبناني، السيد موسى الصدر، واختفى اثره برغم جهود لبنان وايران بحثا عن مصيره. ولم يعرف شيء عما حدث له حتى اليوم. ولكن ستبقى جريمة قتل جمال خاشقجي واحدة من ابشع العمليات التي قامت بها الانظمة ضد معارضيها. فقد تم استغلال الحصانة الدبلوماسية لارتكاب جريمة خطف وتعذيب وقتل باساليب مقززة سيئة الاخراج. فقد عرفت تفصيلات الخطة السعودية بحذافيرها تقريبا من استخدام طائرتين خاصتين لنقل فريق الاغتيال وادوات كهربائية لتقطيع الجثة وست حافلات للتنقل بين القنصيلة وبيت القنصل. وليس معلوما بعد ما اذا كان تنفيذ الخطة بهذا الاسلوب المكشوف ناجما عن ضعف في التخطيط والتنفيذ ام جزءا من خطة ادخال الرعب في نفوس المعارضين، ليس السعوديين فحسب، بل كل من يعارض السعودية وحليفاتها الخليجيات. وفي العام 2009 ارتكبت جريمتان في لندن ضد نشطاء المعارضة: محاولة حرق منزل لاحد المعارضين البحرانيين والاعتداء بالضرب على اثنين منهم. كما تعرض المعارض السعودي، الدكتور سعد الفقيه في العام 2003 لاعتداء في منزله ادى لاصابته بجروح في رجله، قبل ان يلوذ المعتديان بالفرار.

 

مع ذلك ستستمر المعارضة للاستبداد والديكتاتورية في دول العالم العربي، اذ لا يمكن وقف عجلة التغيير بالقمع والتنكيل. واذا كانت قوى الثورة  المضادة قد تمكنت من اجهاض ثورات الربيع العربي قبل سبعة اعوام، فان غياب الاصلاح السياسي الجذري سيشعل شرارة التغيير مجددا، وستساهم اساليب البطش والخطف والاغتيال، على النمط السعودي، في اذكاء الغضب الشعبي الذي يزيد اشتعالا بالقمع والعدوان والخطف والاغتيال. والامل ان تكون للجريمة السعودية تبعات تحول دون تكرار مثلها مع آخرين مستقبلا.

 

 

كاتب بحريني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق