مقالات

البحرين وأزمة الاقتصاد والسياسة

د. سعيد الشهابي

Jul-02

البحرين كانت وما تزال الاكثر عرضة من بين دول مجلس التعاون الخليجي للاضطراب السياسي والاقتصادي. فلم يمر عقد زمني طوال القرن الماضي بدون حدوث اضطرابات امنية او انتفاضات سياسية تطالب باصلاح الاوضاع السياسية المضطربة. ويكفي الاشارة إلى ان سجون البحرين في الوقت الحالي تضم اعلى نسبة من السجناء السياسيين في العالم مقارنة بعدد السكان، اذ يتجاوز عددهم 4000 من بينهم نساء واطفال. برغم ذلك تتظاهر حكومتها بعدم وجود شيء من ذلك، وتلقي اللوم على الخارج دائما. غير ان اوضاع هذا البلد الخليجي الصغير تفاقمت في الشهور الاخيرة، هذه المرة، بسبب أزمة اقتصادية حادة فاجأت الكثيرين. فهناك خمسة شهور تفصل ما بين تقدم حكومة البحرين بطلب المعونة الاقتصادية من السعودية والامارات والكويت واعلانها اكتشاف «أكبر» حقل نفطي في تاريخها. وهناك اربعة شهور اخرى تفصل بين ذلك الاعلان وتقديمها طلبا آخر لدعم اقتصادها بعد هبوط عملتها بشكل حاد. فما مغزى ذلك؟ كيف يمكن ربط اكتشاف اكبر حقل من النفط والغاز والحالات المتكررة من العجز المالي وهبوط الاحتياطي النقدي ومعه هبوط العملة؟ ويزداد الامر غرابة بلحاظ ضآلة عدد السكان والمستوى المتدني لغالبية المواطنين.
في مطلع شهر نوفمبر الماضي طلبت البحرين مساعدة مالية من الدول المذكورة في وقت كانت البلاد فيه تسعى إلى تعزيز احتياطاتها النقدية وتجنب هبوط عملتها. وردت هذه الدول على طلب البحرين بدعوتها إلى مزيد من السيطرة على مواردها المالية. ووفق تقرير مؤسسة بلومبيرغ فإن صندوق النقد الدولي يتوقع أن يكون العجز في موازنة البحرين الأعلى بين دول مجلس التعاون الخليجي، رغم تراجع هذا العجز العام الماضي. وذكر التقرير أن احتياطات البنك المركزي البحراني انخفضت منذ العام 2014 بنحو 75٪ لتبلغ في أغسطس/اَب الماضي 522 مليون دينار (نحو 1.39 مليار دولار). ومن دون الحصول على هذه المساعدات أو انتعاش أسعار النفط، فإن الحكومة ستواجه صعوبة في الحفاظ على سعر صرف عملتها عند مستواه الحالي والبالغ 0.376 دينار للدولار الواحد، وفق ما ذكره التقرير.
لكن سلطات البحرين فاجأت العالم في مطلع شهر نيسان/ابريل الماضي عندما أعلنت اللجنة العليا للثروات الطبيعية والأمن الاقتصادي في البحرين «التوصل إلى اكتشاف أكبر حقل للنفط في تاريخ البلاد». فقد ذكرت اللجنة اكتشاف مورد كبير من النفط الصخري الخفيف تقدر كمياته بأضعاف حقل البحرين، بالإضافة إلى اكتشاف كميات كبيرة من الغاز العميق. ويعتبر هذا الاكتشاف خلال عهد الحاكم الحالي حمد بن عيسى آل خليفة، أول اكتشاف منذ عام 1932 عندما تمّ تدشين أول بئر للنفط في البلاد. وذكرت اللجنة العليا للثروات الطبيعية والأمن الاقتصادي انها باشرت بـ «وضع الخطط التفصيلية لمضاعفة عمليات الاستكشاف والتنقيب»، حيث تم توجيه الهيئة الوطنية للنفط والغاز وشركات النفط الوطنية بالعمل على تحسين مستوى المسح الجيولوجي. ادى ذلك الاعلان لتفاؤل مؤسسات الدولة والجهات الدولية الداعمة لحكومة البحرين.
لكن المفاجأة الثالثة في غضون اقل من عام جاءت عندما اعلن الاسبوع الماضي عن انخفاض سعر الدينار البحراني في مقابل الدولار، وتزامن ذلك مع طلب الحكومة مساعدات عاجلة من السعودية والامارات والكويت. وحسب الارقام المعلنة فان البحرين تحتاج اكثر من 10 مليارات دولار في العامين المقبلين لسد العجز في موازنتها ودعم عملتها.
ماذا تعني هذه التطورات لبلد يعاني من توتر امني لم يتوقف منذ اندلاع ثورة شعبية في 14 شباط/فبراير 2014؟ خصوصا ان مسؤولي هذا البلد يتظاهرون باستتباب اوضاعهم سياسيا واقتصاديا، ويتصرفون وكأن الامور طبيعية داخل حدودهم. ان من الصعب تفكيك ألغاز هذا البلد الخليجي الصغير الذي يعتبر الاكثر اضطرابا في المنطقة بينما يتظاهر حكامه بشكل مختلف تماما. ربما المشكلة الكبرى التي يعاني منها حكام البحرين ارتباطهم المصيري بنظامي الحكم في السعودية والامارات و «اسرائيل». هذا الارتباط وفر لهم مصدرا ماليا كبيرا، ولكنه ورطهم في ازمات خطيرة يصعب التنبؤ بكيفية الخروج منها. بدأ هذا الارتباط المصيري بتدخل التحالف السعودي ـ الاماراتي في شؤون البحرين عسكريا، وذلك بعد شهر واحد من اندلاع ثورة شعبها. ففي منتصف شهر آذار/مارس 2011 اجتاحت القوات السعودية والاماراتية اراضي البحرين وساهمت بقمع ثورة شعبها. وبذلك اصبح نظام الحكم فيها مدينا لهاتين الدولتين اللتين منعتا سقوطه. ومن الطبيعي ان يكون لذلك ثمن على مستوى السيادة واستقلال القرار السياسي. ويمكن القول ان حكومة البحرين فقدت السيادة على البلاد وكذلك حرية قرارها. فوجدت نفسها مجبرة على التورط في حرب اليمن، بارسال قوات جوية شاركت في القصف الذي كان بعضه جرائم حرب. هنا لم يكن امام حكومة البحرين من خيار سوى الاذعان لإملاءات السعودية والامارات.
واتخذت قرارا آخر بقطع العلاقات مع إيران، تماهيا مع الموقف السعودي. وعندما افتعل تحالف الرياض وابوظبي العام الماضي الازمة مع قطر لم يكن امام حكومة البحرين سوى مسايرتهما بقطع العلاقات مع قطر واعلان مقاطعة قمة الكويت في شهر كانون الاول/ديسمبر الماضي بسبب حضور الامير القطري. هذا برغم انها قد لا تشاطرهما كل ما يدعيانه حول قطر. فالاخوان المسلمون وهم المستهدفون من قبل البلدين، حلفاء لحكومة البحرين ولا تستطيع الاستغناء عن مواقفهم الداعمة خصوصا ازاء الحراك الشعبي. هذا التماهي مع السياسات السعودية والاماراتية دفع المسؤولين للمبالغة في استهداف قطر وانتقادها.
يضاف إلى ذلك ان سياسات حكومة البحرين الاقتصادية لم تكون توحي بان الاوضاع سيئة بالمستوى الذي يتضح الآن. فقد استخدمت الحكومة المال لشراء مواقف الدول الاخرى وكذلك السياسيين والاعلاميين وشركات العلاقات العامة. ومن ذلك سياسة حكومة البحرين محاكاة السياسات السعودية باغداق الاموال على ادارة دونالد ترامب. فسفارة البحرين في واشنطن استأجرت قبل عامين فندق ترامب لاقامة حفلها السنوي للعيد الوطني، اي قبل شهر من تنصيبه رئيسا بعد فوزه في الانتخابات. واستمرت حكومة البحرين بتوقيع صفقات سلاح آخرها بقيمة تتجاوز مليار دولار لشراء 16 طائرة من جيل 70 F – 16 Block أحدث إنتاج من مقاتلات الـ F ـ 16 وأكثرها تقدّما. فلماذا تحتاج البحرين هذه الطائرات خصوصا ان لديها 17 طائرة منها. هذه الصفقة كانت ضمن صفقة اكبر وقعها ولي عهد البحرين مع الرئيس الأمريكي خلال زيارة قام بها لواشنطن في شهر ديسمبر الماضي. وقال ترامب: «تشرفت بلقاء ولي عهد البحرين في مكتبي اليوم وهناك صفقات كثيرة ستعقد بيننا قيمتها 9 مليارات دولار». هذا الانفاق الهائل في ضوء اوضاع اقتصادية متداعية امر لا يستقيم مع العقل والمنطق والتخطيط الحكيم. هذه الصفقة العملاقة جاءت متزامنة مع طلب البحرين دعما من الدول الخليجية، كما تمت الاشارة. حدث ذلك بعد شهور فقط من الغاء الدعم للسلع الاساسية ومنها اللحم الذي بلغ سعره اكثر من ضعفين بقرار ملكي. وهناك عائلات لم تذق طعم اللحم منذ أكثر من عام.
٭ كاتب بحريني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق