مقالات

آل خليفة والحكم المغتصب

وصل فرع من العتوب إلى شمال قطر لكنهم لم يعمروا فيها كثيراً، وانتقلوا من بعدها بمحاذاة الساحل حتى وصلوا إلى الكويت، ومنها توجهوا للبصرة، ولكن والي البصرة صدهم قبل وصولهم، فرجعوا إلى الكويت. وبسكناهم على السواحل تعلموا ركوب البحر للتجارة، وزادت أعداد سفنهم، وبدأوا يشكلون قوة اقتصادية ملحوظة. ولما وقع خلاف شديد بين العتوب في الكويت، آثر عيال جابر (الذي ينتسب آل الصباح لابنه صباح بن جابر) البقاء في القرين (اسم الكويت القديم)، وتأسيس إمارة لهم. أما عيال عذبي (الذين جاء من نسلهم ارحمة بن جابر بن عذبي الجلاهمة)، وعيال خليفة (الذي ينتسب إليه آل خليفة)، فقد رحلوا من الكويت، وتوجهوا مرة أخرى إلى شمال قطر، فسكن عيال عذبي في الرويس، بينما سكن عيال خليفة، الذين كان يقودهم محمد بن خليفة، الزبارة. كانت الزبارة في تلك الفترة ميناء تجاريا مهما يشتهر بتجارة اللؤلؤ، وكان يخضع لسلطة بني خالد، وكان الحاكم عليه أحد أفراد آل مسلم. لم يحاول آل مسلم منعهم من سكن الزبارة، لكن تم الزامهم بدفع الإتاوة السنوية. وفي عام 1782 قام أحد “البحارنة” (نسبة للبحرين) بقتل واحد من “خدم” أحمد بن محمد بن خليفة، فما كان من أهل الزبارة إلا أن أخذوا بثأرهم وقتلوا القاتل مع خمسة ممن كانوا معه. جهز ناصر المذكور، حاكم البحرين، سفنا حربية وأرسلها لقطر بقيادة أخيه، فحاصر الزبارة لمدة شهر، وكان هدفه سبي النساء والأطفال “والخدم” وقتل الرجال. وبعد شهر، وبالتحديد في 20/5/1783، قام “المذكور” بالهجوم على الزبارة يعاونه راشد القاسمي حاكم الشارقة. خرج أهل الزبارة للقتال ودارت معركة حامية الوطيس، وفجأة وصل المدد من جميع قبائل قطر، وفوق ذلك وصل البلوش من آل محمد من البصرة، لنصرة أهل الزبارة. فانهزم الغزاة، وقتل قائد حملتهم، كما قتل راشد القاسمي، بينما هرب ناصر إلى بوشهر. وقام أحمد بن محمد بن خليفة، في 25/7/1783، ونظم حملة استهدفت احتلال البحرين، ولهذا عرف أحمد باسم “أحمد الفاتح”. بعد وفاة أحمد الفاتح في 1794 خلفه ابنه سلمان الذي هرب من الزبارة بعد أن قامت قوات آل سعود (الدولة السعودية الأولى) بمحاصرة الزبارة. وما أن وصل سلمان إلى البحرين، في 1800، حتى وقعت تحت حصار حاكم مسقط سلطان بن أحمد. حاول سلمان عقد صلح معه، وقدم أحد اخوانه رهينة، ومع ذلك قام حاكم مسقط بتعيين ابنه سعيد والياً على البحرين، وأبعد سلمان إلى الزبارة. مات أخو سلمان، الرهينة عند حاكم مسقط، فقام سلمان بطلب المساعدة من عبدالعزيز بن محمد آل سعود لطرد سعيد بن سلطان واستعادة البحرين. وافق ابن سعود وأرسل إليه إبراهيم بن عفيصان، وتمت استعادة البحرين. ولكن ابن عفيصان استحوذ على البحرين، وأعاد آل خليفة إلى الزبارة. وبعد مدة هجمت قوات ابن سعود على الزبارة، وطلب من سلمان وأخيه عبدالله السفر إلى الدرعية، وعندما وصلا إلى الدرعية، في 1809، قام ابن سعود بحجزهما عنده. قام عبدالرحمن بن راشد الفاضل (ابن اخت سلمان) بتجنيد جيش من عرب النصور من فارس، وتمكن، في 1810، من إخراج إبراهيم بن عفيصان من البحرين وأجبره للجوء عند ارحمة الجلاهمة في الرويس. لم يحاول ابن سعود استرجاع البحرين لأنه كان مشغولاً بحملة إبراهيم باشا التي وصلت للحجاز فقام، في 1812، بإطلاق سراح سلمان وأخيه عبدالله. قام سلمان بالهجوم على ارحمة وابن عفيصان فهزمهما لكنه لم يقض عليهما. وفي 1815 تعرضت البحرين للغزو من قبل سعيد بن سلطان، وحليفه ارحمة الجلاهمة، ولكن تم صد الغزو. توفى سلمان في 1821 فخلفه أخوه عبد الله بن أحمد. قام عبدالله بتثبيت حكم آل خليفة على البحرين وبدأ بالقضاء على ارحمة وتوسيع إمارته حيث استولى على دارين وتاروت وسيهات بالقطيف. خرج ثلاثة من أبناء عبد الله على أبيهم، فأرسل لهم جيشاً بقيادة حفيد أخيه محمد بن خليفة بن سلمان الذي آثر أن يأخذ الحكم لنفسه. فحاصر عبدالله في المحرق. استطاع عبدالله، في 1842، من فك الحصار وهرب إلى فارس ومنها إلى الكويت ثم إلى عمان ومات بها عام 1849. استلم محمد بن خليفة حكم البحرين، وفي عهده انقسم آل خليفة إلى فرعين هما: آل عبد الله وهم الحكام الأصليون للبحرين، وآل سلمان وهم المغتصبون للحكم من آل عبدالله. خرج أبناء عبدالله هاربين إلى الدمام، وحاول محمد القضاء عليهم حتى لا ينافسوه في الحكم، وقام بشن الحملات العسكرية عليهم في أي مكان استقروا فيه. وفي الأخير أرسل أخاه علي لقتال أبناء عبدالله وحاصرهم في الدمام حتى وقع الصلح بينهم في أواخر عام 1842. وفي 1861 وقع محمد اتفاق الحماية مع بريطانيا واشترطوا عليه ألا يجهز جيوشاً لأنهم سيتولون حمايته. ذهب قاسم بن محمد بن ثاني (ابن ثاني) إلى البحرين لمفاوضة محمد على إثر خلاف دار بينهما، ولكن الأخير قام بسجنه، فثارت قبائل قطر ووقعت معركة دامسة (1868) التي انتصر فيها حاكم البحرين، ولم يكفه ذلك بل جهز جيشه، بمساندة من حاكم أبوظبي، لغزو الوكرة ووقعت معركة بينهم (معركة الطويلة بعام 1868) وكان النصر حليف أهل قطر وعلى إثرها تم فك ابن ثاني من الأسر، وألزموا حاكم البحرين وأبوظبي بدفع تعويضات لأهل قطر عن الخسائر التي لحقت بهم، والاعتراف بانفصال الزبارة عن البحرين. ولأن حاكم البحرين أخل بشروط الحماية البريطانية، وبسبب الصراع الداخلي على الحكم، قامت بريطانيا بخلعه وعينت أخاه علي بن خليفة. حاول عبدالله الصباح مصالحة علي مع أخيه محمد المخلوع لكنه لم يوفق. فعاد محمد ونزل في دارين ودخل في جيش ناصر بن مبارك بن عبدالله آل خليفة، الذي قام في 1869، بقتل علي بن خليفة وأعاد الحكم، كما تروي المصادر، لمحمد بن خليفة. ولكن محمد لم يهنأ بالحكم إذ قام عليه أبناء عبد الله وسجنوه في قلعة أبي ماهر في البحرين، ونصبوا أخاهم محمد بن عبد الله. تدخل المقيم السياسي البريطاني فخلع محمد بن عبدالله ونصب عيسى بن علي بن خليفة، وبه خرج آل عبدالله الخروج النهائي من البحرين. استلم عيسى الحكم في 1870 وهو من أرسى دعائم دولة البحرين وقام بتنظيم القوانين وأنشأ القضاء وأسس المدارس وعزز المرافق الطبية وأمر ببناء ميناء المنامة. ومع أن عيسى كان مخلصاً للإنجليز، إلا أنهم في 26/5/1923 أجبروه على تسليم مقاليد الحكم لابنه حمد، ولكن حمد لم يباشر الحكم فعلياً إلا بعد وفاة والده في 1932. وفي بداية عهد حمد تم اكتشاف النفط في البحرين وتم تصدير أول شحنة من النفط في عام 1934. وحكم لمدة عشر سنوات ومات بالسكتة القلبية في 1942. تولى الحكم ابنه سلمان بن حمد واستمر حكمه مدة 20 عاماً وازدهرت البحرين، ونالت قسطاً كبيراً من التحضر، وتطور في عهده الاقتصاد. توفى سلمان بسبب المرض في عام 1961. استلم الحكم بعد ذلك عيسى بن سلمان الذي قاد تطور الاقتصاد البحريني، ولكنه قام بحل المجلس الوطني المنتخب في 1975، وتعيين كل المسئولين في الوظائف العامة من عائلته، الأمر قاد إلى حركات احتجاجية بين 1994 و2000 والتي كانت من ضمن مطالبها بان تسود العدالة بين جميع المواطنين، وإعادة الديمقراطية، وإجراء إصلاحات اقتصادية. وفي 1996 شاركت البحرين في محاولة الانقلاب على الحكم في قطر. توفى عيسى في 1999 إثر أزمة قلبية وتولى ابنه حمد الحكم. وفي 2000 قام حمد بتغيير اسم دولة البحرين إلى مملكة البحرين وبه أوقعها في مشاكل اقتصادية كبيرة. وبدأ يقتبس دور الإصلاحي ولكنه لم يوفق في ذلك، ولما زادت الاحتجاجات الشعبية في البحرين عرف أنه أصغر من أن يحتويها بنفسه وبإمكانية بلاده، فقام بالاستنجاد بالسعودية، التي تدخلت، في 15/3/2011 باسم درع الجزيرة وقضت على الاحتجاجات بالقوة، وبه أصبح تابعاً للسعودية يأتمر بأمرها ودخل مع الدول التي فرضت الحصار على قطر.
وفي الختام نقول إننا استعرضنا تاريخ الدول الخليجية المحاصرة لقطر، وعرفنا أن الغدر والخيانة أمر ليس بجديد بل هو متأصل فيهم لدرجة أنه لم يسلم من غدرهم وخيانتهم لا ابن ولا أخ ولا ولد عم. وبهذا نتوقف عن الكتابة في شهر رمضان سائلين المولى العزيز القدير أن يتقبل صيامكم وقيامكم وأن يرزق رب العباد أهل قطر الحج إلى بيته الحرام غصباً عن آل سعود.. وكل عام وأنتم بخير.
والله من وراء القصد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق