مقالات

تناقضات سياسات العراق تتجلى في الحملات الانتخابية

العراق المثير للجدل كما كان دائما
انتخابات العراق تفتح ملفاته المتداخل
العراق يخوض انتخاباته المحكومة بالمحاصصة
 
العراق سيظل، كما كان دائما، البلد العربي الذي يستعصي على “التطويع” من اي طرف يسعى لذلك. فقد تمرد على الخلفاء والائمة. كان شيعيا ولكنه قتل عليا والحسين، وكان سنيا ولكنه اعتقل أبا حنيفة وعذبه حتى الموت. من ارضه انطلقت الحروب، ولكن لم تصل اليه الغزوات، وعلى ترابه حسمت المعركة ضد الفرس في معركة القادسية. حارب الاستعمار وخاض ثورة العشرين، ولكنه خضع للانجليز بعد ذلك. ثار علماؤه ضد الاستعمار فابعدهم، ولكنهم وافقوا على ترك السياسة في مقابل العودة لاحقا. حكمه حزب البعث ولكنه رفض الوحدة مع سوريا البعثية ايضا. رفعت حركاته الاسلامية شعار العداء للغرب، ولكنها تعايشت مع الوجود الغربي بعد اسقاط النظام السابق. هو في عمق الاسلام ولكنه لم يعاد النصارى او اليهود الذين تعايشوا مع غالبية سكانه المسلمين. هو شيعي لكنه يحتضن السنة، وسني لكنه لا يرفض الشيعة. انطلقت منه ايديولوجيات العلمنة ونشط فيه الشيوعيون وحكمه البعثيون، ولكنه لم يستطع التنكر للاسلاميين. نظامه السياسي اعدم كبار العلماء مثل محمد باقر الصدر وعبد العزيز البدري، ولكنه بقي معقلا للعلماء والفقهاء ماضيا وحاضرا. انه بلد يحمل تناقضاته علنا، ولكنه يتعايش معها. اقام نظامه السياسي الحالي في ظل الاحتلال الامريكي، ولكنه لم يقبل بوجود ذلك الاحتلال، فحاربه بالسلاح والسياسة معا. يحكمه اليوم خليط من الاسلاميين وغيرهم ومنهم حزب الدعوة الذي ينتمي اليه رؤساء الوزراء الثلاثة منذ العام 2005 ولكنه لا يدعي تطبيق المشروع الاسلامي الذي تأسس الحزب من اجله. طرح سياسة اجتثاث البعث، ولكنه لم يقطع الطريق امام البعثيين الذين ابدوا استعدادا للتعايش ضمن المنظومة السياسية القائمة، فاصبحوا اعضاء في برلمانه ويستعدون لخوض انتخاباته المقبلة. سياسيوه يشتم بعضهم بعضا، فبعضهم متهم بالعمالة لامريكا، وآخر لايران، وثالث للسعودية ورابع لتركيا. وتتصاعد الحرب الباردة بينهم (في احسن الاحوال بعد ان تعبوا من الاحتراب العسكري والاقتتال وفق خطوط التماير العرقي والديني والمذهبي). يتهمون السعودية بالتدخل في شؤونهم وتمويل بعض المنظمات الارهابية التي لم تتوقف حتى الآن عن التفجير والاغتيال، ولكنهم مستعدون للتطبيع معها وقبول “هدية” من ولي عهدها لبناء ملعب عملاق وسط بغداد. وما اصدق الشاعر الشيخ احمد الوائلي الذي قال:
بغداد يومك لا يزال كأمسه    صور على طرفي نقيض تجمع
هل هذه نقاط قوة ام ضعف؟ اهي ناجمة عن خطة ام فرضها واقع العراق الذي لا يرضى عنه احد؟ الامريكيون منزعجون لانهم يواجهون رفضا عاما لفتح القواعد العسكرية على اراضيه برغم وجود آلاف الجنود، وبرغم الحجم غير المسبوق للسفارة الامريكية التي تضم اكثر من 3000 “موظف” وتحتل واحدا من اكثر المواقع مركزية على ضفاف دجلة. والايرانيون غير راضين عن اداء حكومة العراق خصوصا في علاقاتها مع امريكا والسعودية وتصريحات بعض مسؤوليها السلبية تجاه ايران. والرياض لم ترض عن العراق يوما لانها ترى فيه منافسا  تسعى لتحييده بالمال والنفوذ والضغط السياسي من قبل الحلفاء الغربيين. في مثل هذا الواقع يصعب وصف هذا البلد الكبير على صعيد الايديولوجيا والانتماء والسياسة الخارجية. فلاهو بلد ديني تحكمه المؤسسة الدينية كما في ايران، ولا هو نظام علماني يتنكر للدين في الحياة العامة. فللدين موقعه في السياسة، وللسياسة موقع بارز لدى الدينيين. كان بامكان العراق تقديم نموذج للحكم “الوسطي” على هذا النمط، ولكن تجربة السنوات الخمس عشرة منذ الحرب الانجلو – امريكية التي اسقطت نظامه السابق لم ترق لتكون موضع اعجاب الآخرين. فالحرب المذكورة ما تزال مثيرة للغط الكثير لانها انطلقت على اسس واهية وذرائع خاطئة. فلم تعثر قوات التحالف  الانجلو – امريكي على اي اثر لاسلحة الدمار الشامل التي قيل ان العراق يمتلكها آنذاك واستخدمت لتبرير الحرب. والنظام السياسي الذي تمخض عن تلك الحرب ما يزال اسيرا لدى ذلك التحالف، وما يزال يبحث عن هوية سياسية او ايديولوجية لاعادة بناء العراق بما يعيد له موقعه ونفوذه الاقليمي. بل ان هذا البلد العملاق ما يزال ارضا خصبة لتدخلات الآخرين بذرائع شتى واساليب متنوعة. كما ان هويته السياسية ما تزال مشوشة. فلا هو نظام ديمقراطي حقيقي، بل اعتمد نظام المحاصصة التي تلغي جوهر الديمقراطية. ولا هو نظام يحكم بلدا متماسكا. فما تزال اقاليمه بنزعاتها المذهبية والعرقية تتنازع على ثرواته وتنطلق ليس بدوافع وطنية بل ذرائعية ومناطقية ومذهبية وعشائرية.
يسجل للعراق انه استطاع التصدي لظاهرة الارهاب، وحزم امره عندما وصلت مجموعات داعش في العام 2014 الى اطراف بغداد وكادت تقتحمها، فتأسس “الحشد الشعبي” إثر فتوى المرجعية الدينية، وتواصلت المعارك، بدعم امريكي حتى تم استعادة المناطق التي سيطرت عليها داعش في شمال العراق وغربه. مع ذلك فمن السابق لاوانه الاعتقاد بانتهاء خطر العنف والارهاب، وان كانت الازمة الطائفية قد تراجعت كثيرا. ويسجل للعراق رفضه المشروع الطائفي الذي احدث استقطابات في المنطقة ساهمت في اضعاف جبهة التصدي للاحتلال الاسرائيلي من جهة، وتنامي النفوذ الامريكي من جهة اخرى. وكان يتوقع للعراق ان يستعيد مكانته على الصعيد العربي خصوصا بعد ان اظهر شيئا من التعافي السياسي والمجتمعي. ولكن الواضح ان الظروف ما تزال غير مهيأة لقيام محور تقدمي يتصدى للاحتلال والهيمنة الاجنبية ويساعد الشعوب على استعادة حريتها وسيادتها. فالدول العربية الكبرى مشغولة بنفسها بشكل غير مسبوق، واصبح بعضها مهددا بالتقسيم والتصدع الداخلي في ظل اجواء من القمع غير مسبوقة. مشكلة العراق، كغيره من الدول العربية الكبرى، انه يفتقد المبادرة للتصدي لظاهرة “الغوغاء السياسية” التي دفعت دولا صغيرة هامشية لتصدر المشهد السياسي وبسط النفوذ على دول اكبر منها وأقدم وجودا وحضارة. وزعماء العراق الحاليون يفتقدون المشروع السياسي الذي يعيد بلادهم الى خريطة التوازن السياسي والعسكري الاقليمي، ويعيد تأهيل شعبه ليكون لاعبا في مشروع نهضوي شامل قادر على اعادة تأهيل الامة للتحرر والتنمية والوحدة والاستقلال واستعادة السيادة.
يضاف الى ذلك ان العراق الذي يستقبل الذكرى الخامسة عشرة للتغيير السياسي الذي فرضه التدخل العسكري الاجنبي، لم يقدم مثالا ناصعا للنزاهة وحسن الاداء والكفاءة في الاعمار والتطوير والتنمية. فما يزال الفساد سمة ملتصقة بنظام الحكم، وممارسة مقبولة في المعاملات العامة. وهو فساد يزكم الانوف لانه في بعض الحالات، يتصل بنهب المال العام وتبديد ثروات البلاد، والاستحواذ بقوة السلاح والانتماء الحزبي على مباني الدولة واراضي الشعب. وتصنف العراق اليوم بانها  واحدة من اكثر الدول فسادا. فمنظمة “ترانسبيرنسي انترناشيونال” تقول ان العراق لا يحظى الا بـ 18 بالمائة في مجال الفساد العام، وان تصنيفه انحدر الى 169 من بين 180 دولة. وبرغم ان كل من وصل الى رئاسة الوزراء اعلن عزمه على مكافحة الفساد الا ان شيئا لم يتغير حتى الآن. وقد اصبح الفساد ظاهرة عامة في البلاد تبدأ بالمواطن العادي وتصل الى الوزراء واعضاء البرلمان وزعماء الكتل السياسية. فالرشوة وتبديد المال العام والسطو على الممتلكات العامة والاستيلاء على الاراضي خصوصا في المواقع المهمة، اصبحت ظواهر شائعة. والاخطر من ذلك ان هناك من يبرر هذا الفساد بذرائع دينية (قل ان الله لا يأمر بالفحشاء). وفي خضم الحملات الانتخابية الحالية تبرز قضية الفساد عنوانا ضمن المانفستو الانتخابية للكتل السياسية، ولكن تعمق جذوره يحول دون اجتثاثه بسهولة خصوصا مع غياب القيادات القادرة على صنع المواقف التاريخية. وقد اضيف مؤخرا بعد آخر للمماحكات السياسية يتمثل في سعي الحكومة الحالية الحثيث لتطبيع العلاقات مع المملكة العربية السعودية التي طالما اتهمها العراقيون بالضلوع في تأجيج الطائفية والارهاب في بلادهم. هذه السياسة تواجه بانتقادات لاذعة برغم توافق المجموعات السياسية الاساسية بشأنها. ويشعر الكثيرون انها تعبير عن ضعف سياسي لا يخدم العراق، لان المبادرة السعودية للتطبيع انطلقت بموازاة سياسة سعودية موازية للتطبيع مع “اسرائيل”. وليس خافيا ان السعودية انما تبحث عن مخارج من المأزق التي اقحمت نفسها فيها، ابتداء باجتياح قواتها البحرين في 2011 مرورا بالحرب على اليمن وصولا الى افتعال الازمة مع قطر. في كل هذه الحالات منيت السياسة السعودية بالفشل الامر الذي دفع الرياض للبحث عما يمكن اعتباره “اختراقا” سياسيا. ولذلك هناك انتقادات واسعة للحكومة العراقية لتوفير هذا “الاختراق” الذي لم يحلم به ولي العهد السعودي المغامر. ولذلك برغم الحملات الانتخابية فثمة قلق من تأثير السعودية على الداخل العراقي، الشيعي والسني، بما لا ينسجم مع تطلعات الحكومة والكيانات السياسية الاساسية. وهكذا تعقدت الخريطة السياسية امام رئيس الوزراء، الدكتور حيدر العبادي، الذي يحظى، كما يبدو، بدعم الولايات المتحدة، ولكن سياساته المثيرة للجدل احدثت خللا في التوازن السياسي الاقليمي ضد مصالح العراق الاستراتيجية، ولذلك لم يعد مستحيلا حدوث توترات على صعدان ثلاثة: سياسي داخل البرلمان وفي صفوف الحكومة، وامني في المناطق التي سيتدفق عليها المال السعودي، شيعية وسنية على حد سواء، ونخبوي حزبي نظرا لتباين وجهات النظر ازاء سياسة العراق مع عدد من البلدان خصوصا الولايات المتحدة والسعودية. قد يفوز حزب الدعوة مجددا برئاسة الوزراء، لكنه سيواجه استحقاقات سياساته المتأرجحة التي ابتعدت عن المبدئية واتسمت بقدر غير قليل من الانتهازية.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق