التغيير قادم بعون الله ولو كره الظالمون
من المؤكد أن للشعوب الدور الأكبر في نهوض الأمم، فهي التي تحمل على كاهلها المهمات الصعبة لذلك النهوض. أما الحكام فقد يكون دورهم إيجابيا في مشروع النهضة، وقد يكون معوّقا. فإذا اكتظت السجون بمعتقلي الرأي فإن ذلك يعوّق النهوض ويجمّد الطاقات، وقد يقضي عليها. ولذلك كثيرا ما ارتبطت النهضة بظواهر الحرّيّة وسيادة حكم القانون، واحترام حقوق البشر، لأن الظلم لا يبني مجتمعات مستعدّة للعطاء والبذل. وما لم يكن هناك تفاعل إيجابي وتناغم بين الحكام والمحكومين، فسوف تظل العلاقة بينهما متوتّرة، وحالة التوتّر لا تحقق الأمن الشخصي أو المجتمعي، وبذلك تغيب مستلزمات الاجتهاد والبذل. وفي ظل الحكم الظالم تتلاشى قوة العقل والرغبة الداخلية للتضحية الفردية من أجل المجموع، ويُستبدل ذلك بتنامي ظواهر الأنانية وحب الذات والدفاع الشخصي عن الوجود. فإذا بقيت قلوب الناس وعقولهم مشغولة بالقضايا الأمنية، وإذا بقيت العائلات تعيش الخوف والوجل والترقّب لما سيحدث لأبنائهم، ساد التوتر وتلاشت الثقة ليس في نظام الحكم فحسب، بل في جدوى العيش في بلد يحكمه نظام سياسي يحاسب البشر على الشك والريبة ويصادر حقوقهم الطبيعية التي منحهم الله إياها.
البحرين تقدم مثالا صارخا على ما يمكن أن يحدثه أهل الحكم من خلل في التوازن الذي تتطلبه مستلزمات التنمية، ومن بينها انتشار الأمن وشعور المواطن بأنه قادر على العيش فيه والمشاركة في تنميته. فعندما تهيمن العقلية الأمنية على الحكم، وتنظر إلى المواطنين من منظور العداء والكره، وتخطّط لإحداث تغييرات في التركيبة المجتمعية، وتسعى لمصادرة الشعب الأصلي بغيرهم من البشر الذين يُستوردون من أصقاع الأرض البعيدة، فإن مفهوم “المواطنة” يتصدّع ولا يبقى له مصاديق عملية. عندها تتحول الأرض إلى ملجأ مؤقّت للسكان الأصليين الذين يشعرون أن حكامهم يستهدفونهم في وجودهم وأرضهم. فكيف يستطيع من يعيش تحت الاحتلال أن يمارس دوره بكفاءة وإخلاص؟ كيف يستطيع الفلسطيني الذي نهبت أرضه وتمّت إزاحته منها وإجباره على العيش في المخيّمات أن يساهم في بناء كيان يهيمن عليه أعداؤه الذين هندسوا سياساتهم لإخلاء الأرض من سكانها الأصليين وجاؤوا بالمستوطنين من أقاصي البلاد ليحلوا محلهم وينهبوا أرضهم وديارهم؟ أليس هذا ما يشعر به البحراني الأصلي، الذي يُفترض أن يرث الأرض من أجداده الذين عاشوا فيها وعمروها وتصدّوا لمن احتلّها بالقوّة؟ لقد وقف البحرانيون ضد البرتغاليين والبريطانيين، ورفضوا ما يعتبرونه احتلالا خليفيا مقيتا، وسيظلون كذلك حتى تتحرر أرضهم وتتهيأ الظروف لإدارتها بأنفسهم.
لا يكاد يمر يوم بدون أن يُعتقل مواطنون بحرانيون أصليون لأسباب باهتة، كالمشاركة في وقفات أو مسيرات تطالب بإقامة نظام مدني بدلا من نظام الاستبداد القبلي الجاثم على صدور المواطنين بدون حق أو شرعية. ومن بين ضحايا الاستهداف الخليفي أطفال دون الثامنة عشرة، وأغلبهم طلاب بالمدارس الابتدائية والثانوية. هؤلاء الأطفال يجدون أنفسهم فجأة بأيدي الجلّادين ذوي القلوب القاسية التي تخلو من الرّحمة والإنسانية. وقد قضى بعض هؤلاء أكثر من عشرة أعوام وراء القضبان، وفاتتهم بذلك فرص التعلّم وبناء الذات. هؤلاء الأطفال يحملون في داخلهم سجلّا من المعاناة الشديدة التي عاشوها بين أيدي الجلّادين الذين سلّطهم الخليفيون على البحرانيين، ودفعوهم للتنكيل بالأبرياء وسجن الأحرار. كما قضى رموز الشعب والوطن أكثر من 15 عاما وهم يرزحون وراء القضبان، ليس لأنهم ارتكبوا جرما يعاقب عليه القانون، بل لأن الحكم الطاغوتي يمارس الاستبداد بأبشع صورة، ويصرّ على إدخال الرعب والخوف في نفوس الأحرار الذين يتطلّعون للتغيير. فهو يبعث لهم رسائل تنضح بالدم والقسوة. فمن يسعى للتغيير سوف يواجه أقصى العقوبات التي يفرضها الحاكم الخليفي. ولا مكان هنا للدستور أو القانون، خصوصا مع استمرار الدعم الغربي غير المحدود أو المشروط من الحكومات الغربية. فالعالم الذي يسعى هذا الغرب للحفاظ عليه بعيد عن قيم الديمقراطية والعدالة، وهذا الغرب مستعدٌّ لدعم حكام الظلم والجور والاستبداد بدون تردّد.
البحرانيون، من جانبهم، نشأوا على العزّة والكرامة، وورثوا من آل بيت رسول الله قيم الحرّيّة والعدالة والشموخ، لذلك فإنهم يرفضون الانصياع للحاكم الجائر، ويتصدّون لظلمه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. ومنذ عقود تردّد أحرارهم على السجون والمعتقلات، ومن بينهم أطفال دون الثامنة عشرة. وتواصلت الاعتقالات بدون توقف حتى الآن. فلا يكاد يمر يوم بدون اعتقال عدد من الشباب والأطفال، وتعريضهم لأبشع أصناف التعذيب، ثم الزجّ بهم في السجون بعد إصدار أحكام قاسية لا تتناسب مع ما يُنسب لهم من أنشطة مشروعة يجرّمها الخليفيون. إنّ المطالبة بالتغيير السياسي ليس جرما، والمشاركة في وقفة أو مسيرة ترفع شعارات التغيير ليس جرما، والهتاف من أجل الحقوق والمطالبة بإطلاق سراح السجناء السياسيين، كل هذه الأفعال مشروعة في القانون الدولي ولا تنتهكه من قريب أو بعيد. ولكن في مملكة الصمت والتنكيل لم تعد هناك حدود واضحة بين ما هو عمل مشروع تقرّه الشرائع الدينية والبشرية، وما هو نشاط مخالف للقانون وينتهك حقوق البشر أو يهدد حياة الآمنين. وقد اعتاد البحرانيون على التعامل مع العقلية الخليفية القمعية التي تسعى بشكل مستمر لتضييق الخناق على المواطنين على أمل دفعهم للاستسلام والقبول بإملاءات العصابة الحاكمة. وإذا كان الطاغية الخليفي يعتقد أن بإمكانه كسر شوكة المواطنين الباحثين عن الحرّيّة فما أبعده عن الحقيقة. لقد عجز أسلافه عن كسر شوكة الشعب أو تركيع الوطن، وسوف يعجز الجيل الحالي من الطغاة الخليفيين عن كسر شوكة الشعب أو القضاء على آماله وأهدافه ورغبته في تطوير نظامه السياسي المتخلّف.
هل أصبح قدَر هذا الشعب العيش المستمر في ظل الاستبداد القبلي المقيت؟ أم أن ذلك نتيجة طبيعية لحالة الصمت التي التزم بها الكثيرون في العقود الأخيرة؟ وهل ستبقى القوى الغربية التي طالما رفعت شعارات برّاقة لترويج الحرّيّة والديمقراطية أسيرة لمنطق المصالح الاقتصادية التي يوفرها النفط العربي؟ الأمر المؤكّد أن ذلك ليس خيارا مقبولا لدى الجماهير التي التزمت روح الثورة منذ عقود والتي تصرّ على تحقيق التحول الديمقراطي مهما كانت التضحيات. لذلك، برغم الأعداد الكبيرة من السجناء السياسيين التي قضى بعضها، كما سبق آعلاه، أكثر من 15 عاما، لا يجد الجيل الجديد نفسه مهزوزا أمام التهديد بالمزيد من السجن والتنكيل. كما لا يجد نفسه مضطرا للاستسلام لآلة القمع الخليفية التي تأتي على الأخضر واليابس. بل ما يزال المواطنون يتوفرون على قدر كبير من قيم الكرامة والصمود. ومن المؤكد أن مبالغة الخليفيين في التنكيل واستخدام القوّة ضد الأبرياء، قد حققت نتائج مغايرة لم تكن في حسبان الطاغية وعصابته. فقد نجم عن تلك السياسة تعمّق الإيمان ليس بضرورة العمل من أجل التغيير فحسب، بل بحتمية حدوثه. وقد يطول الزمن قبل أن يتحقق ذلك، ولكن أحدا لا يستطيع تعطيل عمل القوانين الإسلامية والطبيعية. ومن المؤكّد أن مشروع التغيير سوف يحقّق أهدافه، بشرط استيعابه من قبل النشطاء والرموز من جهة، والاستعداد للاستمرار في التضحية والفداء من جهة آخرى. فهذه شروط النصر في ملحمة الحرّيّة التي بدأها الخليفيون بسجن الاحرار وتعذيبهم وربما إعدامهم، ولكنهم فشلوا في كسر شوكة الشعب والوطن، فأصبح الطريق معبّدًا للتغيير الذي لا يستطيع منع حدوثه أحد، بل أن حدوثه يمثل حالة يقينية راسخة، يؤكدها الإيمان بالغيب ومنطق استخلاف الإنسان على الأرض، وحتمية انتصار الدم على السيف.
اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا ربّ العالمين.
حركة أحرار البحرين الإسلامية
2 أكتوبر 2026