بيانات حركة أحرار البحرين

إيمان البحرانيين يدفعهم للصمود في مقارعة الظلم الخليفي

ربما كان البعض يعوّل على ما يسمى “الموقف الدولي” للضغط على حكومات الاستبداد للتخفيف من غلوائها واضطهادها. وهذا التعويل ينطلق كذلك من الاعتقاد الخاطيء بأن الحكومات ملزمة دوليّا باحترام شعوبها وعدم ممارسة القمع والتعذيب ضد معارضيها. كما يظن آخرون أن الغرب، بوجه خاص، سوف يدافع عن مروّجي الديمقراطية والمدافعين عن حقوق الإنسان في بلدانهم، وأن العلاقات مع الأنظمة التي تمارس ذلك سوف تتأثر بسلوكها المشين. ولكن الحقيقة مختلفة عن ذلك تماما، خصوصا بعد أن أصبح هناك قدر من التفاهم بين الدول الغربية وكل من روسيا والصين. كما أن علاقات الغرب بالأنظمة الحاكمة في العالم العربي، خصوصا منطقة الخليج، تتسم بالتقارب والشراكات الامنية والاقتصادية والسياسية. ومع توجه عدد من الدول العربية للتطبيع مع كيان الاحتلال، أصبحت الدول الغربية أكثر ميلا لها، لعلمها أن الممارسة الديمقراطية سوف توصل عناصر مستقلة إلى مواقع القرار، وانها قد تصعّد عداءها للاحتلال.

لهذه الاسباب ليس هناك مؤشرات كبيرة أو صغيرة لحماس غربي للتحول الديمقراطي في المنطقة خصوصا في منطقة الخليج. بل ان هناك شراكة متينة بين هذا الغرب وتلك الدول، خصوصا السعودية والامارات والكويت والبحرين. ولذلك لم يحرّك الغرب ساكنا عندما أقدمت حكومة الكويت على التخلّي عن مشروع مجلس الامة وما يصاحبه من انتخابات وقدر محدود من الحرّيّة. كما لم تواجه السعودية ضغوطا حقيقية لتغيير سياساتها تجاه معارضيها أو تطوير نظامها السياسي ليصبح أكثر تحرّرا وتمثيلا. وفي المقابل سعت هذه الدول للحفاظ على تدفق النفط بمعدلات وأسعار مناسبة، ولم يواجه الغربيون أزمات حقيقية في مجال الطاقة سواء من حيث الكمّيات أو الأسعار. وهكذا يتضح أن هناك شراكة حقيقية بين الغرب وأنظمة الخليج بشكل خاص، وان كلا الطرفين يعتبرانها مناسبة لتحقيق مصالحهما والحفاظ على ما يعتبرونه “استقرارا”. والاستقرار هنا محصور بالأنظمة السياسية، ولا يشمل أمن المواطنين المحرومين من حقوقهم السياسية الطبيعية. فالعائلات البحرانية التي تعاني من تغييب أبنائها في السجون لا تشعر بهذا الأمن، ومعتقلو الراي في البلدان الخليجية الأخرى يفتقدون الأمن حين يُعتقلون ويتعرّضون للاضطهاد بسبب تعبيرهم عن ارائهم ومواقفهم، ومطالبة بعضهم بتحول ديمقراطي بموازاة حالة العيش شبه المستقرة في المنطقة. كما عمدت حكومتا الكويت والبحرين لسحب جنسيات مواطنيها بدون مسوّغات قانونية أو إنسانية.

إذًا كيف سيحدث التحول الديمقراطي في بلدان الخليج ومنها البحرين؟ أم أن هذه البلدان ستبقى بمحكومة إلى الأبد بالاستبداد الذي تمثله أنظمة الحكم التوارثية التي تصرّ على البقاء خارج التطور الإنساني في مجال الحكم والإدارة؟ تبدو أوضاع المنطقة في حالة من الركود الذي يستعصي على التحريك. كما يبدو التحول الديمقراطي حلما بعيد المنال. وبالنسبة لسجناء الرأي خصوصا في البحرين يبدو الوضع أحيانا دافعا للياس، خصوصا بعد أن قضى أغلبهم أكثر من خمسة عشر عاما وراء القضبان. ويسعى الحكم الخليفي لتحريك أبواقه لإدخال روح الياس في النفوس بوسائل وأساليب شتى. ويظن رموزه أن حكم العائلة الخليفية سوف يدوم إلى الأبد، طالما حظي بدعم الغرب. وما أكثر أوهام أعداء الحرّيّة، وما أشدّ تشبثهم بالآمال العريضة التي تنطلق من افتراضات وهمية لا تنسجم مع السنن الإلهية والقوانين الطبيعية. فليس هناك نظام حكم دائم، ولا بقاء للظلم، ويستحيل أن يخذل الله المظلومين والمستضعفين إذا اصرّوا على الحركة والسعي لتحقيق التغيير في بلدانهم. كما أن الاعتقاد بتوقف السنن الطبيعية عن العمل، وقدرة بعض البشر على تحدّي سنن الكون بالبقاء على قيد الحياة أو الاستمرار في التحكم بمصائر البشر، أو البقاء في موقع الحكم والسلطة بدون انقطاع، كل هذه الأوها م إنما هي وساوس شيطانية لا تستقيم مع سنن الحياة، حتى لو تأخر نفاذها لأسباب يقدّرها الله وحده، ولا قدرة للإنسان التلاعب بها.

لذلك فالعنصر الأهم الذي يجب أن يتوفر عليه المظلومون في بلداننا، الساعون لتحقيق التغيير، يتمثل بالإيمان الراسخ بالغيب، فذلك من أهم صفات المؤمنين التي نصت عليها الآيات الأولى من سورة “البقرة”. فإذا تعمّق هذا الإيمان في نفوس البشر فسوف يفوّضون أمرهم إلى الله بعد أن يؤدّوا تكليفهم المتمثل أساسا في التحرّر من العبودية لغير الله سبحانه وتعالى. هذا التفويض يجب أن يكون إيجابيا، بمعنى أن ينطوي على أبعاد عملية يمارسها الإنسان كجانب من مسؤولياته التي تقتضيها خلافته لله على الأرض. عندها سوف يتحرّر الإنسان من كافة أشكال العبودية ويتوجه إلى الله كمصدر للقوة والعون، وفي ذلك فوز كبير. فما أجمل ان يعيش الإنسان حرًّا، ما ألذّ أن يتذوقها عمليّا، فلا يجد نفسه مضطرا لمجاراة الغرائز أو مسايرة الظلم والاستبداد. وما أوسع الدنيا أمامه عندما يتحرّر من قيود النفس وأصفادها!

لهذه الأسباب وجد البحرانيون أنفسهم مدفوعين للحراك الشعبي المتواصل، آملين أن يصلوا إلى برّ الأمان بعد نضال طويل استمر عقودا ودفعوا له أثمانا باهضة. فالمقابر تحوي أجساد الشهداء الذين وقفوا بهامات شامخة أمام الطغيان الخليفي وما يحظى به من دعم أجنبي مقيت. فأصبح ذلك تراثا ضخما لثورة مدوّية في سماء البلاد، تتردد أصداؤها في حدود البلاد وخارجها، ويتحدث عنها القريب والبعيد. إنها ليست هبّة عارضة حدثت في ذروة الربيع العربي، بل كان الشعب يخوض الانتفاضات تباعا قبل ذلك حتى بعد أن تلاشى بريقه بالضرباب المتلاحقة من قوى الثورة المضادّة. وليس من المنطق الاعتقاد بإمكان توقف الحراك الشعبي قبل أن تتحقق المطالب العادلة. فقد حاول الخليفيون وداعموهم منذ عقود كسر شوكة البحرانيين، فما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. ومن المؤكد أنهم سوف يستمرون في ذلك، ولكنهم سيخسرون دائما لان شعبا نشأ على الإيمان وقدم التضحيات وتعمّق الإيمان والوعي في نفوس أبنائه لا يمكن أن يُخدع أو يُهزم مهما بلغة قوة أعداء الحرّيّة. إنها قصة نضال قديمة تتجدد، وعنوان مجد لأرض أوال لا يزول، ومصداق إيمان عميق لا يستطيع طاغية أو محتلّ إزالته من النفوس.

إن الحرّيّة والسعي لتحقيقها عهد قدّمه شباب البحرين لربهم وشهدائهم، ولن يتراجعوا عنه، فهم ثابتون على الوعد، ثابتون على الدرب، متوكلون على الربّ. وإذا هدأت عاصفة الثورة هنيهة، فسرعان ما تأتي رياح التغيير لتشعل أوارها وتحرّك ساكنها متحدّية نظام الظلم الخليفي المدعوم من المستعمرين والمحتلّين. هذه الحرّيّة عشقها المناضلون عبر التاريخ وعلى امتداد الجغرافيا، ماضيا وحاضرا، وضحّت الشعوب من أجلها، وسعى أعداء الإنسانية لطمسها، ولكنهم باؤوا بالفشل دائما، وبقيت تدغدغ عواطف ذوي النفوس الكبيرة فتحرّكوا على طريقها، مضحّين بأنفسهم وأموالهم. أمّا المؤمنون بالله ورسالاته، فيجدون في ذلك استجابة للأوامر الإلهية التي حرّمت على الإنسان القبول بالاستعباد والاستضعاف، واعتبرت من يقبل بذلك ظالما لنفسه. لذلك يعتبر البحرانيون انخراطهم في المشروع الثوري جانبا من التزامهم الديني والأخلاقي والإنساني، وعجزت آلة الموت الخليفية عن كسر شوكتهم أو إدخال الرعب في نفوسهم. فهم أكبر من الرعب والخوف، تمرّدوا على السجون والتعذيب، والوا على أنفسهم السير على ذلك الطريق حتى يحققوا إحدى الحسنيين. فطوبى لهم في ما يبتغون، والنصر لهم بعون الله تعالى، فالله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا ربّ العالمين

حركة أحرار البحرين الإسلامية
25 ستبمبر 2026

زر الذهاب إلى الأعلى