من يوقف الصراع في جنوب غرب الجزيرة العربية
الآزمة في جنوب غرب الجزيرة العربية مرشحة للتصاعد، وتنذر بنتائج وخيمة للأطراف المشاركة فيها. ومرة أخرى تضطرب الأوضاع وتلوح آفاق الحرب منذرة بدمار وخراب كبيرين. فما الذي يجعل هذه المنطقة معرّضة للحروب بدون توقف؟ وما الذي يجعل حكام دولنا عاجزين عن التفاهم وإدارة الأزمات بوسائل سلمية بعيدا عن الدخول في نزاعات مسلّحة؟ أهو التراث القبلي؟ أهو الجهل المركب؟ أهو نرجسية الحكام؟ أم هي الإملاءات الغربية؟ أيّا كان الأمر فان غياب القدرة على التفاهم والحوار يؤدّي لصراعات قاتلة، كما يحدث اليوم في اليمن. فما يجري هناك من حرب طاحنة ودمار هائل لا يخدم الامة في شيء، بل يساهم في تكريس الأزمة بدلا من حلها. وما لم تكن لدى حكام السعودية ارادة لتعزيز أمن المنطقة من خلال التعاون بين حكوماتها وشعوبها والتخلّي عن عقلية الهيمنة واستضعاف الشعوب ومصادرة حرياتها وحقها في صنع قراراتها، فسوف يظل الصراع محكوما بالقرارات الشخصية التي يتخذها المسؤولون في قمة الهرم السياسي.
إن الوضع يزداد تأزما خصوصا مع شعور حكومة الرياض بأنها تمتلك أسلحة أكثر تطورا وأنها غير مستعدة للتفاوض مع جيرانها للتوصل إلى حلول ترضي الأطراف المعنيّة. ومن المؤكد إن صراعا كالذي يحدث الآن في جنوب غرب الجزيرة العربية ليس مرشحا للحسم العسكري بل يتطلب حوارا وتواصلا بين الفرقاء للبحث عن القواسم المشتركة. أما استمرار استخدام القوة العسكرية فسوف يأتي على الأخضر واليابس في البلدين. صحيح أن السعودية تمتلك أسلحة أكثر تطورا خصوصا في المجال الجوي، ولكن من قال أن الحروب تحسم دائما في ميادين القتال؟ في الأسبوع الماضي واصلت القوات السعودية ضربها للبنى التحتية في اليمن ومن بينها المطارات والموانيء وأبراج الاتصال بهدف شل قدرة اليمن على المواجهة. كما اتهمت الرياض حكومة اليمن بأنها استهدفت مكة المكرمة ولكن الحكومة اليمنية نفت ذلك تماما. ومن المؤكد أن الاتهامات بضرب أهداف مدنية سوف تستمر بين الطرفين، مع علمهما أن ذلك لن يؤدي إلى إنهاء الأزمة أو منح أي من الأطراف فرصة للادعاء بالانتصار. ويفترض أن يعلم حكام اليمن والسعودية مدى تداخل هذه القضايا وتعقيداتها. فهذه النزاعات لها أبعاد عديدة. أولها أنها تحدث خسائر كبيرة للأطراف المشاركة فيها بدون استثناء. ثانيا أن حسمها بالقوّة غير ممكن، فأغلب النزاعات لم يُحسم ميدانيا، بل بمبادرات سياسية من أطراف محلية او دولية . ثاثا: أن غياب مبادرات عربية أو إسلامية أو دولية لاحتوائها يجعلها مرشحة للتصاعد وربما التوسع. وبلاحظ بوضوح غياب آليات عربية لاتخاذ مبادرات في أوقات الأزمات. فالمتوقع على الأقل، أن تبادر الجامعة العربية لاحتواء الموقف الذي لا يخدم استمرار أزماته قضايا وحدة الأمة وسيادة السلام وتفاهم الشعوب.
من جانبها، تحاول السعودية التظاهر بقدرتها على تطويع أهل اليمن. ولكن التجربة كشفت أن ذلك غير ممكن. فحالة النزاع مستمرة منذ عقود. والقدره على احتوائها من قبل السعودية شبه مستحيلة. وتسعى الرياض لاستدراج القوى الأجنبية للتدخل المباشر لاستهداف جماعة “أنصار الله” خصوصا بسبب توجهاتها ومواقفها إزاء القضايا الاقليمية. ولكن الغربيين يعلمون، من خلال التجربة كذلك، أن التدخل قد يكون ممكنا، ولكن الخروج من الأزمة سوف يكون صعبا جدا. ولديهم تجارب عديدة. ففي أفغانستان لم يكن التدخل الغربي تجربة إيجابية. وقد استطاعت جماعة طالبان التصدي لذلك التدخل وإقامة دولتها وإجبار الغربيين على الاعتراف بها والتعاطي معها. وفي العراق لم ينجح الغربيون بإقامة نظام سياسي بالشكل الذي يريدونه برغم فداحة الحرب التي خاضوها. ربما كان الأخطر في ذلك التدخل. تداعي سمعة الغربيين كقوة عسكرية كاسحة لا يمكن هزيمتها. فإذا تكرر ذلك الآن في اليمن فسوف يجد الغربيون أنفسهم عاجزين عن تمرير سياساتهم والحفاظ على هيمنتهم في المنطقة. أما الدمار الذي سينجم عن ذلك التدخل فلن تقتصر آثاره على اليمن. بل أن آبار النفط في الجزيرة العربية مهددة أيضا. وسوف ينعكس ذلك على أسعار النفط والبنزين في العواصم الغربية. الرئيس الأمريكي يعرف ذلك، كما يعرف أن تدخله سوف يؤدي إلى. سقوطه في الانتخابات الرئاسية وانتخابات الكونجرس المقبلة، بالإضافة لاحتمال سقوط ضحايا أمريكيين. ولن يستطيع تبرير ذلك بشكل مقنع أمام الشعب الأمريكي. والغربيون يعلمون كذلك أن اليمن سيكون مستنقعا إذا حدث أي تدخل غربي بدون خطة للخروج من الأزمة.
تقول التقارير أن التدمير الذي لحق بمناطق. كبيرة من اليمن كان كبيرا، خصوصا مدينة صعدة التي استهدفها الطيران السعودي بشكل متواصل. وكان هناك أمل بأن تكون الهدنة الهشة التي صمدت منذ العام 2022. سوف تمنع حدوث حرب أخرى. ولكن هذه الهدنة انهارت تماما بعد ان استقبلت جماعة أنصار الله طائرة ايرانية في مطار صنعاء. كان ذلك تحديا للسيطرة السعودية على أجواء البلاد، فحدثت سلسلة من الهجمات المتبادلة. وأعلنت الجماعة على إثرها فرض حصار بحري على السعودية. كما استهدفت سفنها وأراضيها. وكان رد الفعل السعودي قاسيا، نجم عنه نزوح عدد كبير من اليمنيين من منازلهم. مع ذلك، وبرغم ذلك لم يستسلم اليمنيون، بل دافعوا عن أرضهم باستبسال. وتتحدث تقارير الحوثيين عن تعرض مناطقهم لعشرات الضربات السعودية اليومية منذ سيطرتهم على مناطق ساحلية استراتيجية تطل على مضيق باب المندب من يد القوات الحكومية المدعومة سعوديًا. وينظر السعوديون إلى ذلك أنه يعني توسع نفوذ إيران وحلفائها على الممرين المائيين اللذين تعتمد عليهما دول الخليج (مضيق هرمز وباب المندب) وفي مقدمتها السعودية كأكبر مصدر للنفط الخام، لشحن نفطها..
إلى أين تسير الأوضاع في الجزيرة العربية؟ الأمر المؤكد أن جماعة انصار الله مصممة على استقلال قرارها، والدفاع عن أراضيها ووحدة حدودها. ولكن ما يزعج السعوديين إصرار هذه الجماعة على الاستقلال السياسي من جهة ومدّ الجسور مع مع إيران، بالإضافة لمواقفها إزاء القضايا الإقليمية الأخرى، خصوصا الصراع العربي الإسرائيلي. فهي لم تخف يوما دعمها النضال الفلسطيني وإقامة علاقات مع المنظمات الفلسطينية الكبرى، ورفضها الاحتلال الإسرائيلي. وما أكثر ما تصدت للسفن التي تعبر باب المندب متجهة إلى الموانيء الإسرائيلية أو قادمة منها. وقد اعتاد الإسرائيليون أن تكون أمورهم نافذة وأن تسير مشاريعهم الاقتصادية والسياسية وفق ما يريدونه بدون اعتراض من الآخرين. كما يلاحظ أن القوات الإسرائيلية أصبحت أكثر قلقا ازاء وجود قدر من الاستقلال لدى مجموعات المقاومة. لذلك، كثّفت اعتداءاتها على غزة، واستهدفت المنظمات الفلسطينية بقسوة ووحشية. وقد أزعجها كثيرا تقارب أنصار الله مع تلك المنظمات، ورفعها شعار تحرير فلسطين، ومحاولة تخفيف عناء اللاجئين الفلسطينيين وهي تهدف للضغط على جماعة أنصار الله لتخفيف تعاونها مع قوى المقاومة، وتسعى بشكل خاص للقضاء على “محور المقاومة”.
ماذا يعني ذلك؟ هناك أجندة غربية لإبقاء شعوبنا محرومة من صنع قراراتها المستقلة. وهذا يتحقق بحرمانها من حقوقها السياسية خصوصا ممارستها الانتخابية. ولذلك تجد شعوب المنطقة نفسها مستهدفة بدون رحمة من هذه القوى بدعم انظمة الاستبداد في المنطقة. وهذا الأمر واضح جدا في حالة البحرين. فالشعب يريد حريته والحفاظ على قراره المستقل. ولكن العائلة الحاكمة تصر على. ربط القرار بالقوى الإقليمية والغربية الأخرى. من هنا يُتوقع استمرار المماحكات والصراعات داخل البحرين بين الشعب الأبيّ الرافض للهيمنة الغربية والخليفيين المدعومين من قبل القوى الغربية وعملائها في المنطقة. ولا يمكن التنبؤ بنتائج هذا الصراع. ولكن الأرجح أن تصر الشعوب على الحفاظ على استقلالها واستقلال قرارها عن أي طرف كان. والامل أن تستمر الشعوب في نضالاتها من أجل نيل الحرية واستقلال القرار وعدم. الشعور بالضعف. فالله ناصرها ومعينها، وخاذل أعدائها.
اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا ربّ العالمين
حركة أحرار البحرين الإسلامية
18 سبتمبر 2026