ستعجزون ولن نعجز: شعار البحرانيين في مواجهة الخليفيين
كيف تستطيع المنطقة تطوير نفسها إذا هيمنت عليها أجواء الصراع والحرب؟ فقد استخدمت هذه الأجواء لتكريس مشاعر الإحباط وسياسات التقشف وبموازاتها تجميد سياسات التنمية والبناء. والبناء هنا لا ينحصر بالبنى التحتية المادّيّة، بل بناء المواطنة الصالحة التي تستطيع المساهمة في التطوير وتساهم في تخفيف حدة التوتر، وتكون جسرا للتواصل بين شعوب المنطقة كوسيلة لتفادي الاحتقان. وفي هذه الأجواء تحدث التصدعات وتتصاعد الصراعات، ومن خلال ذلك تجد القوى الغربية مجالا مفتوحا للتدخل تارة، وبيع السلاح من جهة ثانية، وإضعاف سياسات التنمية ثالثا. وقد استمر هذا الوضع طويلا، وما يزال يمثل تحدّيا لشعوبه وكذلك للدول الغربية خصوصا أمريكا التي تسعى لإقناع تلك الشعوب بالبقاء خارج المسار التاريخي في مجالات التحرر والتنمية. ولذلك استمر قمع الأنظمة بإملاءات أمريكية متواصلة، كل ذلك من أجل حماية الاحتلال وتحييد الشعوب والحفاظ على الأنظمة السياسية القائمة. ولكي تتضح الصورة أكثر يمكن استعراض بؤر التوتر وبعض أسبابها، وما إذا كان بالإمكان تجاوزها.
للوهلة الأولى يظهر الصراع مع “إسرائيل” بشكل فاقع، فلا يمكن التطرق لقضايا الشرق الأوسط بدون فتح ملف هذا الصراع. وهنا يتضح أن السياسات الإسرائيلية منذ قيام كيان الاحتلال رافضة تماما لأي حل يفضي إلى قيام دولة فلسطينية، مهما كانت ضعيفة. فالوجود الإسرائيلي يستبطن محو الهوية الفلسطينية ثقافيا وسياسيا. وهذه سياسة ثابتة لدى الاحتلال وداعميه. ولا تبدو أمريكا أقل معارضة للدولة الفلسطينية، برغم ميل حلفائها الأوروبيين لدعم ذلك المشروع. فليس غريبا أن تلوذ الإدارات الامريكية المتعاقبة بالصمت إزاء استمرار الإسرائيليين في بناء المستوطنات في الضفة الغربية وحتى في غزّة. بل أن المشروع الإسرائيلي الذي يسعى نتنياهو لفرضه في الواقع يتضمن إخراج الفلسطينيين من الضفة والقطاع بأية وسيلة. وتمارس أمريكا على الدول العربية ضغوطا كبيرة لتوطينهم، بل أن إدارة ترامب مستعدّة لتمويل مشروع “الترانسفير” الذي يحقق ذلك ويؤدي إلى إفراغ كافة الأراضي الفلسطينيين من أهلها الأصليين. ولا يمكن في ضوء استمرار هذه المماحكات التفرغ لقضايا التنمية والبناء على نطاق واسع. كما ليس بعيدا عن التصور وجود سياسات غربية لتوسيع دوائر الصراع في المنطقة، وتوجيه السياسة السعودية لتوسيع دوائر الصراع الذي يتصاعد في الوقت الحاضر مع اليمن، وقد تتوسع دائرته إلى شمال الجزيرة العربية.
ويمكن القول أن هناك عاملا جديدا يؤثر بشكل كبير على هذه السياسة. فتوسيع الصراع سوف يؤدّي إلى سياسات تنموية من نوع آخر. فكما أن هناك ما سمي “اقتصاد الحرب” فإن هناك “التنمية الحربية”. وهنا أصبح للسلاح الإيراني أثر كبير على مسيرة الصراع. فلم تعد “إسرائيل” تلك القوة التي كانت أمريكا تستخدمها لتطويع الدول العربية، بل أصبحت في العامين الأخيرين قلقة جدا من تغير ميزان القوى في الشرق الأوسط. فللمرة الأولى منذ تاسيس “إسرائيل” شاهد العالم عاصمة الاحتلال وهي تحترق على نطاق واسع بعد إصابتها بالصواريخ الإيرانية. كما أصيبت سمعة أمريكا بضربة كبيرة عندما فشلت منظومة القبة الحديدية ونظام الباتريوت في التصدّي لتلك الصواريخ. ويسود الدوائر العسكرية الأمريكية قلق كبير من ذلك الفشل الذي لم تكن تتوقعه. إنه تغير خطير في موازين القوى، يمكن أن ينعكس على بؤر الصراع الأخرى، خصوصا اليمن. وكانت أولى تجليات ذلك قدرة اليمن على اختراق الدفاعات السعودية والوصول إلى مصافي النفط في جيزان ونجران. بل أن اليمنيين أصبحوا يهددون باستهداف المنشآت السعودية في شرق الجزيرة العربية، وهذا تطور خطير يضاف إلى تراجع القوّة الإسرائيلي في الميزان العسكري الإقليمي. ولا شك أن منظّري السياسة الأمريكية يتابعون هذه التطورات بقلق بالغ، ولكنهم لا يستطيعون احتواء ذلك الخلل في المستقبل المنظور.
ماذا يعني ذلك؟ وكيف سينعكس على أوضاع المنطقة خصوصا الدول التي تعتمد حكوماتها بشكل كامل على الدعم الامريكي في مواجهة شعوبها التي تطالب بالحرّيّة والديمقراطية؟ لا شك أن حدوث التخلخل في التوازن العسكري في الشرق الأوسط يمثل بعدا خطيرا للسياسات الغربية خصوصا الأمريكية. والقضية هنا ليست محصورة بمجال النفط والخشية من انقطاعه عن الغرب، وإنما تتخذ أبعادا أوسع تصل إلى إنهاء الهيمنة الأمريكية التي اعتمدت بشكل كبير على القوّة العسكرية والتفوق النوعي الأمريكي والإسرائيلي. ويتضاعف الخطر إذا توسعت دائرة النظر لتشمل كلا من سوريا والعراق. فبرغم التدخل الأمريكي الواسع في السنوات الأخيرة لإحداث تغييرات جوهرية في أنظمة هذه البلدان، لا يبدو أنها كسبت كثيرا، فبقي الوضع الراهن في المنطقة بدون تغيير يذكر. والواضح أن التحالف الغربي يعتبر هذا الوضع مثاليا لبسط هيمنته ومنع التحوّلات الديمقراطية أو تطوير البنى التحتية باتجاه التصنيع الحقيقي الذي يجعل الدول معتمدة على أنفسها. وتدرك شعوب المنطقة هذه الحقائق، ويسعى منظّروها لتوعية الجماهير وتحريكها على طريق التغيير. فليس من المعقول أو المقبول أن تبقى المنطقة خارج سياق التاريخ، وأن تستمر فيها ظواهر الاستهلاك وعدم الإنتاج. فشبابها تلقّوا تعليمهم في أرقى جامعات العالم، وبإمكانهم المساهمة المباشرة في تطوير بلدانهم وحمل مهمّات التطور على عواتقهم. ولكن الواقع مختلف عن ذلك تماما. فالسجون مكتظة بشباب الأمّة، والأنظمة السياسية الحاكمة تحمي نفسها بإبعاد العقول المفكّرة عن الساحة، وممارسة سياسات القمع بلا حدود.
كيف الخروج من هذا الواقع المؤلم؟ ليس هناك حلول سحريّة لكسر القيود المفروضة على الجماهير، خصوصا مع إصرار الغرب على التحالف مع انظمة القمع والاستبداد، ودعمها لمواجهة محاولات التغيير. ولكن الشعوب تعي هذه الحقائق وتسعى لعدم الاستسلام لهذا الواقع. ولذلك تحدث التوترات السياسية الداخلية ويستمر الصراع في غياب آليات دولية تشجع التحول الديمقراطي وتضرب على أيدي العابثين بأمن الشعوب والمصرّين على فرض الاستبداد بدلا من فتح أبواب الحرّيّة. وهنا تبدو حرّيّة التعبير عنوانا لهذا الصراع. وفي بلد كالبحرين، يجد الشعب نفسه في مواجهة مستمرة مع نظام الحكم القبلي القائم على أساس التوريث السياسي وحرمان الشعوب من المشاركة السياسية. الحقيقية. وتحت الضغوط المتواصلة منذ أكثر من نصف قرن، سعى بعض هذه الأنظمة لسياسة التذاكي، وحاول خداع الجماهير بمشاريع جوفاء بعناوين عصريّة ومحتوى يكرس الديكتاتورية والاستبداد. هذه المحاولات لم تكلّل بالنجاح، فلدى الجماهير إحساس فطري بما تضمره أنظمة الاستبداد من تضليل وخداع، مع تمسكها بسياسات القمع والاضطهاد. وقد مرّ شعبنا البحراني بمخاضات عسيرة خلال الـ 55 عاما منذ الاستقلال. وبقيت سجونه مكتظة بالمناضلين بدون توقف. وما تزال تلك السجون تستقبل معتقلي الرّأي بدون توقف، ومن بين هؤلاء أطفال دون السنّ القانوني. هذه السياسات القمعيّة لم تنجح في كسر شوكة الشعب، بل، على العكس من ذلك، رفعت مستوى الحماس للتغيير، بعد أن أدرك هذا الشعب أن الحكم الخليفي لا يمكن أن يكون بديلا للممارسة السياسية الديمقراطية. فحين تصادر الحرّيّات العامة، ويُعتقل المواطنون بسبب تعبيرهم السلمي عن أرائهم، ويتحول الاضطهاد إلى سياسة راسخة لدى الحكم، لا يبقى مجال للصمت أو المسايرة أو المجاملة، بل تقتضي المصلحة الوطنية السعي لتغيير نظام الحكم كأولوية، بعد أن أصبح إصلاحه مستحيلا. هذه قناعة شعب البحرين الذي علّمته التجربة أن إصلاح نظام الحكم الخليفي الفاسد مهمّة مستحيلة. لذلك سوف يواصل شعبنا البطل نضاله السلمي حتى ينال حرّيّته وحقوقه، مهما كانت التضحيات والمعاناة. وسوف ينتصر الشعب بإذن الله ويندحر الطغيان والاستبداد والظلم.
اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا ربّ العالمين
حركة أحرار البحرين الإسلامية
11 سبتمبر 2026