تقدّم ثابت على طريق التحرّر من الاستبداد والتبعية
لماذا يضطر السجناء السياسيون للإضراب عن الطعام، مع علمهم بأضراره على صحتهم؟ ولماذا يصل الأمر بالمعتقل السياسي إلى حد اليأس من جدوى البقاء إذا استمرت الظروف التي يعيشها؟ والسؤال الفلسفي والأيديولوجي هنا: ما الهدف من سجن البشر؟ أهو العقوبة التي يستحقها بسبب ارتكابه فعلا مخالفا للقانون؟ أم العقوبة الانتقامية التي تنطوي على التشفّي ومضاعفة ما يستحقه الجرم من العقوبة؟ أم أنه محاولة للتخلص من أفراد يمثل وجودهم في المجتمع تهديدا للنظام السياسي الجائر؟ أيّا كان الأمر فإن الشرعة البشرية تقتضي ان يكون الهدف من السجن هو العقوبة المنسجمة مع الجرم، مع حفظ الحقوق الإنسانية الكاملة للشخص المذنب. وهنا يصبح التقصير في توفير مستلزمات الحياة الكريمة للمعتقل السياسي جرما يرتكبه السجّانون أو من يأمرهم بذلك. وفي غياب عدالة شفّافة يواصل الطغاة أساليبهم هذه، معتقدين استحالة حدوث صحوة ضميرية تهز أنظمة الاستبداد بدون حدود. فالمعتقل السياسي، هو الآخر، إنسان له مطالب ومشاعر وحقوق يجب على السجّانين الالتزام بها عن قناعة ورضا وليس بهددف إقناع الآخرين بحسن السلوك. فالمطالبة بإقامة منظومة حكم دستورية ليس تجاوزا للحدود أو المطالبة بالمستحيل في عالم يرفع لواء التحول الديمقراطي وإنهاء الاستبداد والتسلط والظلم.
كثيرا ما قيل أن السجن مدرسة الرجال، ولكن في الوقت نفسه كثيرا ما كان السجن مقبرة الأبطال. وما أكثر الحالات التي نجم عن اعتقال الشخص فيها وفاته تحت التعذيب او الإهمال في توفير الرعاية الصحية، أو حدوث شجار غير متكافيء سواء مع سجناء آخرين أم مع موظفي السجن نفسه. وفي كل الأحوال تبقي هناك حقيقة ثابتة لا تتغير مهما كان جرم السجين السياسي. هذه الحقيقة تقول أنه إنسان يستحق توفير كافة مستلزمات حياته. فلا يجوز حرمانه من الاكل والشرب، ولا يجوز استخدامهما عقوبة أو ابتزازا. ولا يجوز حرمانه من السكن الآمن ضمن ما تقتضيه إنسانيته. وعلى السجّانين توفير احتياجاته من ماء للشرب او الطعام أو التبريد أو التدفئة. كما لا يجوز حرمانه من الزيارات العائلية التي يجب ان تنظم بما يوفر للسجين الشعور بأنه ينتمي لجنس البشر. وليس من حق أية سلطة أن تستخدم هذه الحقوق وسائل ابتزاز أو عقاب، فذلك انتهاك للحقوق وقيم العدالة ومباديء الأخلاق. وما أكثر ما استخدم الطغاة الخليفيون هذه الوسائل خصوصا عندما يتجرّأ السجناء على طرح مطالبهم والتهديد بفضح النظام إن لم يحترم حقوق السجين وأن لا يستخدمها لابتزازه والنيل منه.
الظلم الخليفي ليس جديدا، وما أكثر الذين استشهدوا داخل سجون الطغمة الحاكمة، ومع ذلك لم يتراجع الشعب عن نضاله وإصراره على التغيير. أجيال تعاقبت على ذلك، وهي تعرف عنف الخليفيين وشراستهم وتوحشهم. هذه المعرفة زادتهم إصرارا على التغيير، لأن البديل أن يسكتوا على الظالم الذي يزداد ظلمه عندما يصمت المظلومون. ولذلك لم يتوقف النضال يوما منذ أكثر من مائة عام، وما يزال الأمل يراود أحرار البلاد بحتمية حدوث التغيير. وهذا نابع من إيمانهم بأن الظلم لا يدوم، وان دولة الظلم ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة. فهم يرون أن نضالهم إنما هو جزء من صراع الإنسانية مع الظالمين والمستبدّين منذ بداية البشرية. كما يرون أن الحرب سجال، وأن الظالم لا ينتصر دائما، والمظلوم لا يُهزم أبدا إذا تشبّث بموقفه واصرّ على مطالبه.
البحرين تمثل حالة متميّزة في العديد من الجوانب. فهي بلد صغير لا يُتوقع أن يحتوي هذا المستوى من الظلم والإجحاف. كما أن شعبها يتميّز بالعزّة والكرامة ورفض الظلم والاستضعاف، ولا ينحني أمام الظالمين. يضاف إلى ذلك ان نضاله يمثل بصيص نور في منطقة يعمّها ظلام الاستبداد والاستضعاف، وبرغم ما يحظى به الحكم الخليفي من دعم عسكري وأمني من أطراف أخرى مثل أمريكا وبريطانيا والسعودية والإمارات، لم يستطع الحكم هزيمة الشعب، بل استطاع المواطنون الحفاظ على نضالهم المتواصل وحضورهم الميداني الذي لا ينقطع، فأصبحوا موضع إعجاب الآخرين، ماضيا وحاضرا. وترعرع في ضوء هذا الظلم أجيال ارتبطت بالنضال فاعتقل الكثيرون من أفرادها وعُذبوا وأخرجوا من ديارهم ظلما، وأصبحوا موزّعين في أنحاء العالم من أستراليا غلى أوروبا وأمريكا. بل أن بعضهم سجن في جزر نائية في المحيطات، كما حدث مع قادة هيئة الاتحاد الوطني الثلاثة الذين اعتقلوا أكثر من خمس سنوات في جزيرة سانت هيلانة وسط المحيط الأطلسي، وهي حالة ليس لها نظير. فلم يُنفَ إلى تلك الجزيرة إلا عدد محدود من البشر اشهرهم نابليون بونابرت، القائد الفرنسي الذي كان قائدا للحملة الفرنسية على مصر (1798-1801). وقد صبر هؤلاء القادة على محنتهم حتى العام 1971 عندما نقلوهم إلى سوريا، فبقي بعضهم فيها حتى وفاته مثل عبد الرحمن الباكر، بينما رجع عبد العزيز الشملان إلى البحرين.
إن ملف نضال الشعب البحراني قديم متجدّد، لا ينتهي فصل منه حتى يبدأ آخر. وفي كل هذه النضالات هناك ضحايا كثيرون، شهداء أو معتقلون أو منفيّون. إنها قصة نضال شعب صامد يرفض الاحتلال الأجنبي والهيمنة القبلية المتخلّفة على بلاده وشؤونه. كما أنها تحتوي على مشاهد من التضحيات والبطولات، أصبحت مفخرة لكل وطني مناضل نأى بنفسه عن المحتلين الخليفيين، واصرّ على ضرورة التحرر من هذه الهيمنة الشرّيرة. وعندما تُفتح صفحات من هذا الملف تنطلق منها نسمات الحرّيّة وقصص البطولة والصمود من جهة، وقصص الاضطهاد والاستبداد والظلم من جهة أخرى. ومنها يتضح كذلك أن الشعب البحراني الأصلي (شيعة وسنّة) توارث النضال عبر الأجيال، ورسم بدماء أبنائه صفحات مشرقة من الثبات والتضحية، مؤكدا بكل ذلك حبّه لوطنه واستعداده للدفاع عن كرامته وسيادته بكل ما لديه من إمكانات. وما يزال يدفع ثمن ذلك. فما اكثر السجناء السياسيين الذين يمثّلون أجيال النضال، ما بين رجال في السبعين من العمر وشباب دون العشرين. ويمثل سجن الحوض الجاف نسخة خليفية من اضطهاد الأطفال وحرمانهم من حقوقهم الإنسانية الأساسية منها حق التمتع بالطفولة والتعلّم والنشوء في أجواء الأسرة وأحضان الوالدين.
هذه المشاعر المختزنة في نفوس البحرانيين الأصليين جعلت قصة النضال غضّة في النفوس، ودافعا لمواصلته من أجل تحقيق الحرّيّة وإنهاء عهد الاستبداد الخليفي الأسود. إنها تضحيات حقّقت نتائج إيجابية في بعض مفاصلها، فكان الاستقلال الذي تحقق بالانسحاب البريطاني في مثل هذه الأيام قبل 55 عاما، وكانت التجربة الديمقراطية التي وأدها الخليفيون، وكانت الانتفاضات المتعاقبة وما نجم عنها من ارتقاء شهداء كثيرين إلى ربّهم. إنها ملحمة نضال شعب مصمّم على استرداد حرّيّته المغتصبة وحقوقه المسلوبة، كاملة غير منقوصة، رافضا مقولات العصابة الحاكمة التي تزدحم فيها التناقضات والأكاذيب. وعلى هذا الطريق سارت أجياله، وضحّت بالغالي والنفيس من أجل الوطن وحرّيّته وسيادته. وعلى أجساد هؤلاء أقام الخليفيون أبشع نظام في المنطقة وأكثرها شراسة وظلما وعمالة وحقدا وغربة عن الوطن وترابه وشعبه وثقافته. لذلك أصبح النضال البحراني أكثر تعقيدا من نضال أي شعب آخر. هذا التميّز أضفى قداسة على هذا النضال، وشجّع الكثيرين للانخراط فيه نظرا لقداسته ونقائه، وارتفعت الأكفّ مبتهلة إلى الله أن يمنح المشاركين في مشروع التحرير نصرا مؤزّرا على أعداء الحق والعدل والإنسانية، إنه مجيب الدعوات.
اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا ربّ العالمين
حركة أحرار البحرين الإسلامية
28 أغسطس 2026