بيانات حركة أحرار البحرين

55 عاما بعد رحيل الاستعمار .. ذكرى الاستقلال مناسبة لتجديد دماء الثورة من أجل التغيير

في مثل هذه الأيام قبل 55 عاما، كانت البحرين على موعد مع حدث هو الأكبر في تاريخها المعاصر. فقد عاشت، واغلب مشيخات الخليج، على مدى قرن ونصف، تحت الحماية البريطانية التي بدأت منذ العام 1820 بشكل رسمي. وقبل ذلك كانت الأساطيل البريطانية تمخر البحار والمحيطات لفرض الهيمنة البريطانية الاستعمارية في مناطق واسعة من العالم. وبعد عقود من النضال الوطني في البحرين أعلنت الحكومة البريطانية في مطلع العام 1968 قرارها بإنهاء حقبة الحماية بعد ثلاث سنوات. وبشكل متزامن أعلن شاه إيران أنه سيترك لشعب البحرين حرّيّة القرار حول مصيره. وفهم من ذلك انتهاء المطالبة الإيرانية بالبحرين بعد عقود من الإصرار على عزم إيران استعادة السيطرة عليها. ومنذ تلك اللحظة بدات الاستعدادات للمرحلة المقبلة بعد انتهاء الحماية البريطانية وانتهاء المزاعم الإيرانية. ولإضفاء صفة رسمية على ذلك، قرّرت الأمم المتحدة إجاء استفتاء للشعب البحراني حول ما يريد. فجاءت نتيجة ذلك الاستفتاء تأكيد الرغبة في الاستقلال، الأمر الذي أسس لمستقبل كان الشعب يأمل أن يتمتع فيه بالحرّيّة والديمقراطية. وهكذا أعلنت البحرين استقلالها في 14 أغسطس 1971، وأصبح ذلك يوما وطنيا يحتفل الشعب به، وتتجاهله العصابة الخليفية.

لم يكن البحرانيون وهم يصوّتون على استقلال بلادهم يتوقعون أنهم سوف يتحرّرون من الوصاية الاجنبية (سواء البريطانية أم الإيرانية) ولكنهم سيخضعون للاستبداد الخليفي الذي جثم على صدور الشعب منذ ذلك الوقت. ويبدو أن المخطط كان جاهزا لدعم الهيمنة الخليفية بشكل مطلق. فالبريطانيون الذين كانوا القوة الكبرى في البلاد، لم يطرحوا مشروعا سياسيا لحكم البلاد بعد انسحابهم، ولم يتحدثوا عن بديل ديمقراطي للوجود الأجنبي. وبدلا من ذلك، سعوا للتذاكي على الشعب، فسمحوا للشعب بالمشاركة في كتابة دستور البلاد، وسمحوا بانتخابات برلمانية أجريت في ديسمبر 1973 في ضوء ذلك الدستور. ولكنهم سرعان ما انقلبوا على ذلك. وفي غضون عام ونصف قاموا بتعليق المواد الدستورية التي تنص على انتخابات برلمانية، وحلّوا المجلس الوطني وأدخلوا البلاد في دوامة من الاضطراب السياسي بدأت منذ أغسطس 1975 واستمرت تداعياتها حتى الآن. وسعى الخليفيون خلال تلك الفترة في محاولاتهم خداع الشعب بطرح مشاريع سياسية صوريّة تكرّس هيمنتهم وتهميش الشعب، على أمل إدخال اليأس في نفوس المواطنين. ولكن البحرانيين ليسوا أغبياء. فسرعان ما تصدّوا للمشروع الخليفي، فبداوا بنضالهم الوطني منذ قرار وأد التجربة الديمقراطية، وقدموا على ذلك الطريق تضحيات كبيرة، فاستشهد المئات واعتقال الآلاف وشرّدت أعداد كبيرة من المواطنين ما يزال أغلبهم يعيش في المنافي.

اليوم يستحضر البحرانيون ما يسمى “ذكرى الاستقلال”. وهي ذكرى تحتفي بها الشعوب لانها تمثل التحول من الحقبة الاستعمارية إلى حقبة الشراكة السياسية ضمن ممارسات ديمقراطية متعدده الأشكال. ولم يتخلّ الخليفيون عن سياسات التذاكي التي تنطوي على الخداع والتضليل والتسويف، معتقدين أن ذلك سوف يضعف الإصرار الوطني على تحقيق تحول ديمقراطي حقيقي. وكان من نتائج تلك السياسة اكتظاظ السجون بالمعتقلين السياسيين وتصاعد أساليب القمع والتعذيب. ومع ذلك صمد الشعب واستمر في نضاله بدون خوف أو تعب أو تراجع. ولما يئس الخليفيون من إخضاع البحرانيين الأصليين (شيعة وسنة) هرعوا لاستقدام نوع جديد من الاحتلال، كان أخطر مصاديقه الدخول السعودي- الإماراتي على الخط وإرسال قوات احتلال جديدة لقمع ثورة الشعب التي تصاعدت في خضم ثورات الربيع العربي. لقد كانت تجربة قاسية سقط فيها عشرات الشهداء ومئات الجرحى وآلاف المعتقلين، واستمرت حتى اليوم. وما يزال أحرار البحرين يعانون من السياسة الخليفية التي تقوم على أسس الاضطهاد والقمع والتهميش والتضليل. وساهمت تجربة الشعب في توفير حصانة له منم الانخداع أو الاستسلام للسياسات الخليفية.

في ذكرى الاستقلال إذن تتجدد الأسئلة في أذهان القوى الوطنية بكافة توجهاتها وتنظيماتها: ما مستقبل البحرين في ظل الهيمنة الخليفية التي تحوّلت إلى احتلال مقيت؟ كيف السبيل لتحقيق تحوّل ديمقراطي حقيقي يحقق للشعب حرّيّته وكرامته ويحفظ حقوقه السياسية التي ناضل من أجلها منذ أكثر من مائة عام؟ إلى متى ستظل السجون الخليفية مكتظّة بسجناء الرأي؟ أين هي القوى والجهات الدولية المعنية بترويج الديمقراطية وترويج حقوق الإنسان، وحماية حقوق الطفل والمرأة؟ هذه التساؤلات مشروعة لأنها تعبّر عن الغضب المختزن في نفوس المواطنين، خصوصا من بقي من المناضلين الذين تصدّوا للحقبة الاستعمارية وهتفوا من أجل حرّيّة الوطن والشعب، وضحّوا من أجل ذلك بأغلى ما يملكون. فالمنافي تشهد لهم بالتضحيات، والسجون تؤكد استمرار حالة الاضطهاد والقمع، والشوارع تؤكد استمرار الحراك الشعبي من أجل ذلك. فلم يعد خافيا سوء أوضاع البلاد التي تردّت بشكل أكبر في عهد الطاغية الحالي الذي انتهج سياسات دمويّة نجم عنها استشهاد المئات من البحرانيين. وليس خافيا كذلك أن هذا الطاغية يعتمد بشكل كامل على الدعم الأجنبي بعد أن يئس من ضمان دعم الشعب لمشاريعه وسياساته.

في ذكرى الاستقلال يجد الأحرار أنفسهم في حالة صراع تفوق ما عاشها آباؤهم وأجداهم الذين كانوا يسعون لتحقيق إصلاح حقيقي يتمثل أساسا بتحجيم الهيمنة الخليفية وقطع الطريق على التدخلات الأجنبية أيا كان شكلها. وتمثل الحقبة الحالية واحدة من أصعب مراحل النضال الشعبي حيث يصرّ الحاكم الحالي على تضييق مساحة الحرية، والسعي لاستئصال القوى الثورية المطالبة بالحرّيّة والعدالة والاستقلال الحقيقي عن القوى الخارجية، الأجنبية والعربية. إنه يخوض صفحة جديدة من النضال من أجل الحرّيّة، فكأنه يعيد تجربة الجيل الذي عاصر الاستقلال وناضل من أجل تحقيقه. وهذا يفرض مسؤوليات جساما على كواهل أبناء الجيل الحالي من البحرانيين على تعدد انتماءاتهم الايديولوجية والفئوية. فلا مجال للعيش الكريم في غياب الحقوق الأساسية التي لا يضمنها إلا وجود مؤسسات مستقلّة، لا تستمد شرعيتها من الحكم الخليفي بل من الشعب الذي يمارس حقوقه الانتخابية والسياسية بشكل كامل. لقد بقي الشعب محروما من هذه الحقوق عقودا، وكان الطغاة الخليفيون يحلمون بوصول المواطنين إلى حالة من التعب والانهيار والاستسلام. ولكن ذلك لم يحدث، بل أن المواطنين وهم يستقبلون ذكرى الاستقلال يشمرون عن سواعدهم للخوض مجددا في معركة الكرامة والحرّيّة والحقوق بإرادة وتصميم ووضوح تتفوق على ما كان لدى الأجيال المناضلة الأولى. فلا مجال للتعايش ضمن قيم السلام والتفاهم مع طغمة تبحث عن أمنها وسلامتها من قوى أجنبية، وتتجهم للشعب ومطالبه وتتحدّى إرادته ووعيه.

في هذه الذكرى هناك حاجة ملحّة لتجديد العهد مع دماء الشهداء الذين ضحّوا من أجل حرّيّتهم ووطنهم ومستقبل أولادهم، بالاستمرار في طريق النضال والتضحية والتصدّي للظلم والاستبداد بدون تراجع أو وهن أو خوف. فهذا هو الطريق الذي عبّدته دماء شهدائنا الأبرار الذين رفعوا راية التغيير منذ أكثر من مائة عام وصمدوا على ذلك الطريق وحقّقوا إنجازات رائعة، على رأسها ترسيخ الإيمان الشعبي بحتمية انتهاء الحقبة السوداء طال الزمن أو قصر. وعلى ذلك ستسير طلائع الشباب الذي ازداد وعيا وقناعة بضرورة الانخراط في مشاريع التغيير والإصلاح حتى تتحقق مطالب الشعب وعلى رأسها الحرّيّة والكرامة والحقوق المشروع والولوج إلى عالم مفعم بالحرّيّة والانسانية، بعد انتهاء الحقبة الخليفية السوداء.

اللهم رحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وتقبل قرابيننا يا رب العالمين

حركة أحرار البحرين الإسلامية
14 أغسطس 2026

زر الذهاب إلى الأعلى