بيانات حركة أحرار البحرين

البحرانيون: عشّاق الحرّيّة وأعداء الظلم والاستبداد ماضيا وحاضرا

مما لا شكّ فيه أن أبناء البحرين لا يعشقون الحرّيّة فحسب، بل يضحّون من أجلها بما لديهم من غال ونفيس، حتى بالنفس والروح. وما أكثر هذه التضحيات التي قُدّمت منذ الانسحاب البريطاني في مثل هذه الأيام قبل 55 عاما. ولذلك استمرّوا في التضحية بدون توقف، فعُلّقوا على المشانق، وأعدموا، وسُجنوا وعُذّبوا بلا رحمة. إنهم يضعون الحرّيّة تاجا على رؤوسهم، وهو ما يمزّق الخليفيين غضبا وحقدا. وعندما احتلّوا البلاد كانوا يظنّون أنهم سوف يستعبدون أهلها كما يشاؤون، ولكن خاب ظنّهم، فقد اكتشفوا أن البحرانيين أشدُّ ثباتا وصمودا وتشبثا بالحرّيّة، وأعمق ولاء للوطن مما كانوا يتصورون. فقد رفضوا الاحتلال الاجنبي طوال تاريخهم، على عكس الخليفيين الذين استقدموا الأجانب لحمايتهم، تارة باحتضان الاستعمار وأخرى باستدعاء القوات الأجنبية لقمع الشعب. وثالثة بفرض مشروع التغيير السكاني باستقدام الغرباء وتوطينهم مكان السكان الأصليين. ولكنهم، بعد أكثر من نصف قرن من الانسحاب البريطاني، وجدوا أنفسهم، كما كانوا دائما، معزولين عن الشعب، يخوضون حربا دائمة ضدّه ويأملون في اقتلاعه من أرضه.

في الاسبوع الماضي احتفى البحرانيون بذكرى الاستقلال، في اليوم الذي أكمل البريطانيون فيه انسحابهم العسكري في 14 أغسطس 1971. وكان ذلك الاحتفاء بأساليبهم المعهودة المتمثلة بالمقاومة المدنية وإقامة الندوات حسب ما تسمح به الظروف. وفي هذه المناسبة يشعرون عادة بالإحباط الكبير بسبب ما قام به الخليفيون من نقض العهد بتحويل البلاد إلى دولة دستورية يمارس المواطنون فيها حقوقهم السياسية التي ينص عليها الدستور. وعلى مدى أكثر من نصف قرن مارس الخليفيون أساليب التذاكي على أوسع نطاق، وتعاملوا مع الشعب بالاستعباد والاستضعاف بدون مراعاة للإنسانية والأخلاق. وبذلك تحوّلت قضية البحرين إلى عنوان واسع للظلامة والاستضعاف بدلا من التطور السياسي الذي كان المواطنون يتطلعون إليه قبل الانسحاب البريطاني. فمنذ العام 1922 كانوا يتطلعون إلى بلد مستقل يحكمه القانون ويسمح لهم بممارسة حقوقهم السياسية، ويتم فيه التداول على السلطة في ظل تعددية سياسية ودينية ومذهبية. وقد تبدّدت تلك الأحلام وتلاشت الآمال في قدرة الحكم الخليفي على التحوّل من عقلية هيمنة القبيلة إلى سيادة الشعب. وكان من نتائج ذلك تعمّق الشعور بخيبة الأمل من القوى الغربية التي رفعت شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان ولكنها تصرّ على دعم الاستبداد. وبشكل خاص كان البعض يعتقد أن انتهاء الحقبة الاستعمارية سوف يعقبها تحول ديمقراطي، خصوصا بعد التضحيات الكبرى التي بذلها المناضلون لمناهضة تلك الحقبة.

كيف ينظر المراقبون المستقلّون إلى واقع البحرين اليوم؟ من الناحية السياسية أصبحت محكومة من قبل العائلة الخليفية نفسها التي لم تتغير ممارساتها منذ الحقبة الاستعمارية. فما يزال الخليفيون يمسكون بتلابيب الأمور، حيث يستضعفون السكان الأصليين ويعاملونهم كمواطنين من الدرجة الثانية او الثالثة، ويحرمونهم من حقوقهم السياسية بانتخاب حكومتهم والمشاركة الفاعلة في إدارة شؤون بلادهم. ومن ناحية الحرّيّات العامة، يعاني السكان الأصليون، وهم الغالبية الساحقة من السكان، من اضطهاد ديني متواصل. فالعلماء الكبار يعيشون في المنافي والمعتقلات، والسجون تكتظ بنزلائها من الشباب المتطلع لنظام سياسي حديث، والحقوق العامّة تخضع لمزاج الحاكم وبطانته، والديوان الملكي اصبح مصدر الحكم حتى في القضايا التفصيلية والتعيينات والترقيات. ولم يعد هناك مجال واسع لمنظمات المجتمع المدني التي يتوقف وجودها ومساحة عملها على مزاج الحاكم ورغباته. ولذلك قام الطاغية الخليفي بحلّ الجمعيات التي لا توافق مزاجه، مثل جمعية الوفاق الوطني الإسلامية وجمعية العمل الإسلامي وجمعية وعد وسواهما. واستبدل المشروع الديمقراطي الذي كان الشعب يتطلع إليه بوضع استبدادي خانق يعاقب على الشك والظن. وبقيت البلاد تعاني من سوء الأوضاع بدون توقف، فمن أزمة إلى أخرى، بدون أن يكون لدى العصابة الحاكمة رغبة في تحويل البلاد إلى نظام ديمقراطي يشارك الشعب فيه ويمارس دور التشريع والإدارة والرقابة.

عاش البحرانيون في أرضهم قرونا، وتشبثوا بترابها، وبنوا حضارتها منذ العهود الغابرة، فساهموا ببناء حضارة ديلمون، ثم اعتنقوا الإسلام طوعا، وشاركوا في بناء كيانه، واستمروا في درب البناء، آملين أن يتمتعوا بأمن بلدهم وخيراتها. ولكن الخليفيين كانوا لهم بالمرصاد. ومنذ الاحتلال الخليفي المقيت تعرّض البحرانيون للاستضعاف والتقزيم والتهميش بلا حدود. ولكنهم لم يستسلموا لذلك الوضع، بل تصدّوا له وقدّموا التضحيات ماضيا وحاضرا، ولم يستكينوا يوما للاحتلال الخليفي، وما يزال الكثيرون يتطلعون لعهد جديد خال من الظلم والاستبداد والهيمنة القبلية والعمالة للأجانب. هذا هو تاريخهم، وهذا ما يتطلعون لتحقيقه بالنضال والمثابرة والوعي. وقد تميزت مسيرة هذا الشعب بتلاحم صفوفه ومشاركة كافة أطيافه وتوافق مكوّناته على خيار التغيير. هذا برغم محاولات الحكم الخليفي إيهام بعض القطاعات المجتمعية بأنه النظام المخلّص لهم من الأزمات. ولكن الوعي الجماهيري حال دون تحقق ذلك. فللنضال دوره في إفشال سياسات التضليل وإزالة الوهم. والمناضل ينظر بعين فاحصة وينظر إلى ما وراء الأمور، ولا يكتفي بظواهرها. فالمعاناة ضرورة للإنسان، لأنها تصقل مواهبه وتدفعه للحفاظ على يقظته وعدم الخلود للراحة القاتلة.

إنها مسيرة ناصعة، تلك العقود التي قضاها البحرانيون في ميادين النضال ضد الاستبداد والهيمنة القبلية وسياسات التضليل والتهميش. فلم يستكينوا يوما للظلم، ولم يرفعوا الراية البيضاء وهم يواجهون فلول الخليفيين المدعومين من الخارج. كما لم يتخلّوا عن هويتهم التاريخية والدينية والمذهبية، بل بقوا أوفياء لما يحملونه من فكر وتوجّه، واصرّوا على المرابطة في الميادين، ونظروا برويّة وعمق لحركة العالم من حولهم، واستطاعوا التمييز بين عدو غاشم يسعى للهيمنة والاستحواذ، وصديق يدعم التوجهات التحرّرية في صفوف أبناء الوطن. إنها معادلة تتطلب توازنا حقيقيا في تقييم الأمور ومعرفة الواقع بدون انحراف او انحياز. هذه المسيرة تمثل التاريخ المعاصر لشعب البحرين الأبيّ الذي يصرّ على الاستمرار في طريق النضال حتى يحقّق أهداف الأجيال التي ناضلت منذ أكثر من مائة عام، وعلى رأسها التخلص من الاستبداد الخليفي وإقامة منظومة سياسية عصرية.

مما تقدم أصبحت طبيعة الشعب البحراني واضحة، فهم لا يقبلون الظلم، ولا يسكتون على الضيم، ولا يقارّون على ظلم ظالم، ولا يسايرون من يمارس الظلم على شعبه. ولذلك بقيت الفجوة بين البحرانيين والخليفيين واسعة لا يمكن ردمها بسبب سياسات الحكم المعادية للسكان الأصليين من أبناء أوال الذين ينحدرون في أصولهم من بكر بن وائل وعبد القيس. إن عروبتهم وإسلامهم يمنعانهم من الاستسلام للأجانب الذين يستخدمون القوّة للبطش والانتقام ممن يعارضهم. ويتضح ذلك من تاريخهم المتواصل في النضال والمقاومة المدنية لكل ما يهدّد الحرّيّة والإنسانية والكرامة. وعلى الخليفيين وداعميهم أن يعوا هذه الحقائق، ويعلموا أن من سعى لاحتلال أرضهم ابتداء بالبرتغاليين ثم الفرس ثم البريطانيين، لم يستطع الاستمرار في ذلك الاحتلال، بل وجد نفسه مرفوضا ومهزوما ومطرودا. هذه هي الحقيقة التاريخية التي يسعى الخليفيون لطمسها تارة بتزوير الحقائق، وأخرى بإعادة كتابة التاريخ، وثالثة باستقدام الأجانب لسحق السكان الأصليين، ورابعة بالتنكيل والاضطهاد والاستضعاف. يعرف البحرانيون هذه الحقائق جيّدا، فقد ورثوا عن آبائهم وأجدادهم روح المقاومة والنضال بالإضافة للوطنية وشعور الانتماء وحب الوطن. ولن تتغير أطباعهم، كما لن يسكتوا على الضيم ولن يوالوا أعداء الله والوطن والشعب، مهما استخدموا من قوّة وبطش وإرهاب. هذا هو طريق الحرّيّة والإنسانية الذي اختاره البحرانيون منذ القدم، وسوف يستمرون عليه حتى يفتح الله بينهم وبين القوم الظالمين.

اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد اسرانا يا ربّ العالمين

حركة أحرار البحرين الإسلامية
21 أغسطس 2026

زر الذهاب إلى الأعلى