في ذكرى الأربعين: عطر الشهادة يتضوّع، والبحرانيون استنشقوه فما وهنوا
الحاكم الذي يسجن مواطنيه عقودا لا يمكن إلا ان يكون عدوّا لكل ما يمثله أولئك المسجونون. فطول فترة السجن تعكس مدى رفضه لما يطرحه ضحاياه الذين لا يرى جزاء لهم إلّا السجن الطويل لكي يبعدهم عن المجتمع ويخمد أصواتهم ويقضي على تاثيرهم. هذا هو التفكير الأوّلي الذي يتشكّل في ذهن الطاغية، ولكن هل حقّا يتحقق ما يريده؟ هل يستطيع سجن الفكر والتوجّه؟ بالأمس خرجت الجماهير في كل زاوية من البلاد لتحيي ذكرى أربعينية الإمام الحسين، في مسيرات عملاقة يعتبرها المراقبون استفتاء على نظام الحكم بقدر ما هي إحياء لمناسبة مقدّسة لدى تلك الجماهير. فالمشاركون تختلج في نفوسهم مشاعر شتّى: حزنٌ وغضبٌ واستمطار للرحمة الإلهية للتدخل من أجل إنقاذ المظلومين الذين يرزحون وراء القضبان، أو الذين يكرعون الآلام كل يوم بسبب ظلم الحاكم وطغيانه. ذكرى الأربعين تختصر المسافات الفاصلة بين الرسالات السماوية، وتتصل بهموم البشر العاديين على مر العصور، الذين يعانون من الانحراف والاستبداد والظلم والتهميش. وعندما يشارك في إحيائها حضورا أكثر من 20 مليون إنسان، فهذا يعني أن صوت الحسين قد اخترق الزمن وصكّ أسماع الأجيال، وهزم المشروع الأموي الذي يُعتبر الانقلابَ الأكبر على مشروع محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام. هنا تتضح المفاصلة الكاملة بين مشروعين متصارعين، أحدهما يمثله الأنبياء والرسل والأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام، والأخر يعبّر عن مشروع الشيطان الذي أعلنه بوضوح بعد أن رفض الأمر الإلهي بالسجود لآدم: فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) (الأعراف).
ذكرى الأربعين تستهوي ذوي المشاعر الثوريّة، خصوصا أن بطلتها امراة من آل محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، تحوّلت نتيجة مواقفها إلى أيقونة أممية للنضال، فلا يستطيع من يطّلع على سيرتها إلا أن يعبّر عن إعجابه بها وإكباره لها. فقد مرّت بأصعب الظروف عندما رأت إخوتها وأنصارهم مضرّجين بدماء الشهادة، ولم يبق من رجالها سوى شاب مريض مع أكثر من عشرين من النساء الثاكلات والأطفال اليتامى. حملت لواء القيادة آنذاك واستعدّت لتحمّل أعبائها بإيمان وثقة. قضت أربعين يوما مأسورة لدى طغاة أميّة، فلم تستسلم لتلك الظروف بل استفادت منها لإيصال رسالة أخيها أبي عبد الله عليه السلام، بكشف حقيقة الحكم الأمويّ الظالم، والانقلاب الدموي على آل بيت رسول الله عليه افضل الصلاة والسلام. كانت تصارع ظروف الأسر وتسعى لإيصال رسالة الحق إلى أقوام غلبوا على أمرهم وتعرّضوا للتجهيل والتضليل. فكان لها ما أرادت. فما دخلت بلدا إلا خاطبت أهله وكشفت لهم الجريمة الأمويّة النكراء، وأن الأسرى ليسوا سوى أحفاد رسول الله. كانت تشعر في داخلها بأن أمّة المسلمين لن تكون بخير إذا حكمها البيت الأموي الذي انقلب على المشروع الإسلامي المحمّدي وحوّل الحكم إلى ملك عضوض. كانت، كما كان أخوها الحسين عليهما السلام، تدرك خطر ذلك على نقاء مشروع السماء الذي ورثه الحسين عن الأنبياء منذ آدم عليه السلام. لم تكن امرأة مغلوبة على أمرها فحسب، بل كانت حاملة رسالة وصاحبة مشروع، تشعر في أعماقها بأن ثقل رسالة الحسين وقع على عاتقها وأن عليها تبليغها للأمّة، كما فعل جدّها رسول الله عندما أمره الله بإيصال آخر رسالة من السماء.
ربما تحوّلت المناسبة عبر تاريخها الطويل، إلى ممارسات شعبية معتادة، بدون أن يكون لبعدها الديني والرسالي حضور واضح، ولكنها تبقى مصدر إلهام لمن يبحث عن ذلك. فمن يعشق قيم الإيمان والتوحيد والحرّيّة والجهاد من أجل الخير، فسوف يجد في صفحات السيرة الحسينية مصاديق حقيقية لذلك كله. إنها تختصر رسالات السماء، فيظهر فيها الحسين عليه السلام، وارث تلك الرسالات رجل الموقف، سائرا على خطى الأنبياء، ليواجه المصير الذي واجه الكثيرين منهم كما نصّت الآية الكريمة: “إنّ الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، فبشّرهم بعذاب أليم”. ليس جديدا استهداف الرسول من أجل قتل الرسالة، فهذا ما فعلته الأقوام التي تصدّت لرسالات السماء، ماضيا وحاضرا. إنه الصراع التاريخي بين ما يريده الله وما يسعى الطغاة والمصلحيون والمتسلّقون لنيله من مردودات مادّيّة، ومال وجاه وسلطان. في المنظور الحضاري، استطاع الحسين تحقيق ذلك من خلال مشروع الشهادة، فلم يتراجع عن موقفه، ولم يساير الطغاة، كما لم يمنح الأولوية للبقاء الجسدي. وما دام قد رفض كافة محاولات فرض المشروع الأموي بديلا للمشروع الإلهي، فقد كان عليه أن يدفع الثمن غاليا. وهل هناك أغلى من حياة حفيد آخر الأنبياء؟ هل هناك من قداسة لأي مشروع تفوق قداسة المشروع الحسيني الذي ما يزال يجذب الأحرار ويستهوي دعاة الحق، ويُغضب المتغطرسين والمتجبّرين والمتفرعنين؟ لم يكن الحسين يبحث عن مجد شخصي، ولا عن مخرج “مبريء للذمّة” يوفّر عليه حياته ومن معه. بل كان يريد تبليغ الرسالة السماوية، كما فعل جده: “يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك، وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته”.
الشعوب المناضلة أكثر معرفة بالحسين ومشروعه ودور نسائه خصوصا السيدة زينب بنت علي عليها السلام. فلدى هذه الشعوب مشاعر خاصة تجاه الثورة، وهي الأكثر تقديسا للعناصر الثوريّة في التاريخ. ويمثل الحسين عليه السلام ذروة التضحية على طريق ذات الشوكة، ورأس الحربة في الصراع التاريخي من أجل إقامة الحق والعدل في عالم تهيمن عليه قوى الظلم والانحراف. كان دم الحسين ضرورة لوقف تداعي المشروع المحمّدي الهادف لتحرير الإنسان كاملا. وكانت دماؤه ودماء أنصاره ضرورة للحفاظ على حياة ذلك المشروع. وكان الدور الزينبي ضرورة أخرى لتدمير مشاريع التزييف السلطوية التي تستضعف الناس وتسعى لتوجيه تفكيرهم وتضليل الرأي العام حول الحقيقة. وعلى مدى أربعين يوما كانت الحقيقة تتبلور على لسان زينب وهي تخطب بصراحة وصدق، غير مبالية بالموت لو حدث. فما قيمة الحياة بعد استشهاد أخيها الحسين الذي قال عنه محمد عليه أفضل الصلاة والسلام: حسين منّي وأنا من حسين. كانت تلك المشاعر تدفعها للإصرار على النطق بالحق في أصعب المواقف وأخطرها. فنطقت بالحقيقة في مجلس ابن زياد بالكوفة، ثم في مجلس يزيد بالشام. وفي الحالين كانت الحقيقة تتقاطر في كلماتها، وهي تعلم أن الطغاة لن يسامحوها بعد أن فضحت أكذوبتهم وكشفت حقيقة مشروعهم وما ارتكبوه بحق آل بيت رسول الله. ولكن ماذا بقي لها في هذه الدنيا بعد أن رحل رجالها مستشهدين من أجل الله والدّين والحقيقة؟ لم يكن أمام زينب إلا خيار التصدّي بشجاعة ومنطق وثبات. لذلك سجّلها التاريخ قائدة شجاعة، ومؤمنة ثابتة، وثوريّة لا تُضاهى. إنها حفيدة الرسالة ووارثة الحسين ولسان علي بن أبي طالب. لقد كانت كربلاء، وكانت المحنة، وكانت زينب، وكلّ ذلك يبكي القلوب العاشقة ويحرق النفوس الوالهة، ويحيي مشاعر الإيمان والحبّ والثورة. تلك هي زينب التي حملت اللواء وحالت دون محاولات إسقاطه في الكوفة ودمشق، حتى عادت مجدّدا إلى كربلاء، وبعدها حملت قصتها إلى المدينة. ومن هناك تجلّت عظمة الظاهرة الحسينية، فانطلقت مواكب الوفاء والعزاء والثورات، مستمرّة حتى إقامة دولة العدل والحق وسقوط كيانات البغي والطغيان والعدوان. لقد أدرك شعبنا البحراني كل ذلك، فلم يتردد أو يتراجع أو يساوم، أو يهادن، بل يعتبر نفسه جزءا من حركة التاريخ ضد الظاهرة اليزيدية، وسوف ينتصر بعون الله تعالى.
اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا ربّ العالمين
حركة أحرار البحرين الإسلامية
7 أغسطس 2026