بيانات حركة أحرار البحرين

استهداف رموز الأمّة وعلماء الدين: صفحة خليفية أخرى كالحة

للمرّة الألف يتأكد استخدام التعذيب الوحشي من قبل جلادي الاحتلال الخليفي بحق المواطنين البحرانيين. هذه المرّة كان علماء الدين الكبار ضحايا هذا التعذيب الذي أمر الطاغية باستخدامه بدون خجل او خوف إو إنسانية. فقد استمرأ هذا الحكم الجائرة التنكيل بالمواطنين، ومع مرور الوقت أصبح أكثر جرأة على ممارسته، حتى لم يعد يشعر بالحاجة لإخفاء هذه الممارسة الدنيئة الحاطّة بالكرامة الإنسانية. فما دام مطمئنا لدعم الحكومات الغربية وعلى وجه التحديد الأمركيية والبريطانية لنظامه، فماذا يضيره أن يصرخ الضحايا من الألم؟ ومن الذي يملك السلطة لمقاضاة رموزهم الذين أقرّوا التعذيب ماضيا وحاضرا، ولم تُجد الجهود الساعة لتجريمه شيئا؟ ما دام العالم مشغولا بالحروب الأمريكية على المنطقة، وهي حروب لا تتوقف عند حد ولا سقف لما تُحدثه من دمار، قد يبدو الحديث عن ممارسة التعذيب خبرا لا مكاان له في الإعلام، ولن يحظى باهتمام ملوك الحرب المشغولين بتوجيه الجيوش وإصدار الأوامر بالتدمير والقتل الشامل. مع ذلك لا يستطيع ذوو الضمائر الإنسانية اليقظة تجاهل ممارسة التعذيب واستخدامه كسلاح ضد معارضي ما يمارسه الخليفيون من ظلم واستبداد. فهؤلاء يرصدون ما يجري وراء القضبان بشكل يومي ويسجّلون تقاريرهم ويخاطبون أحرار العالم بضرورة التصدّي للجلّادين والمعذّبين وعدم التطبيع معهم. ومع أن هذه الجهود ضئيلة، ولكن تراكمها قد يساهم في تفعيل الآليات الدولية التي تجرّم التعذيب وتعتبره إحدى الجرائم ضد الإنسانية.

في الأيام الأخيرة تحدّث علماء الدّين المعتقلون عن معاناتهم في الزنزانات الخليفية، وأصرّوا على التحدّث عن تلك المعاناة مهما كلّفهم الأمر. هذه المرّة تبدو القضية أكثر جدّيّة ومن شأن الكشف الواسع عنها أن تحاصر الطاغية الخليفي وعصابته. فقد تعرّض عالم الدين البحرانيّ سماحة الشيخ فاضل الزّاكي للتعذيب الجسديّ وأشدّ أنواع الإهانة والتنكيل أثناء التحقيق في أماكن مجهولة مع استمرار جريمة الإخفاء القسريّ . وفي الجلسة الثانية من المحاكمة الأولى لكبار العلماء التي عقدت قبل أيام، أدلى العلماء الأسرى بإفادات صلبة وصادمة كشفوا فيها عن تعرضهم لسلسلة من الانتهاكات الجسيمة والتجاوزات الحقوقية خلال فترة الاحتجاز والتحقيق في دهاليز أروقة أجهزة الاستخبارات. وتضمنت الشكاوى التي أثبتها العلماء أمام هيئة المحكمة: تصميد العينين وإبقاؤهما مغطيتين فترات طويلة لمنعهم من التعرف على المحققين والمعذبين. كما تعرّض العلماء للإكراه على التوقيع حيث تمّ إجبارهم تحت وطأة التهديد والضغط على توقيع أوراق ومحاضر جاهزة بدون السماح لهم بقراءتها أو الاطلاع على مضمونها، سواء في غرف التحقيق أو أمام النيابة العامة. كما تعرّضوا للتهديدات المستمرة بالمزيد من أساليب التعذيب الجسدية إذا لم يسايروا الجلّادين وينفذوا أوامرهم.

إن من العار للدول الداعمة للخليفيين الاستمرار في دعمهم بدون حدود وغض الطرف عن جرائمهم بحق المواطنين خصوصا علماء الدّين الذين يحظون باحترام الشعب ويمارسون أدوارا مقدّسة في التوجيه المعنوي والبناء الرّوحي والتقويم الأخلاقي. هؤلاء العلماء هم الذين يعتبرهم الشعب ممثلين لهم وقادة للمسيرة الإصلاحية الهادفة لإنهاء الحقبة السوداء لحكم العدو الخليفي المارق. ويعرف رموز الحكم الخليفي هذه الحقائق، ولذلك يصعّدون بطشهم بالعلماء والرموز ودعاة الإصلاح مثل الأستاذ علي مهنّا بالإضافة للرموز الذين قضوا في السجن اكثر من 15 عاما. فقد أصبحت سجون البحرين تزداد اكتظاظا بأنبل الناس وأحرصهم على حماية البلاد ودينها وثقافتها من الفساد والانحراف والظلم وكافة جرائم الحكم الخليفي التي تزداد توحّشا وابتعادا عن الإنسانية والعدالة.

الأمر المؤكد أن مشاعر التحدّي المختزنة في نفوس المواطنين تزداد اتقادا كلما أوغل الطاغية الخليفي في إجرامه وظلمه وتعذيبه وانحرافه عن الدّين والإنسانية والأخلاق. هذه المشاعر ساهمت، على مدى أكثر من نصف قرن، بإبقاء الحراك الشعبي ضد العصابة الحاكمة متواصلا. وهذا يمثل أزمة حقيقية لن تنتهي بسهولة. فطالما اعتقد الخليفيون أن ممارساتهم الظالمة سوف تحسم الموقف لصالحهم، فلن تنتهي أزمة البلاد يوما، بل ستزداد اتساعا وتوقدا، وهذا عكس التوقعات والخطط الخليفية الفاشلة. هذه الحقيقة تقدّم شيئا من التفسير لاستمرار المعارضة البحرانية لحكم العصابة الخليفية أكثر من قرن من الزمان. وحيث أن الحكم لا يبقى مع الظلم، فهو يفقد عوامل الاستقرار والبقاء. وقد يطول بقاء الحاكم الديكتاتور في منصبه، ولكنه يبقى بلا شرعية أو سند شعبي. وبشكل تدريجي تتفاعل الأمور وتتغير وتتطور بينما يعيش الطاغية خارج الزمن ليجد نفسه أمام وقائع جديدة لا تتيح له الاستمرار في الحكم، وربما حكمت عليه بالفناء، فيسقط الحكم وعلى رأسه الديكتاتور. وقد حدث هذا كثيرا، ولذلك تستمر سنّة التغيير بدون توقف، ويجد الطاغية نفسه غير منسجم مع حركة التاريخ، فيترنّح أمام القوانين الاجتماعية، وسرعان ما يعاجله الموت وتنتهي حقبة حياته على هذه الارض.

يقول الشهيد محمد باقر الصدر: إن الشعوب قد تُهزم ولكنها لا تستسلم. والهزيمة نسبية، ولا تعني بالضرورة انهيار النظام الحاكم تماما، بل تعني استمرار حالة التدافع والتوتر التي قد ينجم عنها سقوط الحاكم أو النظام لاحقا. فما من شعب صمد أمام جلّاديه وأصرّ على مواصلة النضال إلا كان النصر حليفه. ونحن في رحاب معركة الطف، نستحضر حياة سيد الشهداء، أبي عبد الله الحسين عليه السلام، لنستنتج منها أمورا عديدة، أوّلها: أن الأحرار هم الذين يعيشون حتى بعد استشهادهم، من خلال حسن ذكرهم وديناميكية دمائهم المسفوحة وقدرتها على استقطاب الأحرار وذوي الهمم والنفوس الرفيعة. ثانيها: أن النظام الدّموي الذي يتعاطى مع شعبه بالنار والحديد لا يدوم طويلا في الحكم، وإن بدا منتصرا. ثالثها: أن ما يصدر عن الحكم الظالم من شرور لا يتوقف، بل يستمر وقد يؤدّي إلى جرائم أكبر. وفي حالة كربلاء، تسارعت الأمور بعد المعركة، وشعر يزيد بالقوّة وأنه استأصل آل بيت رسول الله، فاستمر في عدوانه، واستهدف المدينة واستباحها وقتل المئات من صحابة رسول الله، وبذلك أسّس لحقبة هي الأكثر سوادا في تاريخ الإسلام. وبرغم ذلك لم يدُم في الحكم طويلا، وسرعان ما هلك في حادثة غامضة. ومنذ ذلك الوقت بدأت أسس الحكم الأموي في التّآكل، وفي غضون ستة عقود بدأ انهيار الحكم الأموي بشكل مروّع. وهكذا تحوّلت دماء شهداء كربلاء إلى طوفان اكتسح الكيان السياسي الذي أسسه معاوية، بينما بقيت رسالة محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام صامدة أمام المؤامرات والاعتداءات والانحرافات.

ماذا بعد كربلاء؟ وما التغير النفسي والأيديولوجي الذي حدث بعد ذلك؟ مرّة أخرى تتبلور معالم المسار السياسي في خطّين متوازيين: خط الحكم العائلي الذي بدأة بنو أمية وسار على نهجه بنو العباس، وخطّ المقاومة والتصدّي الذي دشّنه الإمام الحسين عليه السلام. لقد قام دين الإسلام على إلغاء الجاهلية والاعتقادات المنحرفة، وهذا ما قام به محمد بن عبد الله الذي لم يكن دربه من أجل الإسلام معبّدا بالزهور، بل كان مليئا بالأشواك والمتاعب. كما قام على سواعد الأبطال من نوع عمّار ياسر وأمه وأبيه، والحمزة بن عبد المطلب، حتى آل الأمر إلى الحسين بن علي عليه السلام، فوقف موقفه التاريخي ورفع راية الإسلام عالية وجعل الشهادة جسرا للخلود وصناعة التاريخ وحماية الإسلام. إنه تاريخ حافل بالإيمان والوعي والعطاء، كتُبت حروفه بدماء الشهداء وتضحيات المحرومين من آل بيت رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام. هذا التاريخ الناصع كان ماثلا بشكل دائم أمام مناضلينا في البحرين الذين استشهد الكثيرون منهم، وما تزال مقاصل النظام بانتظار المزيد من الضحابا. فطوبى لعشاق الحسين والسائرين على خطاه، وطوبى لكل بحراني شريف آمن بالحسين عنوانا للنضال والعطاء والصمود، والعار للقتلة والسفاحين والسائرين على درب معاوية ويزيد.

حركة أحرار البحرين الإسلامية
17 يوليو 2026

زر الذهاب إلى الأعلى