بيانات حركة أحرار البحرين

رحيل القائد وحزن الأمّة وثبات الهدف

عندما يحظى القائد أو الحاكم بقبول من شعبه، فإن فقده يتحول إلى فاجعة للكثيرين. فالشعوب مطالبها متواضعة في أغلب الأحيان، ولا تطمع غالبية سكانها إلّا في عيش هاديء مع ضمان المستلزمات الأساسية للعيش الكريم. ويستطيع الحاكم، إذا كان لديه عقل سويّ ومستوى جيّد من الإنسانية، أو يحقّق تلك المطالب بدون صعوبات تذكر. ولكن المشكلة أن بعض الحكّام يمارس الظلم والإجحاف ويحاول الاستحواذ على كل شيء، ولا يعجبه أن يعيش الناس في بحبوحة من العيش، وربما يرى أن سعادته لا تتحقق إلّا حين يعاني البشر من ضيق العيش، وانعدام الأمن وغياب التعامل الإنساني. هؤلاء الحكّام لا يهمهم إن رضي الآخرون عنهم او سخطوا. ويتعامل المواطنون معهم بمنطق مشابه. وكلما ازداد ظلم الحاكم خفقت قلوب المظلومين بالدعاء عليه، والاستغاثة بالله لإنقاذهم من براثنه. وللدعاء دوره في تحديد مصير الحاكم الجائر. فدعاء المظلوم لا يُحجب عن الله سبحانه، وكما قال الشاعر:
تنام عينك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم
وجاء في كلام الإمام علي عليه السلام: من لا يجد عليك ناصرا إلّا الله.

وبمعاينة منظر الجماهير المليونية التي خرجت لتشييع الشهيد آية الله السيد علي خامنئي، يتضح معنى التلاحم الشعبي مع القائد الذي يحبّه. فهذه الجماهير لم تكن مجبرة على المشاركة في التشييع وإظهار الحزن والبكاء. بل أن ذلك تفاعل طبيعي يعكس عمق الولاء للقائد الذي عاش مع الجماهير ولم يترفّع عليها. فعلى عكس حكامنا الذين يعيشون في القصور الفخمة وفي البروج العاجية البعيدة عن هموم الناس ومعاناتهم، عاش السيد خامنئي حياة متواضعة في منزل صغير لا يحتوي على أي مظهر للبذخ، وبجانبه حسينية يستقبل فيها الضيوف ويخطب فيهم في المناسبات. بينما يعيش أبناء العائلات الحاكمة في بلداننا، ومنها البحرين، مستويات باذخة من العيش، سواء في القصور المشيّدة باموال الشعب المنهوبة أم السيارات الباهضة الثمن أم حياة الترفيه التي يُستعبد فيها الخدم وتُداس فيها الكرامة الإنسانية. وبرغم الإمكانات المتواضعة لدى البحرين من حيث المساحة والثروات والمدخولات النفطية، يملك حاكمها أسطولا من الطائرات الخاصة به وبعائلته، ويستخدم مطارا خاصا ضمن ما يُسمّى “قاعدة عيسى الجوّيّة”. وبهذا تجاوز الخليفيون بقية الحكام في مستوى البذخ وتركوا الشعب يئن تحت وطأة ضغوط الحياة، لتبقى العائلة الشابة قرابة العشرين عاما لكي تحصل مسكنا ضمن مشاريع الإسكان الحكومية. ويمكن القول أن البحرين تعاني من أبشع أنماط الحكم والتجاوز على العدالة والنزاهة، وتُسحق فيها مباديء المساواة والعدالة والحكم. ولذلك فعندما مات الحاكم السابق، الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، في شهر مارس 1999، هرع ذووه لدفنه بحضور عدد متواضع من المقرّبين، بدون أن يهتم المواطنون بالمشاركة في جنازته.

العدل أساس الملك، مقولة شائعة، كثيرا ما كُتبت على أبواب قصور الحاكمين على أمل أن تساهم في تحريك ضمائرهم لإقامة أنظمة حكم عادلة تخدم الناس جميعا ولا تُستغل لخدمة الحاكمين وذويهم. فالعدل تهواه النفس الإنسانية، ومن يمارسه يصبح محبوب الجماهير، خصوصا إذا اتسمت حياته بالبساطة وابتعد عن حياة البذخ والإسراف، واختلط بالمواطنين وشاركهم في الأفراح والأتراح. أما حين يكون موكب “الرئيس” أو “الملك” مكوّنا من عشرات الحافلات الفخمة وأضفى على نفسه هيبة وأُبّهة يستمدها من حالة البذخ التي يعيشها، فلا شان لذلك الحاكم بالعدل أو العظمة، بل أصبح عبد نفسه، ينصاع لرغباتها ويطيعها على حساب دينه وأخلاقه. لذلك حظي الشهيد خامنئي بموقع خاص في نفوس الأحرار برغم أنه انتخب رئيسا للجمهورية الإسلامية، وعاش همومها قبل انتصار ثورتها. وكان سجينا سياسيا خلال حكم الشاه، وقضى شطرا من عمره وراء القضبان. وبعد الثورة أمّ الجماهير في صلاة الجمعة واستُهدف من قبل عناصر الثورة المضادّة فشُلّت إحدى يديه. كما فُجع مرارا بفقد رفاق دربه وأحبّته منذ الأيام الأولى بعد انتصار الثورة، عندما استُشهد ثلاثة وسبعون من أعضاء الحزب الجمهوري في تفجير مروّع في 28 يونيو 1981. كان عليه أن يلملم بقايا قيادة الجمهورية ويتصدّى لأعدائها. يومها كان حكم البعث العراقي قد شنّ حربه المدمّرة على الجمهورية الفتيّة التي كانت القوى العالمية تستهدفها بما لديها من قوّة وإمكانات.

تتجلّى شخصية الشهيد خامنئي العظيمة في سيرة حياته ومواقفه وإسهاماته في إدارة أول نظام سياسي إسلامي والتصدّي لمؤامرات الأعداء، ورعاية الصحوة الإسلامية التي عمّت العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه، وكانت تتطلع لقيادة أمميّة تتفيأ بظلّها وتستمد منها قوة معنوية لتحقيق مشروع الحكم الإسلامي الذي طالما كان حلم روّاد الصحوة المعاصرة منذ مطلع القرن الماضي. كان خامنئي مطّلعا على مسار الحركة الإسلامية التي جسّد الإمام الخميني أكبر قياداتها. فقد كان على تواصل معنوي وفكري ونفسي مع الرّموز الإسلامية ومنظّري الصحوة. وقد ساهم ذلك كله في صياغة شخصيته القيادية التي تركب بصماتها بوضوح على مسار الثورة الإسلامية أوّلا ثم الجمهورية الإسلامية لاحقا. وبقي في موقعه القيادي ثابتا، يتصدّى لمؤامرات الدول الكبرى التي ما برحت تستهدف النظام الذي تربّع عليه بعد رحيل الإمام الخميني، ويعلن دعمه المستضعفين والمظلومين في بلدان العالم الإسلامي المبتلاة بالأنظمة الشرّيرة. وقف مع العراقيين في تصدّيهم لنظام صدام حسين، ومع الفلسطينيين في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، ومع الأفغان في مواجهتهم الحكم الشيوعي، ومع بقية شعوب العالمين العربي والإسلامي التي تصدّت لطغيان حكامها وهتفت باسم العدالة والإسلام ورفعت راية فلسطين.

لقد كان السيد خامنئي أبا حنونا لهذه الأمّة، بروحه الكبيرة ونفسه المحبّة للخير والمدافعة عن المظلومين. عاش، مثل الإمام الخميني، في منزل متواضع، وكان يطلّ على الأمة من موقع رئاسته أولا ثم من شرفة حوزته لاحقا، يخاطبهم بالإسلام ويحرّك فيهم مشاعر الكرامة، ويشجعهم لاستصغار كيد الأعداء، ويدفعهم للمواقف الخيّرة، ويرفع معنوياتهم في حالات الانكسار، ويحثهم على الإيمان والعبادة واستصغار كيد الأعداء، وينخّيهم لنصرة المظلومين من إخوانهم سواء في فلسطين أم البلدان الأخرى التي استضعفت شعوبها وتنمّر حكّامها، واستسلموا لهيمنة أمريكا و “إسرائيل”. وبغيابه أُسدل الستار على حقبة من الزمن عاش أهلها في أجواء النهضة والصحوة والثورة، وشعر المسلمون بقيمة الحرّيّة وتحرّكت شعوبهم ضد الاستبداد والطغيان. ولذلك ستظل آثاره الإيمانية والفكرية والسياسية ماثلة للأجيال التي عاصرته وكذلك لمن يطّلع عليها من شباب الأمّة المخلصين والواعين. فرحيله عن الدنيا إنما هو استجابة للنداء الإلهي، وطيّ صفحة حياة مليئة بالعطاء. وسوف يجد المؤمنون سلواهم في ما تركه من عطاء فكري وإيماني فريد من نوعه. فقد كانت حياته حافلة بالإيمان والمواقف المبدئية والعطاء الذي لم يتوقف. إنه لم يكن يوما بحاجة للتقريض والرثاء والمديح، بل كان مصداقا للمؤمن الذي يشعر بالمسؤولية تجاه ربّه وأمّته، وذلك واضح من كتبه وخطبه ورسائله للمسلمين وكذلك من خلال سلوكه كقائد لثورة استعصت على التطويع والاحتواء، وإنسان مؤمن يتحرك بوحي من انتمائه للإسلام والأمّة، وتراثه الذي ورثه عن أجداده من آل بيت رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام. رحمه الله، وأسكنه فسيح جنّاته، ونفع الله به المؤمنين والمظلومين، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا ربّ العالمين

حركة أحرار البحرين الإسلامية
10 يوليو 2026

زر الذهاب إلى الأعلى