بيانات حركة أحرار البحرين

البحرين تعيش صراعًا بين خطّين: حسينيّ وأمويّ

الانتقام ممارسة يقوم بها المهزومون عادة، وليست من صفات الشجعان أو ذوي المروءة. وحيث أن الوضع في البحرين اتسم دائما بالصراع بين السكان الأصليين (شيعة وسنّة) والمحتلين الخليفيين، فقد مارسوا الانتقام من السكان الأصليين على نطاق واسع. ولذلك بقي التوتر قائما، فلا يكاد يهدأ حتى ينفجر من جديد. ومع إصرار البحرانيين على التشبث بأرض أجدادهم وعدم التنازل عنها للاحتلال الخليفي، تتواصل فصول المواجهة وتتخذ أشكالا شتّى. وهكذا تتحول المناسبات العامة إلى مساحات للتعبير عن المشاعر وتاكيد الصمود ورفض الاستسلام لعصابة جاءت من الخارج وما تزال تستعين بالأجانب للبقاء على رأس الحكم. ويمثل موسم عاشوراء ساحة أخرى للصراع بين الطرفين اللذين يشعر كل منهما بالانتماء لأحد طرفي الصراع الذي حدث في كربلاء. ولذلك لا يمكن أن تمر المناسبة بدون حدوث توتر واضطراب سياسي وفكري. فالبحرانيون يعتبرون يزيد مجرما، وكذلك أباه معاوية، فيتصدون لهم بالشجب والنقد وربما اللعن ايضا. وهذا ما لا يستطيع الخليفيون تحمّله، لذلك تتحول عاشوراء إلى مواجهات نفسية وسياسية وفكرية بين البحرانيين والخليفيين. وهنا يجد الحاكم وعصابته أنفسهم أكثر ميلا للانتقام من البحرانيين الذين لم يحملوا يوما مشاعر القبول أو الحب او الاحترام تجاه الخليفيين. وهذه الحقيقة تتجلّى بوضوح في معاناة أجيال الشباب المتعاقبة التي تتعرض للاعتقال والتنكيل والتعذيب. ويمكن القول بدون تردّد أن السجلّات الحقوقية الدولية تؤكّد هذه الحقيقة، بحيث لا يستطيع كاتب أو مؤلّف أن يتجاوز ذلك في المقالات والكتب، برغم محاولات الحكم الخليفي وداعميه في العواصم الغربية تزوير الحقائق بشكل ممنهج.
البحرانيون شعب مؤمن ومتحضّر، لا يؤمن بالحقد او الاعتداء على الآخرين، كما لا يرضى بالإذلال والعدوان من قبل الآخرين. وقد تصدّى للقوى التي احتلّت أرضه، حتى أنه قتل أحد كبار القادة البرتغاليين، فانتقموا منه بتوطين قبائل من الجزيرة العربية تختلف عنه ثقافيا وفكريا وفي جوانب عقيدية كذلك. ولذلك بقي الخلاف بينهم وبين الخليفيين محتدما طوال العقود السابقة. فهم يرفضون الهيمنة الخليفية من جهة، ويرفضون كذلك تحالفاتها خصوصا مع كيان الاحتلال، كما يصرّون على التصريح بوضوح عن عقائدهم وانتمائهم للمشروع المحمّدي في مقابل المشروع الأموي الذي يسير عليه الخليفيون. ولذلك استمر الصّراع بين الطرفين، وهو صراع يتعمّق في المناسبات الدينية خصوصا عاشوراء التي تمثل لهم تجسيدا لمعاني التضحية والفداء من جهة، وتأكيدا للصراع بين المشروعين المحمّدي والأمويّ. وبرغم أساليب القمع والاضطهاد التي يمارسها الخليفيون بدعم خارجي خصوصا من السعودية وبريطانيا، لم يتراجعوا عن ثوابتهم وفي مقدمتها الانتماء لآل بيت رسول الله، ورفض أعدائهم خصوصا الأمويين. ولهذه الأسباب، تبدو قضية الشعب البحراني واحدة من أعقد قضايا الخلاف السياسي في العالم العربي. فالتزامه الدّيني وانتماؤه لمدرسة آل بيت رسول الله، والتصاقه بمشاريع التغيير العربية خصوصا في مجال الكفاح الفلسطيني، كل ذلك جعل الشعب البحراني في طليعة الشعوب المقاومة للاستعمار والاحتلال والوصاية من أطراف خارجية. ولذلك يصرّ الخليفيون على حرمان الشعب من حقوقه خصوصا في مجال الحكم والإدارة، ويحرمونه من أبسط حقوقه ومنها حق انتخاب ممثليه وحكومته.

ومن مظاهر هذا التوتر المتواصل، توسّع السجون واضطهاد المعتقلين السياسيين، وكثرة أعداد المنفيين، وحالة الهيجان السياسي التي تصاحب المواكب الدينية والتجمعات السياسية. فالبحراني يشعر بمفاصلة كاملة مع الحكم الخليفي ويرفض الاندماج معه إلا بشروط في مقدمتها إقامة مشروع سياسي حقيقي يستطيع المواطنون من خلاله المشاركة الفاعلة في إدارة شؤونهم وحماية بلدهم والحفاظ على سيادتها. ومن خلال تجربة ما يربو على قرنين من الزمن فإن احتمال إصلاح النظام السياسي مع وجود الحكم الخليفي ضئيل جدا، ولذلك لن تستقر البلاد بشكل حقيقي إلا بتغيير جوهري في هذا النظام، يؤدّي إلى إلغاء النظام القبلي الاستبدادي. وقد دأبت الحركات السياسية المعارضة منذ أكثر من مائة عام على رفع شعار التغيير الجوهري، وخاضت صراعات شديدة نجم عنها استشهاد المئات من المواطنين وسجن الآلاف ونفي الكثيرين. وما تزال البلاد تدفع ثمن التنمّر الخليفي الذي يزيد من وتيرته شعور العصابة الحاكمة أن لديها حماية من الدول الغربية خصوصا أمريكا وبريطانيا، وأن بإمكانها الاعتماد على ذلك الدعم، وفاتها أن الأمور تتغير وأن الأوضاع لا تستقر على حال واحد، وأنّ سنّة التغيير جارية في البشر، وأن المظلومين ينتصرون في نهاية المطاف. هذه حقائق يعرفها المواطنون، ويؤمنون بها ويشعرون أن مصاديقها سوف تتحقق ولو بعد حين. فالظلم لا يدوم، والمظلوم قادر على استعادة حقوقه إذا بقي يقظًا ومستعدًّا للتضحية والفداء من أجل الدّين والوطن والإنسانية والحقوق.

وهكذا تعتبر قصّة البحرين فريدة من نوعها من بين دول الخليج الأخرى. فلديها سجلّ طويل من النضال الوطني الذي تعاقبت عليه الأجيال منذ العام 1922، ولم يشهد تراجعا في الإرادة الشعبية الهادفة للتغيير وإصلاح أوضاع البلاد بإقامة منظومة سياسية عصرية يكون للشعب فيها الدور الأكبر في الحكم والإدارة. فالوصاية على الشعب البحراني ليست قدرا له، ولا يمكن استمرارها مهما بلغ الظلم والاضطهاد والقمع. ولا شكّ أن إيمان الشعب بحتمية نفاذ القوانين الإلهية التي تحكم العلاقات بين البشر من أهم مصادر قوّته وثباته وصبره. فمن يؤمن بالله بشكل حقيقي لا يشوبه شكّ أو تردد، فإنه ينظر إلى الأمور من زاوية أخرى وأن الله لا يضيع عمل عامل من الناس. إن الإيمان يمثل الأساس الأكبر لحركة الشعب البحراني الذي كان أجداده من أوائل من اعتنق الإسلام طوعا، بدون أن يوجف على أرضه بخيل أو ركاب. فلديه غريزة إيمانية فريدة ساهمت في بقائه قرونا بدون أن تستطيع قوى الاحتلال والطغيان تطويعه أو كسر إرادته أو الاستمرار في احتلال بلاده طويلا. فلا البرتغاليون او البريطانيون أو العثمانيون استطاعوا مواصلة احتلالهم البحرين. وبالمنطق نفسه لن يستطيع الخليفيون كسر تلك القاعدة أو الخروج على تلك الحقيقة. صحيح أن هناك دعمًا غير محدود من قوى خارجية معروفة، ولكن النظام السياسي في أي بلد لا يستطيع البقاء ما لم يحظ بدعم داخلي حقيقي. ويستحيل أن يكون هناك دعمٌ بحراني لعصابة ارتكبت بحقهم أبشع الجرائم ورهنت بلدهم للأجانب وطبّعت علاقاتها مع أعداء الأمّة ومحتلّي فلسطين.

إنّ ما وفّر للشعب البحراني بقاءه وصموده وحفاظه على هويّته الوطنية وانتماءه الدين، ما يتميز به من إيمان مطلق بالله والغيب والمدد الإلهي للمظلومين. وها هو ينتصر في كل معركة يخوضها مع الخليفيين، وآخرها إصراره على إحياء ذكرى الإمام الحسين وثورته برغم الرفض الخليفي الثابت لممارساته وشعائره. فقد اعتقد الطاغية وعصابته أن التهديد بالتنكيل وغلق المآتم واستخدام القوّة لمنع خروج المواكب العزائية سوف يفتّ في عضد الشعب، ولكنه فشل في ذلك، فلم يستمع البحرانيون لمقولاته ولم يذعنوا لتهديداته، بل أصرّوا على ممارسة شعائرهم وفق عاداتهم التي توارثوها عبر الأجيال، وفرضوا على الطاغية وعصابته ما أرادوه، فلم يجد الخليفيون أمامهم سوى الإذعان والاستسلام أمام إيمان الشعب وإرادته وصموده. ولذلك تميّزت مواكب العزاء الأخيرة بالتحدّي وصلابة الموقف واستصغار الكيد اليزيدي الخبيث، فتحقق لهم ما أرادوا بانتصار حسيني ساحق أكد حتمية انتصار الحق واندحار الباطل. إن الشعب الذي يسير على طريق الحسين ونهجه لا يُهزم، ومن يسير على نهج يزيد لا ينتصر. فطوبى للحسينيين والخزي والعال للمشروع الأموي ومن يسير على نهج معاوية ويزيد، ويتربّص للمؤمنين بالقتل والقمع والاضطهاد.

اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا ربّ العالمين

حركة أحرار البحرين الإسلامية
3 يوليو 2026

زر الذهاب إلى الأعلى