بيانات حركة أحرار البحرين

أمريكا وأمن الخليج وحقوق شعوبه

مع استمرار التوتر في المنطقة يعود الحديث التقليدي عن “أمن الخليج” إلى الواجهة وتُطرح التساؤلات مجدّدا عن مدى جدوى الاعتماد على أمريكا والدول الغربية لتوفير تلك الحماية. وقد كشفت الحرب المتواصلة بين إيران وأمريكا أن الولايات المتحدة لا تستطيع حماية قواعدها وقواتها فضلا عن حماية الآخرين. فها هي القواعد الأمريكية في دول الخليج الست، خصوصا الكويت والبحرين تعجز عن حماية نفسها أمام الهجمات الإيرانية. وربما استغرب الكثيرون من هروب القوات الأمريكية من بعض هذه القواعد، بعد أن أدركوا خطر الوضع. ولا شكّ أن هروب حاملة الطائرة جيرالد فورد العملاقة بعد إصابتها بصواريخ إيرانية قد كشف هشاشة القوات الأمريكية. وتقول التقارير أن إصلاح هذه السفينة العملاقة سوف يكلف ثلاثة مليارات دولار، وأن الخسائر الناجمة عن القصف الإيراني للمنشآت الأمريكية في الخليج ستحتاج عشرات المليارات من الدولارات. فما الذي حدث؟ وأين هي القوّة الأمريكية التي لا تُقهر؟ وما جدوى الاستمرار في الرهان على الحماية الأمريكية والغربية؟ الأمر المؤكّد أن إيران أصبحت قوة عملاقة قادرة على التصدّي للقوى الطامعة في المنطقة. وكان مشهد صواريخها وهي تتفجّر في تل ابيب غير مسبوق. فعلى مدى ثمانية عقود انحصر الدمار بالجانب العربي، حيث سعت “إسرائيل” لتعميق صورتها كقوّة عملاقة تستطيع ضرب العمق العربي في الصميم واستهداف العواصم العربية بدون تردّد. ولكنها الآن أدركت أن هناك معادلة جديدة في المنطقة فرضتها إيران بتصدّيها للعدوان الإسرائيلي بعد اغتيال قادتها وقصفها بشكل مكثف ومستمر. لقد أصبحت ظاهرة “توازن الرعب” بعدا جديدا في الصراع مع الاحتلال، وهو أمر ربما لم يحسب الغربيون، خصوصا أمريكا، له حسابا.

يلاحظ بوضوح كيف نأت الدول الأوروبية بنفسها عن التورّط في الصراع، برغم التحريض الإعلامي المدفوع من اللوبي الصهيوني لتوريط العالم في صراعات المنطقة. وبذلك أصبح العالم الغربي أكثر واقعية في التعاطي مع شؤون المنطقة، خصوصا قضية الاحتلال والوضع الفلسطيني بشكل عام. ولذلك هرع الغربيون للتحدث عن “ضرورة التفاوض” بعد أن اتضحت استحالة انتصار إسرائيلي ساحق، كما كان يحدث في السابق. ومع استمرار النزاع، تشعر دول الخليج بانتهاء الغطاء العسكري الذي كانوا يعتقدون بوجوده من خلال وجود القواعد العسكرية الغربية. ولكن تحوّل هذه القواعد إلى رماد كشف خواء سياسة الاعتماد على أمريكا لتوفير غطاء عسكري لحلفائها في المنطقة. إنها معادلة جديدة لم توجد منذ قيام كيان الاحتلال، ولم تمر بذهن الساسة الغربية أو الخليجيين. وبشكل تدريجي ليس مستبعدا قيام تحالفات عسكرية جديدة في المنطقة تمثل إيران طرفا أساسيا فيها إلى جانب دول الخليج بشكل خاص. وبرغم الرفض الغربي لقيام تحالفات إقليمية كهذه، بدون أن تكون “إسرائيل” طرفا فيها، فإن دول المنطقة قادرة على تشكيلها إذا توفرت لديها القناعة والإرادة، وإذا قرّرت الخروج من دائرة الهيمنة الأمريكية بشكل خاص. فمنذ عقود تواصلت الدعوات لتكثيف العمل المشترك ضد الاحتلال، وتشكيل الجبهات السياسية الفاعلة لمواجهة التعنّت الأمريكي ضد النضال من أجل حقوق الفلسطينيين. وما أساطيل الصمود الأخيرة التي توجهات نحو غزّة من أجل كسر الحصار إلا تعبير عن المشاعر الدولية الإنسانية الداعمة لفلسطين والمناوئة للاحتلال.

برغم ذلك كله، سيبقى الوجود الإسرائيلي معوّقا أمام أية تحالفات عربية أو إسلامية، خصوصا إذا وضعت فلسطين في عمق استراتيجيتها. الأمر الإيجابي أن هناك إدراكا دوليّا للدور الإسرائيلي المدمّر وأثر ذلك على الأمن والسلم الدوليين. فمثلا دعت منظمة العفو الدولية هذا الأسبوع كلا من لوكسمبورغ وإيرلندا وسائر الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لـ “وقف بيع سندات إسرائيل في الاتحاد” مؤكدا أن هذه الدول سوف “تخاطر بالتواطؤ في الإبادة الجماعية التي تواصل إسرائيل ارتكابها بحق الفلسطينيين في قطاع غزة”. إنها دعوة صريحة لممارسة الضغوط على كيان الاحتلال بشكل جاد لكي يتوقف عن ممارساته بحق الفلسطينيين. هذا المنطق الدولي يمثل ضغطا حقيقية ليس على “إسرائيل” فحسب بل على داعميها في أوروبا وأمريكا. فإذا استمرّ النشاط المقاوم للاحتلال في المجالين السياسي والإعلامي، فمن شأن ذلك أن يؤدّي إلى تغيّر في الموقف الدولي لصالح قضية فلسطين. وهذا يوضّح أهمّيّة الثبات على الموقف أولا، والتصدي للاحتلال ثانيا، ومخاطبة العالم بلغة العصر التي يفهمها لتحريك مشاعر الخير لدى الأطراف والجهات المعنية ثالثا. فمهما سعى الساسة الغربية، خصوصا الأمريكيين، لحرف مسار النضال الدولي من أجل فلسطين، فلن يستطيعوا إحداث تغييرات كبيرة في عالم مستقطب منذ ثمانية عقود. كما أن السياسات الإسرائيلية أصبحت تستفز ضمير العالم وتدفعه لمواقف أكثر فاعلية من أجل فلسطين.

وليس خافيا أن التوترات الدولية والمماحكات السياسية بين الدول الغربية والدول الإسلامية إنما تمثل وجها آخر للصراع الدولي من أجل فلسطين وضد عقلية الاحتلال التي تحرّك زعماء الصهاينة للاستمرار في سياسات الاحتلال والقتل. كما أن ما يظهر من عجز عربي عن التصدّي ومواجهة الاحتلال، تأكيد لغياب الإرادة الرسمية والشعبية للخروج عن المألوف، والتصدّي للظلم الذي يمثل الاحتلال أقبح مصاديقه. هذا الوضع المؤذي له أسبابه التي تشمل خنوع الأنظمة السياسية للضغوط الغربية، وتقاعس النخب، بكافة منطلقاتها الفكرية، عن النهوض بمستوى الفكر السياسي والأيديولوجي المطروح للجماهير. وليس خافيا تراجع الحالة الثوريّة في الخطاب الشعبي العربي الذي كان يوما يهتف بأهازيج ثورية مرتبطة بفلسطين بشكل متين. ولذلك أدرك الغربيون خطر استمرار الحالة الثورية في المنطقة وارتباطها بقضية فلسطين أولا وقضايا الشعوب العربية ثانية، فعمدوا للعمل من أجل فكّ الارتباط مع قضية فلسطين على أمل أن ينجم عن ذلك انطفاء الشعلة الثورية التي ساهمت في صعود الكفاح العربي ضد الاستعمار في حقبة الحرب الباردة، واستمرت بعد ذلك أيضا. وكانت السياسة الغربية إزاء رموز الكفاح والنضال في الشرق الأوسط دمويّة بلا حدود، فقد استهدفت العناصر الثورية ليس في فلسطين فحسب، بل في لبنان والعراق وإيران والكويت والبحرين وكذلك مصر. فسجون هذه الدول خصوصا الكويت والبحرين فُتحت على مصاريعها للرموز الواعية، وأصبح حكام بعض دول الخليج وكلاء فعليين للصهاينة.
 

إن شعبنا البحراني واضح في مواقفه وتوجهاته. ففي الوقت الذي يعمل بدون توقف من أجل نيل الحرّيّة والحقوق السياسية، فإنه يرى أن ذلك ضروري لتفعيل أيديولوجية مقاومة الاحتلال ورفض الوصاية الغربية وتهميش دور الشعوب. وسوف يواصل شعبنا دوره النضالي المتميّز، ولن يتخلّى يوما عن حقوقه السياسية في بلده، وحقوق أهل فلسطين على ترابهم الذي احتله الصهاينة. وها هو يستعد لاستذكار يوم استقلاله في الرابع عشر من أغسطس ليجدد عهده مع الله من أجل نيل الحرّيّة والحقوق، وكذلك من أجل نصرة إخوانه المظلومين في دول الخليج الأخرى والشعوب المظلومة في أرض الله الواسعة. فلن يكون احتفاؤه بعيد استقلاله شكليّا أو بروتوكوليا، بل سيصبح محطّة حقيقية على طريق التحرّر والانعتاق والوعي، ولن يساوم على أي من ذلك مع الطغاة والمحتلّين. بل سوف يواصل المشوار بعون الله حتى تتحقق آماله وتطلعاته، ويفرض على أعداء الشعب والإنسانية الاستسلام لإرادة الشعب الواثق بربّه الذي سيمنحه النصر والغلبة ويشف بذلك صدور قوم مؤمنين بعونه وقدرته جلّ جلاله.

اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا ربّ العالمين

حركة أحرار البحرين الإسلامية
24 يوليو 2026

زر الذهاب إلى الأعلى