بيانات حركة أحرار البحرين

معًا على خطى الحسين وفي رحاب الشهادة

السلام على الحسين، وعلى عليّ بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين عليه السلام

تعيش “الشهادة” ربيع أيّامها في موسم عاشوراء، إذ تُستعاد فيه ذكريات أسّست لمعانٍ إضافية للشهادة التي تحظى بدرجة عالية في القرآن الكريم والتشريعات الإسلامية. “ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون”. كما خصّتها الأحاديث النبوية بمنزلة رفيعة نظرا لما تتضمنه من معاني الدفاع عن الحق والتضحية من أجل الخير والتصدّي للظلم: ” – سيِّدُ الشُّهداءِ حمزةُ بنُ عبدِ المطَّلبِ ، ورجلٌ قام إلى إمامٍ جائرٍ فأمره ونهاه فقتل”. وما أكثر ما قيل عنها وعن فضل الشهيد، إذ اعتبرت طريقا إلى الجنّة، وعنوانا للكرامة والشرف، ومصداقا للحرّيّة الصادقة. ويمكن القول أن أغلب ثقافات العالم يهتم بموضوع الشهادة ويقدّسها ويربطها بالقيم العالية ويعتبرها مصداقا للشجاعة والشهامة. فالأمة التي يتسابق أبناؤها للتضحية من أجل رفعتها والدفاع عن قيمها ومبادئها تسجّل نفسها في عداد الأمم القادرة على البقاء، والتصدّي لمن يستهدفها بالعداء.

منذ أن بدأ الموسم، اندفع المؤمنون لإحيائها بما لديهم من إمكانات، وشهدت البلدان التي تسير على خطى الحسين وتحتضن مباديء الولاية وحب آل بيت رسول الله، حركة دؤوبة لإحياء الذكرى بكافة الوسائل المشروعة، لتؤكد لمن قتل حفيد رسول الله وأهله واصحابه أن “العاقبة للمتقين” وأن الذين يقتلون في سبيل الله أحياء عند ربهم يرزقون. إنها حياة راقية لا تنتهي، بل تستمر في هذه الدنيا، ويعيش الشهيد في الوقت نفسه في أعلى علّيّين، عند الحضرة الإلهية التي وعد الشهداء بالخلود وأعلى الدرجات، وأفضل الرزق. ولذلك يتهافت المؤمنون للتضحية والفداء عندما يشعرون ان حقوقهم مهدّدة وأن كرامتهم مستهدفة. ولا يهمهم ما لدى الطرف الآخر من إمكانات وقوة مادّيّة. فما يصيبهم حين يقومون بذلك يحتسبونه عند الله الذي يقبله منهم ضمن قيم الشهادة، ويمنحهم الخلود والرّفعة، ويرفع شأنهم في الدنيا ويمنحهم الأجر الجزيل في الآخرة.
الحسين عليه السلام كان مصداقا للإيمان الراسخ الذي يدفع صاحبه للتطلع إلى لقاء الله مضمخا بدم الشهادة، فهي أفضل غسل للمرء، لأنه مضحٍّ ومظلوم وقتيل. كما أنه صدق الله في إيمانه وموقفه، وكان صادقا مع الحسين عليه السلام عندما كان يردّد: يا ليتنا كنّا معكم، فنفوز فوزا عظيما. الفوز لديه إيماني، وقيمي ومعنوي، وليس مادّيّا. والذين وقفوا مع الحسين وضحّوا معه لم يكونوا مندفعين من أجل مغانم مادّيّة، فقد كانوا يعلمون أنهم على طريق الشهادة، وكان الحسين عليه السلام قد أخبرهم بذلك بشكل واضح: من لحق بنا استشهد، ولم لم يلحق بنا لم يبلغ الفتح”. إن اللحاق بالركب الحسيني لا يتحقق إلا بتوفيق إلهي بعد أن يتحرّر الإنسان من وساوس الشيطان، ويضمر لديه حبّ الدنيا، ولا يرى الحياة هدفا مقدّسا إلا بقدر ما تكون طريقا لنيل رضى الله تعالى: إنّي لا أرى الموت إلّا سعادة، والحياة مع الظالمين إلّا برما”. فما قيمة الحياة حين يعيش الإنسان مستهانا ومستعبدا، وحائرا في توجهاته؟ ما قيمة العيش بدون هدف مقدّس؟ وما الضير في فقد هذه الحياة الفانية إذا كانت النتيجة تفوق في قيمتها أضعافا العيش الذي يتصّرم بلا معنى او هدف؟

الحسينيون كانوا على بصيرة من الأمر عندما التحقوا بالحسين في كربلاء. يومها كانوا أمام واحد من خيارين: فإما العيش في ظل حكم جائر، ترأسه عصابة فاسدة، ومطلوب فيه أن يعيش المرء بدون وجود حقيقي يتمثل بالحرّيّة وحق القرار والموقف، أو الالتحاق بركب الأحرار الذين تقدّموا الصفوف وتخلّوا عن الدنيا عندما بدت أقل قيمة وشانا مما وعدهم الله به. أولئك الحسينيون رأوا في طريق كربلاء دربا إلى الخلود الأبدي، لأن الواحد منهم كان شجاعا وهو يعلن موقفه صراحة أمام جيش العدو. يخرج من خيمته ويهتف من أجل الله والدّين ويرفع اسم الحسين معلنا الولاء للقيادة الشرعية، فهل هناك شجاعة أكبر أو مروءة تفوق ذلك؟ هرعوا جميعا على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية وانتماءاتهم العرقية لإعلان الولاء لله والحق والإذعان لله بنصرة حفيد الرسالة، وتلبية النداء الخالد: أما من ناصر ينصرنا؟ النصرة هنا ليست من أجل توفير الدعم المادّي فحسب، بل بارتداء ثوب الإيمان وحمل الراية وشق الطريق بين صفوف المنحرفين الذين استهوتهم الدنيا وأصابهم الهلع من الموت.

الذين تخلّفوا عن تلبية نداء الواجب كانوا ضمن أصناف ثلاثة: خائف من يزيد ونظامه السياسي وارتداداته الأمنية على الأفراد والمجموعات التي ترفض البيعة والاستسلام للمشروع الأموي. والثاني طامع في حطام الدنيا فلعلّه يحظى بشيء من المال والجاه من النظام الأموي الجائر، والثالث من تذرّع بلبوس العبادة والتقوى، ورأى في الاعتكاف في المساجد خيرا من اللحاق بركب الحسين عليه السلام. ونتيجة هذه المواقف كانت واحدة: التخلّي عن نصرة الحسين، وتركه وحيدا أمام العدو. فما قيمة أي من هذه المواقف حين تحاصر حفيد رسول الله العساكر من كل زاوية وتحرمه وعائلته من الماء وتضعه أمام خيار مستحيل: الاستسلام للانحراف والفساد والتخلّي عن قيم السماء التي جاء بها محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام. فالحسين لم يخيّر نفسه بين الشهادة والسلامة لحظة، بل كان واضحا منذ أن حسم موقفه على هدى من ربه: أن يرفع راية المشروع المحمّدي والتصدّي عمليا للمشروع الأموي مهما كانت التكلفة. هذا ما فعله وما تؤكده الوقائع وكتب السيرة، ويتردد على المنابر خصوصا في أيام عاشوراء.

إن الشهادة قيمة لا يعرف كنهها الكثيرون، فهي تاج على رؤوس المؤمنين، يرتفع بشموخ هاماتهم. والحسينيون المعاصرون يفتخرون عندما يضحّون بأبنائهم على طريق الحرّيّة الذي رسمه الحسين بدمه. فالمرأة التي فُجعت بابنها مقتولا بأيدي الظالمين تشعر بالفخر عندما تُنادى: يا أم الشهيد. فالشهادة تكسر الخطوط الحمراء التي يفرضها نظام الحكم الجائر على البشر، فلا يعود للخوف مكان في نفوس الأحرار. فهذه الجماهير تخرج لإحياء موسم عاشوراء مردّدة الهتافات التي أطلقها الحسين عليه السلام في العاشر من المحرم من العام 61 هجرية: “هيهات منّا الذلّة”. فماذا يريد النظام الجائر سوى تحويل البشر إلى عبيد يأتمرون بأمره ويظهرون الولاء حتى لو أضمروا غير ذلك. ماذا يريد الطغاة سوى التصفيق مع علمهم أن الكثير من المصفّقين يضمر كراهية نظام الحكم. فما يهم الطغاة أن يعلن الناس ولاءهم علنا غير عابئين بما يضمرونه. الطاغية مخلوق متجبّر ينتشي بما يسمعه من الإطراء والثناء، ولا يُتعب نفسها بما يضمره الناس. فحين يكتب الشاعر قصيدة مدح للحاكم المتجبّر، فإنه يكتفي بذلك، لعلمه ان ذلك يخدم هدف الترويج لمكانته ويساهم في رسم الخطوط الحمراء التي لا يسمح بتجاوزها في تعامل المحكومين معه. المشروع الحسيني يكسر تلك الأوهام ويسعى لخلق الإيمان والوعي وصدق الموقف والتشبث بقيم الكرامة والحرّيّة. إنه مشروع تاريخي معاصر، إسلامي أممي، ديني إنساني، صاغته دماء الشهادة في كربلاء فأصبح شعارا تردده شعوب العالم الباحثة عن الحرّيّة والكرامة والساعية لكسر شوكة الظلم والاستبداد والديكتاتورية. يزيد لم يكن شخصا، بل ظاهرة مدمّرة ساهمت دماء الحسين في تقليل وهجها، وبذلك بدأت حقبة التحرّر من الأغلال والأوهام، وتعمّقت القيم الإنسانية والإسلامية، وأصبح الحسين عليه السلام مصباح الهدى وسفينة النجاة، فأصبح عنوان الحياة ومصداق الحرّيّة. ومن لم يلتحق بالركب الحسين لم يبلغ الفتح. إن الفتح مرهون بالشهادة، مفهوما وفلسفة وشعارا.

اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ أسرانا يا ربّ العالمين

حركة أحرار البحرين الإسلامية
19 يونيو 2026

زر الذهاب إلى الأعلى