بيانات حركة أحرار البحرين

البحرين تتفاعل مع ثورة الحسين العابرة للزمان والمكان

وتعود الذكرى متجدّدة بولاء عشاق الشهادة، غير عابئين بأعباء السنين والقرون، أو ناكصين عن أداء ما يعتبرونه واجبا يؤدّونه طوعا، ويتفانون في تقديم أفضل أداء من أجله. فمن يعشق الحسين لا يتردد في إعلان عدائه للمشروع الأموي ومصاديقه السابقة واللاحقة، كما لا يبخل بنفسه أو ماله في سبيل إحياء ذكرى عاشوراء بما يليق بها. ولطالما سمع هذا شعبنا البحراني رغاء أعداء الحسين الذين يرونه مسؤولا عن إفشال مشروع أبي سفيان ومعاوية ويزيد، ولكنه تجاهلهم على مدى العصور، وتصدّى لتطوير الأداء من أجل إبقاء الثورة الحسينية ماثلة أمام أنظار العالم، تزداد حيوية مع الزمن، وتتوسع دائرة المهتمّين بها ومن يشعر بالانتماء إليها، عقيدة وفكرا وممارسة. فالخط الحسيني لم يضمر يوما، بل ما أكثر روّد الحرّيّة في المجتمعات الإنسانية، وما أكثر من اعترف بالدور الرائد لأبي الشهداء في تعبيد طريق الثورة وترسيخ قيم العدالة، وترويج مشروع التصدّي للظلم والاستبداد والفساد. وبرغم ما لدى أتباع المشروع اليزيدي من أموال وإمكانات، فقد فشلوا في التشويش على الصورة الحقيقية التي قدّمها الحسين للعالم حول معاني الحرّيّة وقيم العدالة، ومستلزمات النضال الحقيقي. وما استهداف المناضلين بأبشع أصناف التنكيل ومنها القتل والسجن والتعذيب والنفي، إلا تأكيد لاستمرار أعداء المشروع الحسيني التحرّري، وتعملق الاستبداد الذي أسّسه معاوية وفرضه على المسلمين، وقتل من عارضه بدون رحمة.

لم يكن هناك من هو أكثر إدراكا لخطر المشروع الأموي ليس على الإسلام فحسب، بل على الإنسانية جمعاء من سبط رسول الله. هذا الإمام رضع من ثدي الإسلام واستوعب معانيه التي جاء بها جدّه رسول الله من الله عزوجل. وكان على اطّلاع حقيقي بالمشروع الأموي الذي دشّنه معاوية وسعى لفرضه على امة المسلمين، متمرّدا على مشروعي الخلافة والإمامة. فقد كان يعلم أنه ليس له نصيب في أيّ منهما، وأنه عمل، منذ أيام عثمان، لتحويل الخلافة إلى ملك عضوض يتوارثه الأبناء عن الأجداد، وضرب بذلك دعامة متينة لمشروع الحكم الذي كان الإسلام يخطّط لتحقيقه. كان الحسين مدركا لأبعاد ما أسسه معاوية وتقمّصه يزيد، وكان أكثر الناس حرصا على مشروع رسول الله، وأعمق البشر وعيا لمضامين الرسالة. كما كان أكثر البشر استيعابا لمعاني الرأفة والرحمة والخير، ولذلك أدرك معنى إذلال الأمة والهبوط بمستوى الحكم فيها. فالأمة التي تضم الآئمة والفقهاء والصحابة ورواة الحديث لا يمكن أن تعيش تحت حاكم انسلخ من الدّين وقيمه، ولا تستطيع أن تغض الطرف عن جرائم الحكم الذي ارتكب مؤسسه جرائم لا تُحصى بحق الإسلام وصحابة رسول الله. لقد بدأ الانقلابيون بمحاولة اغتيال رسول الله في تبوك، ثم اغتيال سعد بن عبادة وبعدها اغتيال علي بن أبي طالب وهو في محراب العبادة. ثمّ بدأ مشروع التصفية بإعدام حجر بن عدي وأصحابه في مرج عذراء.

تلك الحقائق كانت ماثلة في ذهن الحسين عليه السلام، فما كان بوسعه الصمت على ذلك أو التعايش مع حاكم تجاهر بالمعاصي والآثام، واغتصب الحكم الذي كان رسول الله يخطّط لأن يكون بأيدي الأمّة، ليصبح ملكا خاصا بعصابة تنتمي لشخص لم يعلن إسلامه إلّا بعد أن داهمه الخطر وأدرك استحالة الاستمرار في التصدّي لمشروع رسول الله. فأعلن إسلامه مكرها، وكان مصداقا للقرآن الكريم: “قالت الأعراب آمنّا، قل لم تؤمنوا، ولكن قولوا أسلمنا، ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم”. وجد الحسين نفسه وجها لوجه أمام الانقلابيين الذين يخطّطون للقضاء على دين محمد، واعتبروا أن الحسين آخطر العقبات في ذلك الطريق. لم تكن القضية محصورة بشخص من يحكم المسلمين، وإن كان ذلك جانبا مهمًّا في المعركة الوجودية بين بيت الرسالة والبيت الأمويّ الذي نطق يزيد في مجلسه بحقيقة نظرته للإسلام. جاء ذلك على لسان يزيد عندما تمثّل بأبيات عبد الله الزعبرى التي قالها في يوم بدر قبل إسلامه والتي جاء فيها (لعبت هاشم بالملك فلا خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل) فلم يكن الإسلام مسألة مهمّة لدى الحكم الأموي الذي أطاح بالخلافة وانقلب على محمّد ودينه. وربما لم تكن هذه المسألة ذات أهمية قصوى لو انحصرت بالبيت الأموي. ولكنها تواصلت وغابت الأصوات الرافضة لما طرحه الأمويّون وما قاموا به. وتكفي الإشارة إلى غياب أية معارضة ذات معنى للجرائم التي ارتكبها رموزهم. فعندما قتل معاوية حجر بن عدي وأصحابه لم ترتفع الأصوات المندّدة بالجريمة، بل مرّت وكأن شيئا لم يكن. وكان ذلك خروجا واضحا على منهج رسول الله وعلي الّلذين كان صوتهما ضد الانحراف والجريمة مرتفعا. فلم يقبلا بالظلم أو الاعتداء أو تجاوز الحدود. بينما اعتاد الحكم الأموي تجاهل تلك الحدود، وتجاهل الأحكام والقيم وتهميش الدّين في الحياة العامة، بل أن بعضهم كان يعاقر الخمر حتى عندما يمارس الصلاة.

أولئك أقوام لم يحترموا المجتمع المسلم ولا الحدود الشرعية ولا الأخلاق المجتمعية، كما تمرّدوا على العادات القبلية علنا، وارتكبوا الموبقات بدون حدود. وكان قتل الحسين بن علي عليه السلام أولى تلك الموبقات، فلم تقم للأمة قائمة أخلاقية بعد ذلك. وكان من نتيجة ذلك استهداف مدينة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام للتخريب الأخلاقي، وتشويه سمعتها بتحويلها إلى مدينة للهو والمجون في غضون بضع سنوات بعد قتل الحسين ومن معه. فقد كان أبو عبد الله حصنا واقيا ضد الانحرافات، وبقتله تم اقتحام ذلك الحصن، فاستحلت الحرمات، وارتكبت الموبقات، ولم يبق احترام للحدود والتشريعات.

بهذه الحقائق أصبحت واقعة كربلاء منعطفا خطيرا في تاريخ الإسلام. وساهم صمت الأمّة تجاه تلك الجريمة الشنيعة في تعبيد الطريق لقيام أنظمة سياسية استبدادية تستضعف شعوبها وتحكمها بالنار والحديد ولا تخاف الله في ما تمارس من ظلم بين الناس. كان الحسين صوتا للمظلومين والمسحوقين، وكان حريًّا بأمّة المسلمين أن ترفعه شعارا لنهضة أبديّة من أجل الحرّيّة. لو فعلت ذلك لما استمر الحكم الأمويّ بعد قتل الحسين، ولما قام الحكم العبّاسي ليكون نسخة أخرى من الظلم والاستبداد ومصادرة حق الأمة في اختيار حاكميها واتخاذ قراراتها. كان قتل الحسين مصادرة لمباديء عديدة على رأسها مصادرة سيادة الأمّة، وتكميم أفواه المصلحين، وتهميش العلماء والمصلحين، وسفك الدماء بدون حدود، وإقرار النهج الأموي في الانقلاب على المشروع المحمّدي وحرمان الإنسانية من نظامه العادل وقيمه وأخلاقه. لقد ارتكب يزيد ومن جاء بعده جرائم لا تُغتفر ليس بحق أهل بيت رسول الله فحسب، ولا بحق الأمّة بل استهدف الإنسانية لتصبح مستعبدة من الطغاة وأصحاب المصالح وناهبي ثروات الشعوب. وبقتل الحسين، قُتل المستضعفون والمحرومون، وكُمّمت أفواه دعاة الحق، وعُبّدت الطريق لواحدة من كبريات الجرائم بحق رسول الله. فبعد تصفية حفيده وأهل بيته، وأسر نسائه ومعاملتهم كأسرى من الأجانب والأغراب، لم تبق للمدينة التي كانوا يقطنونها وعرفت بمدينة رسول الله حرمة أو كرامة. فقد كان لأهلها موقف مشرّف بخلعهم بيعة يزيد. فاستهدف علماؤها وقتل المئات من صحابة رسول الله وتابعيه، وفُرضت عليها الرّذيلة لتتحول إلى مدينة مجون وانحطاط أخلاقي، وذلك تحت أوامر مسلم بن عقبة، والي يزيد عليها.

لم يكن استشهاد الحسين عليه السلام ومن معه حدثا عابرا، بل كان ضمن مشروع انقلابي خطير قضى على ما أنجزته رسالة محمد بن عبد الله عليه السلام من إيمان واستقامة وأخلاق. لقد انتهكت حرمة الإسلام وقتلت روح الإيمان في نفوس أبنائها، واستبدلت الشجاعة والإقدام بروح التخاذل والخوف والجهل والاستسلام. ولكنّ الله حوّل دماء الحسين ومن معه إلى وقود لثورة ضميرية مستمرة، ما أن تُخمد في مكان حتى تنبعث في مكان آخر، وبذلك استمرت روح التغيير وبقي للإسلام مكانته في النفوس وانتشاره بين البشر، فأصبح نداؤه عنوانا للظلامة التي تحرّك الجماهير وتصنع الثورات وتقضّ مضاجع الطغاة، عابرة للزمان والمكان، ومؤسّسة لوعي ثوري بقيت شعلته مستمرة حتى اليوم. فهل ما يجري في البحرين اليوم سود من ارتدادات ثورة الحسين؟ وهل استهداف الشعب بالوحشية والتنكيل والقتل إلا بسبب فشل المشروع اليزيدي الذي سار عليه الخليفيون وشعورهم بالإخفاق والهزيمة؟ سيظل الأمر كذلك كذلك حتى يتحقق وعد الله بانتصار المظلومين وسحق الظالمين، وظهور راية الحق بقيادة الإمام المهدي عليه السلام.

اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفكّ قيد أسرانا يا رب العالمين

حركة أحرار البحرين الإسلامية
12 يونيو 2026

زر الذهاب إلى الأعلى